هلوسات حول الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة- سلامة كيلة
4 مارس، 2018
عرض جميع الموضوعات

فلاديمير لينين جورج لوكاش

الدولة والثورة لينين ... the state and revolution

فلاديمير لينين
جورج لوكاش

الثلاثاء, 18 آب 2009 23:21
تقديم

يحتفل العالم هذا العام بالذكرى المئوية الأولى لميلاد فلاديمير إيليتش أوليانوف، الذي خلده التاريخ باسم لينين، نسبة إلى نهر اللينا في سيبيريا، التي نُفي إليها لمدة ثلاث سنوات في زهرة عمره.
وهناك بلا شك أكثر من طريقة لتكريم ذكرى لينين. وأسوء تلك الطرق على الإطلاق هي تلك التي حذرنا منها لينين بنفسه. فقد كتب في «الدولة والثورة» يحتج على تحنيط الثوريين: «تبذل المحاولات بعد مماتهم لتحويلهم إلى أيقونات لا تنفع ولا تضر، لتطويبهم إن صح التعبير، لإحاطة اسمهم بهالة معينة بهدف تعزية الطبقات المضطهَدة وتضليلها. وعن طريق مثل هذا العمل يُفرغ مذهبهم الثوري من محتواه، ويُذل وتثلم حدته الثورية».
وقد نحتفل اليوم بذكري ميلاد لينين، ونحتفل غدا بذكرى وفاته. ولكن هذا لا يعني أن لينين هو اليوم بالنسبة إلينا والى ملايين البشر مجرد ذكرى. فلينين حي بيننا، وفي التاريخ. وتكريمه لا يكون عن طريق تحنيطه، لأن التحنيط هو، في أحسن الأحوال، تكريم لجثته. والحال أن لينين الذي نحن بحاجة إليه هو لينين الحي، لا لينين الميت.
إن ستالين هو الذي أسس طقوس عبادة لينين، وبتعبير لينيني: طقوس عبادة أيقونة لينين. ذلك أن الردة الستالينية، التي هي ردة على اللينينية، كانت بحاجة إلى إحاطة جثة لينين بكل ضروب التكريم والتطويب لأنها كانت بحاجة قبل كل شيء إلى تحويل لينين إلى مجرد جثة: جثة تُعبَد وتقدَّس ولكنها تظل جثة، أي بلا حول ولا قوة، وبلا انفتاح على المستقبل.
وفي أيامنا هذه التي بدأت تعود فيها إلى الستالينية أبعادها الحقيقية كجثة تثقل بوطأتها على التاريخ الحي للاشتراكية، يجدر بنا أن نتذكر أن هذه الجثة لم توار بعد التراب نهائيا، وأن روائح تفسخها ما تزال تلوّث الأجواء، وأن تركتها الثقيلة لم تُصفّ تماما، وأن ورثتها ـ والطامحين في أن يكونوا ورثتها ـ ما زالوا على قيد الحياة.
وطقوس عبادة لينين هي أحد الأشكال التي ما زالت الجثة الستالينية تنفث عن طريقها سمومها في الجسد الحي للاشتراكية. وإذا كنا نحتفل اليوم بذكرى ميلاد لينين، فإن هذه قد تكون مناسبة إضافية لتحرير اللينينية من إسار الأيقونة التي حبست فيها. ولا نظنن أننا ننتهك بذلك القدسيات: فاللينينية يجب أن تبقى، وكما كانت فعلا، نفيا حيا لكل وثنية.
وتحطيم أيقونة لينين، حتى تعود للّينينية كل حيويتها، قد يتطلب منا من الجرأة اليوم أكثر مما تطلب قبل حوالي نصف قرن من الزمن عندما ارتفعت أصوات اللينينيين، غداة وفاة لينين، للاحتجاج على مشروع تحنيطه الستاليني. ونحن نخص بالذكر ههنا صوت شاعر ثورة أوكتوبر الأكبر، ماياكوفسكي، الذي كتب في افتتاحية العدد الأول من مجلته «ليف» الصادرة غداة وفاة لينين، تحت عنوان «لينين ليس للبيع»، منددا بالمحاولات الأولى لتطويب قائد ثورة أوكتوبر:
«رأينا في صحفنا الإعلان التالي:
تماثيل نصفية
لـ ف. إ. لينين
من الجص، من البرونز، من الرخام،
من الغرانيت، بالحجم الطبيعي أو
بضعفي الحجم الطبيعي، بالنسبة إلى
الأصل، مع إذنٍ بنسخه وتوزيعه
صادر عن لجنة تخليد ذكرى
ف. إ. لينين
من صنع النحات
س. د. ميركولوف
عرض
من منشورات الدولة
على منظمات الحزب والنقابات
والإدارات العامة والتعاونيات الخ.
كل نسخة
مأذون بها بالشكل القانوني.
الزيارات وتلقي الطلبات
في فرع المنشورات التجارية
4 شارع رويد ستفنسكا، موسكو
ترسل النماذج المصورة مجانا
بمجرد الطلب.
النسخ والتقليد
يعاقب عليهما القانون.
إننا نحتج.
إننا نوافق عمال سكك حديد ريازان الذين اقترحوا على مصمم الديكور أن يصمم قاعة لينين في ناديهم بدون تمثال نصفي وبدون صورة للينين قائلين: «لا نريد أيقونات».
إننا نلح.
لا تجعلوا من لينين خاتما.
لا تطبعوا صورته على الإعلانات، على الأقمشة المشمعة، على الصحون، على الأقداح، على مشارب السكاير.
لا تصبوه في البرونز.
لا تنزعوا عنه مشيته ووجهه الإنساني الحي الذي عرف كيف يحتفظ به وهو يقود مسيرة التاريخ.
إن لينين ما يزال معاصرنا.
إنه بين الأحياء.
إننا بحاجة إلى لينين حيا لا إلى لينين ميتا.
إذن.
ادرسوا لينين، ولا تطوبوه.
لا تخلقوا طقوس عبادة حول اسم رجل ناضل طوال حياته ضد جميع أنواع العبادات.
لا تتاجروا بأشياء هذه العبادة.
إن لينين ليس للبيع».
فلندرس لينين !
إن صيحة ماياكوفسكي المفجوعة هذه تذكرنا بأنه ليس هناك من طريقة أخرى اليوم لتكريم ذكرى لينين.
ولعلنا نسهم بقسط متواضع في إحياء تلك الذكرى، إذ نقدم للقارئ العربي هذه النصوص الثلاثة التي يحاول كل منها أن يدرس لينين من منظور محدد.
نص جورج لوكاكش الذي صدر في فيينا بعد شهر واحد من وفاة لينين.
ونص نيقولاي بوخارين الذي هو في أساسه خطاب ألقي، بعد شهر من وفاة لينين أيضا، في الأكاديمية الشيوعية بموسكو.
ونص روجيه غارودي الصادر في باريس في عام 1968.
نصوص أربعة تحاول أن تعيد بناء فكر لينين.
الأول يعيد بناءه انطلاقا من الممارسة اللينينية العملية.
والثاني انطلاقا من الممارسة اللينينية النظرية.
والثالث والرابع من الممارسة اللينينية الفلسفية.
وقد تتداخل وتتشابك هنا وهناك النصوص الثلاثة. وليس في هذا من عجب. فاللينينية واحدة. والتمييز بين مختلف لحظاتها ليس إلا ضرورة منطقية عارضة يفرضها التحليل.
وأعظم طموحنا أن تكون هذه النصوص الثلاثة صُواة على طريق إعادة اكتشاف البرنامج الماركسي والمضمون الثوري والروح الحية للنظرية والممارسة اللينينية في إطار الثورة العربية.
جورج طرابيشي
——————————————————————————–

1 – آنيــة الثورة
إن المادية التاريخية هي نظرية الثورة البروليتارية. وإنها لكذلك لأن ماهيتها هي الخلاصة المفهومية لتلك الكينونة الاجتماعية التي تنتج البروليتاريا وتحدد كل وجود البروليتاريا. إنها لكذلك لأن البروليتاريا المناضلة في سبيل تحررها تجد فيها وعيا صافيا لذاتها. ومن هنا فإن عظمة المفكر البروليتاري، عظمة ممثل المادية التاريخية تُقاس بعمق رؤيته لهذه المشكلات واتساع أفقها وهي تُقاس أيضا بالحدة والصحة اللتين يكون قادرا بهما على أن يستشف خلف ظاهرات المجتمع البورجوازي ميول الثورة البروليتارية التي ترتفع في تلك الظاهرات وبواسطتها إلى الوجود الفعلي والوعي الواضح.
ولينين، تبعا لهذه المقاييس، أعظم مفكر أنتجته الحركة العاملة الثورية منذ ماركس. وبديهي أن الانتهازيين، الذين ما عاد في وسعهم أن ينكروا على الملأ من الناس أهميته أو أن يكتفوا بالثرثرة الفارغة حوله، يقولون أن لينين كان رجلا سياسيا روسيا كبيرا، ولكنه كان يفتقد، حتى يكون زعيم البروليتاريا العالمية، إلى حسّ التمييز الذي كان سيتيح له أن يدرك الفارق بين روسيا والبلدان الرأسمالية المتقدمة، ويضيفون بأنه عمّم ـ وهنا تكمن على حد زعمهم حدوده على الصعيد التاريخي ـ مشكلات الواقع الروسي وحلوله دون أي نقد لتطبيقها على العالم قاطبة.
إنهم ينسون أن المأخذ نفسه قد أُخذ على ماركس في حينه. فقد قيل آنذاك أن ماركس استخلص دونما نقد من ملاحظاته على الحياة الاقتصادية الإنكليزية والمعامل الإنكليزية قوانين عامة لتطور المجتمع، وأن تلك الملاحظات الصحيحة كل الصحة في حد ذاتها تصبح بالضرورة خاطئة عندما تُشوّه وتنزل منزلة القوانين العامة. وقد انتفت اليوم الحاجة إلى دحض هذا الخطأ في تفاصيله والى تبيان حقيقة أن ماركس لم «يعمم» بأي صورة من الصور تجارب منعزلة ومحدودة زمانا ومكانا. فماركس قد استشف على العكس، تبعا لمنهج عمل عباقرة التاريخ والسياسة الحقيقيين، ومن وجهة نظر تاريخية ونظرية على حد سواء، عالم الرأسمالية العامة الأكبر من خلال العالم الأصغر الذي هو المصنع الإنكليزي ومسلماته وشروطه ونتائجه الاجتماعية، وكذلك من خلال الميول التاريخية التي أفضت إلى ولادته وتلك التي تجعل وجوده أمرا غير مؤكد على الدوام.
وهذا بالضبط ما يميز العبقري على المتفقه في العلوم والسياسة. فهذا الأخير لا يستطيع أن يفهم ويميز مراحل الصيرورة الاجتماعية إلا من خلال معطياتها المباشرة وانعزالها. وعندما يريد الارتفاع إلى استنتاجات عامة، لا يفعل من شيء في الواقع إلا أن يفسر بصورة مجردة حقا بعض الجوانب من ظاهرة محدودة في الزمان والمكان وينزلها منزلة «القوانين العامة» ويطبقها على هذا الأساس. وبالمقابل فإن العبقري الذي يعي بكل وضوح وصفاء الميل العام الحقيقي لعصر من العصور، الميل الذي ما يزال تأثيره حيا ينبض، يرى حركة هذا الميل وراء جملة أحداث عصره. ومن هنا فإنه يعالج أيضا المشكلات الأساسية الحاسمة الممتدة على المرحلة كلها، حتى وإن كان هو نفسه لا ينوي الكلام إلا عن المسائل الآنية.
إننا نعلم اليوم أن عظمة ماركس إنما تكمن ههنا. فهو قد استوعب، انطلاقا من بنية المصنع الإنكليزي، جميع الميول الحاسمة للرأسمالية الحديثة وفسّرها. ولقد كانت كلية التطور الرأسمالي ماثلة على الدوام أمام ناظريه. ولهذا كان قادرا على أن يستشف في كل ظاهرة من ظاهرات هذا التطور كليته، وأن يرى في بنيته اتجاه تقدمه.
ولكن قليلين من الناس يعلمون اليوم أن لينين أنجز في عصرنا ما أنجزه ماركس بالنسبة إلى تطور الرأسمالية اليوم. فهو قد رأى على الدوام مشكلات العصر بأكمله في مشكلات تطور روسيا الحديثة، بدءا من مشكلة ولادة الرأسمالية في إطار الحكم المطلق ونصف الإقطاعي إلى مشكلات بناء الاشتراكية، في بلد زراعي متخلف: الدخول في المرحلة الأخيرة من الرأسمالية وإمكانيات توجيه التصادم الحاسم الذي بات محتما بين البورجوازية والبروليتاريا لصالح البروليتاريا ولخلاص الإنسانية.
إن لينين، شأنه شأن ماركس، لم يعمم قط تجارب محلية خاصة بروسيا، ومحدودة في الزمان والمكان. ولكنه أدرك وميّز، بنفاذ بصيرة وعبقرية، مشكلة عصرنا الأساسية في المكان والزمان اللذين برزت فيهما نتائجها الأولى، وأعني بتلك المشكلة اقتراب الثورة. وإنما من خلال هذا المنظور، منظور آنية الثورة، فهم جميع المشكلات الروسية والأممية على حد سواء وجعلها مفهومة.
آنية الثورة، تلك هي فكرة لينين الأساسية والنقطة الحاسمة التي تربطه بماركس. ذلك أن المادية التاريخية بوصفها تعبيرا نظريا عن النضال في سبيل تحرر البروليتاريا ما كان من الممكن تصورها وصياغتها نظريا إلا في اللحظة التاريخية التي أصبحت فيها مطروحة على جدول أعمال التاريخ من خلال آنيته العملية، أي في اللحظة التي ما عاد يظهر فيها في بؤس البروليتاريا البؤس وحده كما قال ماركس، بل على العكس الجانب الثوري «الذي سيطيح بالمجتمع القديم». وبديهي أن إدراك آنية الثورة البروليتارية كان بحاجة آنذاك إلى رؤية العبقري الجريئة. ذلك أن الثورة البروليتارية لا تصبح منظورة بالنسبة إلى عامة الناس إلا بعد أن تكون الجماهير العمالية قد شرعت تناضل حول المتاريس. ومما يزيد في عمى أولئك الأفراد المتوسطين أنهم تلقوا تحصيلا ماركسيا مبتذلا. ذلك أن أسس المجتمع البورجوازي ثابتة راسخة في نظر «الماركسي» المبتذل إلى درجة لا يتمنى معها، حتى عندما تسمع أذناه قضقضة ذلك المجتمع المبشرة بانهياره، إلا عودته إلى حالته «السوية». فهو لا يرى في أزماته إلا أعراضا عارضة، ويعتبر النضال حتى في أوقات الأزمات تمردا لا معقولا من قِبل أناس غير جديين ضد الرأسمالية التي لا سبيل إلى قهرها بالرغم من كل شيء. وعلى هذا فإن مقاتلي المتاريس يبدون له أناسا تائهين ضالين، والثورة المسحوقة تبدو له «غلطة». وفضلا عن ذلك يعتبر «الماركسيون» المبتذلون بناة الاشتراكية في ثورة مظفرة مجرمين أو كالمجرمين، لأن النصر لا يمكن في نظرهم إلا أن يكون مؤقتا عارضا.
إن المقدمة العامة لنظرية المادية التاريخية هي إذن كما نرى الآنية العالمية للثورة البروليتارية. وبهذا المعنى فإن العمل في سبيل أن تكون الثورة البروليتارية وشيكة راهنة يشكل نواة المذهب الماركسي، ويقدم أساسا موضوعيا لكل المرحلة ومفتاحا لفهمها في الوقت نفسه. ولكن بالرغم من هذا التقييد الذي تجلى في الرفض الصريح القاطع لكل الأوهام غير المبنية وفي الإدانة الصارمة لجميع المحاولات الانقلابية التآمرية، لم يحجم التأويل الانتهازي عن التشبث بتفاصيل الأخطاء المزعومة التي انطوت عليها توقعات ماركس الخاصة مستهدفا من وراء ذلك، وبمثل هذه الحيلة المكشوفة، فصل الثورة عن كل البناء الماركسي فصلا مطلقا جذريا. وهنا على وجه التحديد يلتقي، في منتصف الطريق، المدافعون «الأرثوذكسيون» عن ماركس مع نقاده. أفلم يقل كاوتسكي لبرنشتاين أنه من الممكن التخلي في المستقبل بكل هدوء واطمئنان عن قرار دكتاتورية البروليتاريا؟
وبصدد هذه النقطة على وجه التحديد أعاد لينين للنظرية الماركسية نقاءها. وحول هذه النقطة على وجه التحديد جاءت صياغته لها أكثر وضوحا وعينية. وليس ذلك لأنه سعى بطريقة أو أخرى إلى تصحيح ماركس. وكل ما هنالك أنه أدخل في تلك النظرية المسيرة المستمرة للتاريخ منذ وفاة ماركس. وهذا يعني أن آنية الثورة البروليتارية لم تعد بعد الآن مجرد أفق من آفاق التاريخ العالمي المحلق فوق الطبقة العاملة التي في سبيلها إلى التحرر، وإنما يعني أن الثورة أصبحت من الآن مسألة مطروحة على جدول أعمال الحركة العاملة. ولقد كان في وسع لينين أن يتحمل بلا مشقة تهمة البلانكية التي ألصقت به بسبب موقفه المبدئي الأساسي ذاك، ولا سيما أن مثل تلك التهمة كانت تتيح له أن يتمتع بعِشرة ماركس الذي اتُهم هو الآخر بالبلانكية من بعض الجوانب. فمن جهة أولى لم يتصور لا ماركس ولا لينين آنية الثورة البروليتارية وآنية أهدافها النهائية على أنها قابلة من الآن للتحقيق بأي كيفية كانت وفي أي زمان كان. ولكن آنية الثورة من الجهة الثانية كانت تمثل بالنسبة إلى الاثنين معا المعيار الموثوق للقرارات في جميع الأعمال اليومية. فآنية الثورة تشير إلى اللحن السائد في عصر بأكمله. والأعمال المنفردة تكون ثورية أو مناهضة للثورة تبعا لعلاقتها بتلك النواة المركزية، وهي علاقة لا يمكن تحديدها إلا عن طريق التحليل الدقيق لمجموع الوقائع التاريخية-الاجتماعية. إذن فآنية الثورة تعني ما يلي: معالجة كل مشكلة يومية خاصة من خلال ارتباطها العيني بالكلية التاريخية-الاجتماعية، واعتبار تلك المشكلات مراحل من تحرر البروليتاريا. والاغتناء الذين تدين به الماركسية للينين يكمن بكل بساطة ـ بكل بساطة ـ في الصلة الأوثق والأوضح والأحفل بالنتائج بين الأعمال المنفردة وبين المصير العام، المصير الثوري للطبقة العاملة بأسرها. وهذا يعني بكل بساطة أيضا أن كل مسألة آنية وراهنة قد أصبحت في الوقت نفسه ـ بوصفها مسألة يومية ـ مشكلة أساسية من مشكلات الثورة.
لقد طرح تطور الرأسمالية الثورة البروليتارية على جدول الأعمال. وليس لينين هو الوحيد الذي رأى اقتراب هذه الثورة. ولكنه يتميز بجرأته وإخلاصه ونكرانه للذات لا عن أولئك الذين يتوارون عن الأنظار بجبن في اللحظة التي تدخل فيها الثورة البروليتارية ـ التي كانوا يعلنونها وشيكة راهنة نظريا ـ في مرحلتها العملية فحسب، بل يتميز أيضا بوضوحه النظري عن خيرة الثوريين المعاصرين وأصحاهم فكرا وأكثرهم إخلاصا. ذلك أن هؤلاء الأخيرين لم يتعرفوا الثورة البروليتارية إلا على النحو الذي عقلها به ماركس بنفسه في عصره، أي لم يتعرفوها إلا كمشكلة أساسية تنسحب على المرحلة كلها. ولكنهم لبثوا عاجزين في الوقت نفسه عن أن يجعلوا من تلك المعرفة الصحيحة ـ الصحيحة من منظور التاريخ العالمي ومنه وحده ـ الخيط الهادي الموثوق لتسوية جميع المسائل اليومية، أسواء منها المسائل السياسية أم الاقتصادية، النظرية أم التكتيكية، التحريضية أم التنظيمية. ولينين هو الوحيد الذي خطا الخطوة نحو الممارسة العينية للماركسية التي أصبحت مذ ذاك عملية تماما. ولهذا فإنه على الصعيد التاريخي العالمي النظري الوحيد الذي أنتجه النضال في سبيل تحرر البروليتاريا ووضعه في مستوى ماركس.
——————————————————————————–
2 – البروليتاريـــا
إن عدم استقرار الأوضاع في روسيا قد تكشف للعيان قبل حقبة طويلة من دخولها في مرحلة التطور الرأسمالي الحقيقي، وقبل حقبة طويلة من ولادة بروليتاريا صناعية فيها. ذلك أن انحلال الإقطاع الزراعي وتفسخ نظام الحكم المطلق البيروقراطي كانا قد أصبحا منذ عهد بعيد حقيقة واقعة لا يمارى فيها من حقائق الواقع الروسي، وأفضيا علاوة على ذلك ـ على صعيد التحريض الفلاحي وتثوير الانتلجانسيا المهتزة طبقيا ـ إلى ولادة فئات اجتماعية ثارت بين الحين والآخر على القيصرية وإن بصورة غامضة، مبهمة، بدائية خالصة. وغني عن البيان أن تطور الرأسمالية كان لا بد أن يؤدي إلى زيادة حدة ذلك الانقلاب الموضوعي ونتائجه الإيديولوجية الثورية، بالرغم من أن هذا التطور وأهميته البالغة قد غابا حتى عن أبصار أكثر الناس صحو فكر وأبعدهم نظرا. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر راح يتضح أكثر فأكثر وبصورة ساطعة أن روسيا التي كانت ما تزال في عام 1848 حصن الرجعية الأوروبية تتقدم رويدا رويدا في اتجاه الثورة. وكان السؤال المطروح على بساط البحث هو التالي: ما الطابع الذي سيكون لتلك الثورة؟ ومن ثم: ما الطبقة التي ستلعب فيها الدور القيادي؟
غني عن القول أن الأجيال الأولى من الثوريين لم تطرح على نفسها هذا السؤال إلا بصورة شديدة الإبهام. فهي قد رأت أولا في الجماعات التي كانت تثور على القيصرية كتلة متجانسة: الشعب. وبديهي أن الانقسام بين المثقفين والشغيلة اليدويين ما كان من الممكن أن يظل مختفيا عن الأنظار حتى في ذلك المستوى من التطور، ولكن لم يكن له أي وزن حاسم البتة لأنه لم يكن من الممكن بعد أن يكون «للشعب» طابع واضح ومحدد من وجهة النظر الطبقية، ولأن الثوريين الصادقين الخلّص هم وحدهم الذين انضموا إلى الحركة من بين سائر المثقفين. ولقد كانت المبادئ الثابتة الراسخة لهؤلاء الثوريين هي الاندماج بـ«الشعب» وخدمة مصالحه وحدها.
ومهما يكن من أمر، لم يكن من الممكن ألا يؤثر تطور أوروبا، حتى في تلك المرحلة من الحركة الثورية، على سير الأحداث، وبالتالي على المنظور الثوري الذي حاكم الثوريون الأحداث ابتداء منه. وهنا لم يكن مفر من أن ينطرح هذا السؤال: هل تطور أوروبا وتطور الرأسمالية هما المصير المحتوم لروسيا؟ وهل يتوجب على روسيا هي الأخرى أن تمر بجحيم الرأسمالية لتجد خلاصها في الاشتراكية؟ أم أنها تستطيع أن تحرق هذه المراحل من التطور بسبب الطبيعة الخاصة لأوضاعها وبسبب المشاعة القروية التي كانت ما تزال على قيد الحياة، وأن تشق طريقها بصورة مباشرة إلى الشيوعية المتطورة انطلاقا من الشيوعية البدائية؟
ولم تكن الإجابة على هذا السؤوال واضحة أكيدة آنذاك كما يمكن أن تبدو اليوم. أفلم يجب فريدريك انجلز بنفسه في عام 1882 على النحو التالي: إذا ما أدت الثورة في روسيا إلى اندلاع ثورة بروليتارية في أوروبا في الوقت نفسه، فإن «الملكية المشاعية الروسية الحالية يمكن أن تتخذ آنذاك نقطة انطلاق لتطور شيوعي».
ولا يتسع المجال هنا للتطرق، ولو بصورة أولية، إلى تاريخ الصراعات النظرية حول هذا الموضوع. وكل ما هنالك أن هذا التاريخ يملي علينا اختيار نقطة انطلاقنا لمعالجة هذه المشكلة التي انطرحت معها بالنسبة إلى روسيا مسألة الطبقة القائدة للثورة القادمة. إذ إنه من الواضح أن الاعتراف بالشيوعية القروية كنقطة انطلاق وكأساس اقتصادي للثورة يجعل من بالضرورة من الفلاحين الطبقة القائدة للانقلاب الاجتماعي. وانسجاما مع هذا الأساس الاقتصادي-الاجتماعي للثورة، المختلف عن أساس الثورة الأوروبية، كان لا بد للثورة أن تبحث أيضا عن أساس نظري آخر غير المادية التاريخية التي ليست إلا التعبير النظري عن الانتقال المحتوم الذي ينجزه المجتمع بقيادة الطبقة العاملة من الرأسمالية إلى الاشتراكية. أما المناقشة بصدد معرفة ما إذا كانت روسيا على وشك التطور باتجاه الرأسمالية وما إذا كانت الرأسمالية قادرة على التطور في روسيا، وكذلك المساجلة العلمية-المنهجية بصدد معرفة ما إذا كانت المادية التاريخية نظرية للتطور الاجتماعي تصلح لكل زمان ومكان، وأخيرا المناظرة بصدد معرفة الطبقة الاجتماعية المدعوّة لأن تصبح المحرك الحقيقي للثورة الروسية، فإنها تدور جميعها حول المشكلة نفسها، وهي كلها تعبير أيديولوجي عن تطور البروليتاريا الروسية، مراحل من تطور استقلالها الأيديولوجي (وبالتالي التكتيكي والتنظيمي الخ) إزاء سائر طبقات المجتمع.
وهذا التطور هو في الواقع صيرورة شاقة وطويلة النفس، يتوجب على كل حركة عاملة أن تجتازها. ولا مجال هنا للكلام عن مشكلات روسية نوعية باستثناء المشكلات الخاصة التي تضفي المزيد من الأهمية على خصوصية الأوضاع الطبقية وعلى استقلال مصالح البروليتاريا الطبقية (كانت الطبقة العاملة الألمانية في مثل هذه المرحلة في أيام لاسال وبيبل وشفايتزر، وكانت الوحدة الألمانية تمثل بالنسبة إليها مسألة حاسمة). ولكن هذه المشكلات المحلية الخاصة ينبغي أن تجد لها حلا حقيقيا، بوصفها مشكلات محلية خاصة، من اللحظة التي تنطرح فيها على البروليتاريا مسألة استقلال عملها من منظور خط طبقي محدد. وخير الإنشاءات النظرية لا تفيد هنا شيئا البتة إذا ما اقتصرت على ما هو عام، وهي لا تصبح ناجعة فعالة في الممارسة إلا إذا أوجدت الحل الصحيح لتلك المشكلات الخاصة (ومن الأمثلة على ذلك ويلهلم ليبكنشت، الأممي المندفع وتلميذ ماركس المباشر، الذي لم ينجح في غالب الأحيان في الوصول إلى القرار الصحيح الواجب اتخاذه بصدد المسائل الخاصة، شأنه في ذلك شأن أتباع لاسال الذين كانوا أكثر بلبلة وإبهاما بكثير من الزاوية النظرية المحضة). ولكن ثمة واقعة روسية نوعية جديرة بأن تلفت الانتباه وهي أن النضال النظري المتعلق باستقلال البروليتاريا وبتفهم طبيعة دورها القيادي في الثورة الصاعدة لم يجد حله الصحيح والواضح والدقيق في أي قطر آخر كما وجده في روسيا. وبذلك أمكن للبروليتاريا الروسية أن تتجنب إلى حد كبير الترددات والانتكاسات التي نستطيع أن نلاحظها في جميع الأقطار المتطورة بلا استثناء، لا فيما يتعلق بنتائج الصراع الطبقي حيث لا مفر من الترددات والانتكاسات، وإنما فيما يتعلق بالوضوح النظري وبسلامة تكتيك الحركة العاملة وتنظيمها. وقد استطاعت البروليتاريا الروسية ـ وعلى الأقل أوعى فئاتها ـ أن تتطور بمثل هذا الصفاء والوعي نظريا وتنظيميا، على نفس النحو الذي تطور به وضعها الطبقي الموضوعي انطلاقا من القوى الاقتصادية للرأسمالية الروسية.
ولم يكن لينين أول من شرع بهذا النضال. ولكنه الوحيد الذي طرح جميع المسائل طرحا جذريا ومن جميع جوانبها، والوحيد الذي طبق عمليا وبصورة جذرية فهمه النظري.
إن لينين لم يكن إلا أحد الناطقين النظريين بلسان النضال ضد الاشتراكية الروسية «الأصيلة» وضد النارودنيين [10]. وهذا شيء يسهل فهمه، لأن نضاله النظري كان يستهدف البرهان على الدور القيادي والمستقل للبروليتاريا في مصير روسيا مستقبلا. ولكن لما كانت طريق هذه المناقشة ووسائلها تقوم، ولا يمكن إلا أن تقوم على إثبات أن المسار النموذجي الذي رسمه ماركس لتطور الرأسمالية (التراكم البدائي) قابل للانطباق أيضا على روسيا، لذا فإن تلك المساجلات كان لا بد أن تقود، بصورة مؤقتة، الناطقين بلسان النضال الطبقي البروليتاري وأيديولوجيي الرأسمالية الروسية إلى مواقع مشتركة. والواقع أن التمايز النظري للبروليتاريا عن تلك الكتلة الهلامية المتخثرة التي يشكلها «الشعب» لم يؤد بصورة آلية إلى تفهم استقلالها ودورها القيادي والى الاعتراف بهما. بل على النقيض من ذلك تماما ! فالنتيجة الميكانيكية وغير الجدلية التي استخلصت من إقامة البرهان على أن ميول تطور الحياة الاقتصادية في روسيا تسير باتجاه الرأسمالية أوحت بضرورة الاعتراف التام بهذه الحقيقة الواقعة وتشجيع قيامها وتحققها. وهذا ليس فحسب بالنسبة إلى البورجوازية الليبيرالية التي تصبح أيديولوجيتها ـ «الماركسية» مؤقتا ـ ميسورة الفهم إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الماركسية هي النظرية الاقتصادية الوحيدة التي تؤكد أن الرأسمالية تتكون بالضرورة انطلاقا من تفسخ العالم ما قبل الرأسمالي وانحلاله. وإنما أيضا، وبالدرجة الأولى، بالنسبة إلى جميع الماركسيين «البروليتاريين» الذين يفهمون الماركسية فهما ميكانيكيا غير جدلي، والذين لا يدركون ـ بخلاف ما تعلمه ماركس من هيغل وما أدخله في نظريته بعد أن حرره من كل ميتولوجيا ومن كل مثالية ـ أن الاعتراف بالوجود الفعلي لواقعة من الوقائع أو لميل من الميول لا يعني في الوقت نفسه الاعتراف بهذا الميل أو بتلك الواقعة كحقيقة واقعة محددة للعمل. وصحيح أن الواجب المقدس لكل ماركسي أصيل أن يواجه الوقائع بلا أوهام وبلا خوف، ولكن من واجبه أيضا أن يدرك أن هناك شيئا أكثر صحة، وبالتالي أكثر أهمية، من الوقائع المنعزلة أو الميول، وأعني بذلك واقع الحركة العامة، كلية تطور المجتمع. ولهذا كتب لينين: «إن من مهمة البورجوازية تطوير التروستات، وإرسال الأولاد والنساء إلى المصانع، واستنفاد قواهم وإنهاكهم في العمل فيها، ودفعهم إلى حضيض البؤس. ونحن لا «نطالب» بمثل هذا التطور، نحن لا نؤيده، بل نناضل على العكس ضده. ولكن بأي طريقة نناضل ضده؟ إننا نعلم أن التروستات وعمل النساء في المصانع تمثلا تقدما. ونحن لا نريد أن نرجع القهقرى نحو الصناعة اليدوية ونحو الرأسمالية غير الاحتكارية ونحو عمل النساء في البيوت. وإنما إلى الأمام عبر التروستات، ومن ورائها إلى الاشتراكية!».
وبذلك نكون قد حددنا الزاوية التي يحلّ منها لينين كل هذه المجموعة من المسائل. وينجم عن ذلك أن الاعتراف بضرورة تطور روسيا الرأسمالي، والاعتراف بما يصاحب هذا التطور من تقدم تاريخي، لا يعني البتة أن من واجب البروليتاريا أن تساند هذا التطور. فهي مرغمة على أن تحيي هذا التطور الذي يمهِّد وحده الطريق لتدخل البروليتاريا كعامل حاسم القوة. ولكن عليها أيضا أن تحييه بوصفه شرطا مسبقا لنضالها القاسي هي بالذات ضد عامل هذا التطور: ضد البورجوازية.
وإنما بفضل هذا الفهم الجدلي لضرورة الميول التاريخية ينفتح المجال النظري لظهور البروليتاريا على مسرح الصراع الطبقي ظهورا مستقلا. أما فيما لو أكدنا ضرورة تطور روسيا الرأسمالي، كما يفعل ذلك الأبطال الأيديولوجيون للبورجوازية الروسية وفي مرحلة لاحقة المناشفة، لكان علينا أن نستنتج من ذلك أن على روسيا أن تنجز قبل كل شيء تطورها الرأسمالي. وعامل هذا التطور هو البورجوازية. ومن ثَمَّ فإن النضال الطبقي المستقل للبروليتاريا لا يمكن أن يبدأ إلا بعد أن يكون ذلك التطور قد قطع شوطا كبيرا، وإلا بعد أن تكون البورجوازية قد أزاحت من الطريق بقايا أنقاض الإقطاع السياسية والاقتصادية وأقامت مكانها بلدا حديثا، رأسماليا، ديموقراطيا، الخ. وبالمقابل لا جدوى البتة من ظهور البروليتاريا ذات الأهداف الطبقية المستقلة على مسرح الأحداث قبل الأوان، وهذا لا لأن البروليتاريا لن يكون لها من حساب كقوة مستقلة بنفسها في الصراع بين البورجوازية والقيصرية فحسب، بل أيضا لأنها قد تكون نذير شؤم بالنسبة إلى ذلك الصراع، إذ أنها ستبعث الذعر في البورجوازية وتضعف قدرتها على مواجهة القيصرية وتلقي بها مباشرة في أحضان القيصرية. إذن فمن واجب البروليتاريا ألا تدخل ـ آنيا ـ في الصراع إلا بوصفها قوة مساعدة للبورجوازية الليبرالية في كفاحها من أجل روسيا حديثة.
ومن الواضح، حتى ولو أن هذه المسألة لم تنجلِ كل الانجلاء في المناقشات السالفة، أن آنية الثورة كانت الأساس في كل تلك المناظرة، وأنه إنما بدءا منها شرعت الطرق بالافتراق بالنسبة إلى المتناظرين الذين ما كانوا هذه المرة من الأيديولوجيين البورجوازيين المتفاوتين في درجة الوعي. ولقد كانت المسألة المطروحة على بساط البحث هي معرفة ما إذا كان من الواجب اعتبار الثورة مشكلة راهنة، مسألة مطروحة على جدول أعمال الحركة العمالية، أم ما إذا كان من الواجب الافتراض بأن الثورة عاجزة بوصفها «هدفا نهائيا» نائيا عن ممارسة تأثير حاسم على القرارات الآنية. ومع ذلك فإنه لأكثر من مشكوك فيه أن تكون قد وجدت قط إمكانية لقبول البروليتاريا بوجهة النظر المنشفية حتى ولو أمكن الاعتراف بصحة منظوراتها التاريخية. وفي استطاعتنا بالفعل، وبعد طول تروٍّ، أن نتساءل عما إذا لم تكن مثل هذه الاتباعية الذليلة إزاء البورجوازية كفيلة ببلبلة وعي البروليتاريا الطبقي إلى درجة يصبح معها عمل البروليتاريا المستقل على الصعيد الأيديولوجي مستحيلا أو صعبا للغاية على الأقل في حال الانفصال عن البورجوازية، وهذا حتى في مرحلة تاريخية يفترض فيها أنها مناسبة من وجهة نظر النظرية المنشفية (والحركة العاملة الإنكليزية تقدم مثالا ساطعا على ذلك). وبديهي أن مثل هذه الفرضية تعتبر بحكم الباطلة على صعيد الممارسة. ذلك أن جدل التاريخ الذي يسعى الانتهازيون إلى استئصاله من الماركسية يبقى مع هذا فعالا فيهم رغم أنوفهم وإرادتهم، ويدفع بهم إلى معسكر البورجوازية، ومن هنا كان إرجاؤهم إلى أجل غير مسمى، إلى مستقبل بعيد ضبابي لن يصبح أبدا حاضرا، للحظة التي يفترض فيها أن تظهر البروليتاريا على المسرح ظهورا مستقلا.
لقد استصوب التاريخ رأي لينين ورأي القليلين من أمثاله المبشرين بآنية الثورة. فالتحالف مع البورجوازية التقدمية، الذي تكشَّف منذ عصر النضال في سبيل الوحدة الألمانية على أنه وهم من الأوهام، ما كان ليكون خصبا مثمرا إلا إذا كان في وسع البروليتاريا كطبقة أن تسير في ركاب البورجوازية إلى حد التحالف مع القيصرية. ذلك أن آنية الثورة البروليتارية تعني أن البورجوازية قد كفت عن أن تكون طبقة ثورية. وصحيح أن التطور الاقتصادي الذي ظلت هي عامله والمنتفع منه يمثل تقدما إزاء الحكم المطلق والإقطاع، ولكن طابع البورجوازية التقدمي هذا أصبح بدوره جدليا. وهذا معناه تراخي الارتباط الضروري بين الشروط الاقتصادية لوجود البورجوازية وبين مطالب الديموقراطية السياسية والدولة الدستورية الخ، تلك المطالب التي حققتها جزئيا الثورة الفرنسية الكبرى على أنقاض الحكم المطلق الإقطاعي. والواقع أن الاقتراب المتسارع للثورة البروليتارية يفسح من جهة أولى إمكانية تحالف بين البورجوازية والحكم المطلق الإقطاعي يترك الهيمنة السياسية للقوى السائدة القديمة ويضمن في الوقت نفسه الشروط الاقتصادية لوجود البورجوازية ونموها، ويلقي من الجهة الثانية على عاتق الثورة البروليتارية بعبء إنجاز المطالب الثورية القديمة للبورجوازية التي لا يتبقى لها من مصير غير الانحلال الأيديولوجي. وبالرغم من أن ذلك التحالف بين البورجوازية والقوى السائدة القديمة يظل بعيد الاحتمال لأنه سيكون تسوية يمليها الخوف المشترك من آفة أدهى وليس تحالفا طبقيا قائما على رابطة إيجابية من المصالح المشتركة، فإنه يشكل مع ذلك واقعة جديدة وهامة. واقعة يتكشف إزاءها «البرهان» التعميمي والميكانيكي القائم على «الارتباط الضروري» بين التطور الرأسمالي والديموقراطية على أنه مجرد وهم من الأوهام. ولقد قال لينين: «إن الديموقراطية السياسية ليست بصورة عامة سوى أحد الأشكال الممكنة للبنى الفوقية للرأسمالية (حتى وإن كانت هي الطبيعية نظريا بالنسبة إلى الرأسمالية «الخالصة»). والرأسمالية والإمبريالية على حد سواء تتطوران، كما أثبتت الوقائع، تحت أي شكل سياسي كان، وتقسران ذاتهما على التكيف مع جميع هذه الأشكال». وفي روسيا بوجه خاص تم تحوّل البورجوازية السريع هذا وانتقالها من المعارضة الجذرية ظاهرا إلى تأييد القيصرية على أساس من أن الرأسمالية، التي لم تعرف في روسيا تطورا «عضويا» وإنما نقلت إليها غراسها من الخارج، أظهرت منذ بداياتها طابعا احتكاريا بارزا (هيمنة المشاريع الكبيرة، ودور الرأسمال المالي، الخ). وقد نجم عن ذلك أن البورجوازية الروسية كانت عبارة عن فئة اجتماعية أضعف عدديا وأوهن اجتماعيا من بورجوازيات البلدان الأخرى التي شهدت تطورا رأسماليا أكثر «عضوية». كما نجم عن ذلك أيضا أن البروليتاريا الثورية وجدت في المشاريع الكبيرة الأسس المادية الضرورية لتطورها الذي جاء أسرع بكثير مما كان يفترضه التأويل الإحصائي المحض لوتيرة تطور الرأسمالية في روسيا.
ولكن إذا ما اتضح أن التحالف مع البورجوازية الليبرالية هو بمثابة وهم من الأوهام، وإذا ما قطعت البروليتاريا التي دفعت غاليا ثمن استقلالها صلتها نهائيا بمفهوم «الشعب» السديمي، أفلن تجد نفسها في النهاية، وعلى وجه التحديد بسبب ذلك الاستقلال الذي لم تتوصل إليه إلا بصعوبة بالغة، في عزلة لا أمل لها. وقد حكم عليها بأن تخوض صراعا كتب عليه سلفا الفشل الأكيد؟ لقد كان هذا الاعتراض السهل التصور الذي طالما شهر في وجه رؤية لينين للتاريخ قابلا لأن يؤخذ به فيما لو أن رفض نظرية النارودنيين الزراعية والاعتراف بحتمية انحلال بقايا الشيوعية الزراعية لم يكونا هما أيضا من طبيعة جدلية. فجدل صيرورة الانحلال تلك إنما يكمن فيما يلي: إن ضرورة انحلال تلك الأشكال ليس لها من معنى واضح محدد إلا من زاوية سلبية ومن حيث أنها صيرورة انحلال. وانطلاقا من هذه الصيرورة يستحيل كل الاستحالة تحديد المآل الذي ستتخذه من زاويتها الإيجابية. فالمسألة تتعلق بتطور السياق الاجتماعي وبمصير الكلية التاريخية. وبلغة أقل تجريدا، يمكن لصيرورة انحلال الأشكال الزراعية القديمة (بدءا من الملاك العقاري الكبير إلى الفلاح الصغير)، وهي الصيرورة المحتمة اقتصاديا، أن تتم بطريقتين. أو على حد تعبير لينين: «إن كلا شكلي الانحلال يسهلان، كلا على طريقته، الانتقال إلى درجة أعلى من التقنية، وطريق تقدم الزراعة يمر بكليهما على حد سواء». والطريق الأول هو تطهير الحياة الفلاحية من جميع بقايا العصور الوسطى (وما قبل الوسطى أيضا). أما الطريق الثاني، الذي يصفه لينين بأنه «الطريق البروسي»، يتميز بأن تصفية تركة العصور الوسطى فيما يتعلق بعلاقات الملكية العقارية لا تتم دفعة واحدة، وإنما من خلال تكيف تدرجي مع الرأسمالية». وكلا هذين الطريقين ممكن، وكلاهما يمثل تقدما من وجهة النظر الاقتصادية بالمقارنة مع الوضع القائم. ولكن إذا كان هذان الميلان ممكنين كليهما، وإذا كانا تقدميين كليهما بمعنى من المعاني، فمن ذا الذي سيقرر إتباع أحد الطريقين دون الآخر؟ الحق أن جواب لينين على هذا السؤال كما على سائر الأسئلة واضح دقيق: إنه الصراع الطبقي.
وبذلك ترتسم بوضوح أكبر وبصورة ملموسة أكثر المعالم الكبرى للسياق الذي ينبغي للبروليتاريا أن تظهر فيه ظهورا مستقلا بوصفها طبقة قائدة. ذلك أن القوة الحاسمة في ذلك الصراع الطبقي، الذي يعني بالنسبة إلى روسيا الانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، لا يمكن أن تكون غير البروليتاريا. فالفلاحون غير قادرين إلا على تمرّد بدائي ضد أوضاعهم التي لا تطاق ولا تني تتفاقم، وعجزهم عن القيام بأكثر من تمرّد بدائي لا يعود إلى مستواهم الثقافي المتخلف إلى حد مريع فحسب، بل وعلى الأخص إلى وضعهم الطبقي الموضوعي. فبحكم وضعهم هذا كتب عليهم أن يبقوا فئة اجتماعية مترددة بين سياسات عدة، طبقة يتعلق مصيرها في خاتمة المطاف بالصراع الطبقي في المدن، بمصير المدن، بالصناعة الكبيرة، بجهاز الدولة الخ.
وإنما في هذا السياق وحده يكون القرار بين يدي البروليتاريا. وليس من المستبعد أن تكون آفاق نضالها ضد البورجوازية، في اللحظة التاريخية المحددة، أقل انفتاحا وغنى فيما لو نجحت البورجوازية في أن تصفي لحسابها الخاص إقطاعية الوضع الزراعي الروسي. والحق أن القيصرية، التي عقدت عليها هذه المهمة وصعَّبتها، هي التي تفسر بصورة رئيسية موقفها الثوري العارض أو على الأقل معارضتها لها. ولكن ما دامت تلك المسألة لمَّا تحلّ بعد، فمن الممكن في كل لحظة أن يقوم ملايين الفلاحين المسترقين والمستغلين أبشع استغلال بتمرد بدائي. والبروليتاريا هي وحدها التي تستطيع أن تعطي هذا التمرد البدائي اتجاها محددا قادرا على قيادة حركة الجماهير إلى هدف مفيد لها حقا. وفي هذه الحال سيخلق ذلك التمرد البدائي الشروط التي تستطيع فيها البروليتاريا أن تباشر المعركة ضد القيصرية والبورجوازية ضامنة لنفسها كافة شروط الانتصار.
وهكذا فإن بنية روسيا الاقتصادية والاجتماعية هي التي خلقت الأسس الموضوعية للتحالف بين البروليتاريا والفلاحين. فالأهداف الطبقية للبروليتاريا والطبقة الفلاحية مختلفة. ولهذا كان من الواجب أن يتخلع اجتماعهما السديمي في مفهوم «الشعب» المبهم الذي قال به الشعبيون. ولكنهما ما كانتا قادرتين بالمقابل على تحقيق أهدافهما الطبقية المختلفة إلا عبر النضال المشترك. وبذلك تعاود فكرة النارودنيين القديمة عن طابع الثورة الروسية ظهورها في التصور اللينيني، ولكن بعد أن طرأ عليها تحوُّل جدلي. فقد كان من الواجب استبعاد مفهوم «الشعب» المبهم والمجرد حتى يظهر مكانه، انطلاقا من التفهم العيني لشروط قيام ثورة بروليتارية، مفهوم الشعب بمعناه الثوري أي التحالف الثوري بين جميع المضطهَدين. ولهذا يعتبر حزب لينين نفسه، وعن جدارة، وريث تقاليد النارودنيين الثورية حقا. ولكن لما كان الوعي المطلوب لمثل هذا النضال والقدرة على قيادته لا يتوفران إلا في وعي البروليتاريا الطبقي، لذا فإن في وسع البروليتاريا ومن واجبها معا أن تصبح في الثورة التي يتعاظم مدّها الطبقة القائدة للانقلاب الاجتماعي.
——————————————————————————–
3 – حزب البروليتاريــا القـــائد
إن رسالة البروليتاريا التاريخية، إذن هي نبذ كل تفاهم أيديولوجي مع الطبقات الأخرى والوصول إلى وعيها الطبقي الواضح الصافي القائم على خصوصية وضعها الطبقي واستقلال مصالحها الطبقية. وبهذه الصورة وحدها ستكون قادرة على قيادة جميع المضطهَدين والمستغَلين في المجتمع البورجوازي في مجرى النضال المشترك ضد سادتهم السياسيين والاقتصاديين. والأساس الموضوعي لدور البروليتاريا القيادي هو دورها في عملية الإنتاج الرأسمالية. بيد أننا سنكون قد طبقنا النظرية الماركسية تطبيقا ميكانيكيا وعللنا بالتالي أنفسنا بأوهام معاكسة للحقيقة التاريخية إذا ما تصورنا أن الوعي الطبقي الصحيح والقادر على تمهيد الطريق إلى الاستيلاء على السلطة يمكن أن يولد من تلقاء نفسه في قلب البروليتاريا بصورة تدريجية بلا عقبات ولا نكسات، كما لو أن البروليتاريا تستطيع أيديولوجيا أن تستوعب رويدا رويدا وتتشبع بفكرة دعوتها الثورية وفق خط طبقي. فلقد أظهرت المناقشات حول أطروحات برنشتاين بوضوح استحالة تحول الرأسمالية إلى اشتراكية عن طريق النمو المطرد. بين أن الآثار الإيديولوجية لهذا المذهب بقيت قائمة وناشطة في فكر العديد من الثوريين المخلصين في أوروبا من غير أن تفنّد وتدحض، بل من غير أن تعتبر مشكلة أو خطرا. وليس ذلك لأن النبيهين والمتمرسين منهم قد تجاهلوا حقا وجود هذه المشكلة وأهميتها، أو لأنهم لم يدركوا أن انتصار البروليتاريا النهائي لا بد أن يمر بدرب طويل وأن يتعرض لهزائم عديدة وأن الانتكاسات في مستوى التطور محتومة لا على الصعيد المادي وحده بل على الصعيد الأيديولوجي أيضا. والحق أنهم كانوا يعلمون ـ على حد تعبير روزا لوكسمبورغ ـ أن الثورة لا يمكن أن تقوم قبل الأوان من وجهة نظر المقدمات الاجتماعية والاقتصادية، ولكنها ستقوم بالضرورة قبل الأوان من منظور الوعي الطبقي، أي قبل أن تتمثل البروليتاريا في مجموعها الوعي الطبقي الاشتراكي وقبل أن تصبح قادرة بالتالي على الاحتفاظ بالسلطة. وحتى لو افترض المرء، من خلال هذا المنظور التاريخي المتعلق بالطريق الذي يتوجب على البروليتاريا أن تجتازه لكي تتحرر، أن التربية الذاتية الثورية العفوية للجماهير البروليتارية (من خلال الأعمال الجماهيرية ودروس الأعمال الجماهيرية)، المدعومة بتحريض وبدعاية حزبيتين صحيحتين نظريا، تكفي لضمان التطور الضروري، أقول حتى لو افترض مثل هذا الافتراض فإنه لا يكون قد تجاوز بصورة أو بأخرى وجهة نظر أيديولوجيا العفوية، أيديولوجيا دخول البروليتاريا الآلي والتدريجي في دعوتها الثورية.
ولقد كان لينين الأول ـ والأوحد لحقبة طويلة من الزمن ـ بين الزعماء والنظريين المرموقين في تصديه للمشكلة المركزية من وجهة النظر النظرية والحاسمة من وجهة النظر العملية: أعني من زاوية التنظيم. ولقد بات معروفا اليوم الخلاف بصدد البند الأول من النظام الداخلي للحزب في المؤتمر المنعقد في بروكسل ولندن في عام 1903. فلقد كانت المسألة هي معرفة ما إذا كان من الممكن اعتبار كل من يؤيد الحزب ويعمل تحت إشرافه عضوا في الحزب (كما كان يريد ذلك المناشفة)، أم ما إذا كانت المساهمة في المنظمات الحزبية اللاشرعية وتكريس المرء لكامل حياته في عمل الحزب والتقيد المطلق بانضباط الحزب الصارم إلى أبعد الحدود ضرورية لاكتساب العضوية الحزبية (كما كان يريد ذلك البلاشفة). أما المسائل التنظيمية الأخرى، وعلى سبيل المثال المركزية، فإنها ليست سوى النتائج الضرورية والموضوعية لذلك الموقف الأولي. ثم إن تلك المناظرة لا تصبح مفهومة إلا انطلاقا من موقفين أساسيين متعاكسين حول إمكانية الثورة ومجراها وطابعها، وهي مشكلات لم يتصدّ غير لينين وحده لتحليلها في عصره.
إن الخطة التنظيمية البلشفية تولي اهتمامها الأول لا لمجموع الطبقة التي تشكل بهذا القدر أو ذاك كتلة سديمية، وإنما لفئة من تلك الطبقة مؤلفة من الثوريين الواعين للهدف والمستعدين لجميع ضروب التضحيات. ولكن ألا يكون هناك خطر في هذه الحال من أن ينفصل أولئك «الثوريون المحترفون» عن حياة طبقتهم وأن ينحطوا من خلال هذا الانفصال إلى جماعة متآمرين، إلى عصابة؟ أليست تلك الخطة التنظيمية مجرد نتيجة عملية لتلك «البلانكية» التي زعم التحريفيون «البعيدو النظر» أنهم اكتشفوها لدى ماركس نفسه؟ إن المجال لا يتسع هنا لكي ندرس مدى خطأ هذه التهمة حتى بالنسبة إلى بلانكي. وهي لا تمس على كل الأحوال أساس المذهب اللينيني التنظيمي، لأن لينين لم يتصور في أي لحظة من اللحظات أن رسالة فئة الثوريين المحترفين هي أن «تصنع» الثورة أو أن تجر معها بعملها المستقل والجريء الجماهير الخاملة وأن تضعها بمعنى ما أمام الثورة كأمر واقع. إن فكرة اللينينية عن التنظيم تشترط وتستلزم واقعية الثورة وآنية الثورة. ولو صدقت توقعات المناشفة التاريخية، ولو قامت مرحلة من الازدهار الهادئ نسبيا ومن تطور الديموقراطية، المتدرج، مرحلة يتصدى فيها «الشعب» والطبقات «التقدمية» لتكنيس بقايا الإقطاعية، في البلدان المتأخرة، لكانت فئات الثوريين المحترفين قد تحجرت آنذاك وسقطت في النزعة العصبوية أو لكانت أضحت في أحسن الأحوال مجرد حلقات للدعاية. ولكن الحزب بوصفه تنظيما ممركزا إلى أبعد الحدود لأوعى عناصر البروليتاريا ـ ولهذه العناصر دون غيرها ـ هو في التصور اللينيني أداة صراع الطبقات في مرحلة ثورية. ولقد كان لينين يقول: «ليس من الممكن فصل المسائل السياسية عن المسائل التنظيمية بصورة ميكانيكية»، ومن يؤيد أو يرفض التنظيم البلشفي للحزب دونما اعتبار لوجوده أو لعدم وجوده في عصر الثورات البروليتارية لا يفهم شيئا من ماهية ذلك التنظيم.
ولكن من الممكن، من وجهة نظر معاكسة تماما، تقديم الاعتراض التالي: إن آنية الثورة تجعل على وجه التحديد من ذلك التنظيم فائضا عن الحاجة. وربما كان من المفيد إبان فترة جمود الحركة الثورية وانحسارها تجميع الثوريين المحترفين في منظمة قائمة في ذاتها. ولكن مثل هذه المنظمة تصبح لا مجدية ولا معنى لها في السنوات الثورية، عندما تكون الجماهير قد دخلت في مرحلة البلبلة والانقلاب العميقين، وعندما تكون قد أصبحت قابلة للنضج السريع وقادرة على أن تراكم من التجارب الثورية في مدى أسابيع، بل في مدى أيام أحيانا، ما لم تكن قادرة عليه في عشر سنين، وعندما تظهر على مسرح الثورة حتى تلك العناصر من الطبقة التي لا تساهم عادة في الحركة حتى ولو كانت المسألة متعلقة بمصالحها اليومية المباشرة. وتنظيم الثوريين المحترفين يبذر في هذه الحال طاقات كان يمكن الاستفادة منها، وهو يصبح في حال امتداد تأثيره عائقا في وجه نشاط الجماهير الثوري الخلاق العفوي.
وجليّ واضح أن هذا الاعتراض يرجعنا إلى المشكلة التي سبقت إثارتها: كيف يمكن للبروليتاريا من وجهة النظر الإيديولوجية أن تستوعب تدريجيا دعوتها الثورية وفق خط طبقي؟ إن «البيان الشيوعي» يحدّد بوضوح كبير العلاقات بين حزب البروليتاريا الثوري وبين مجموع الطبقة: «إن الشيوعيين لا يتميزون عن سائر الأحزاب العمالية إلا في نقطتين: ففي مختلف نضالات البروليتاريين القومية يضعون في المقدمة ويبرزون المصالح المستقلة عن القومية والمشتركة بين جميع البروليتاريات، وفي مختلف المراحل التي يمرّ بها النضال بين البروليتاريين والبورجوازيين يمثلون دوما مصالح البروليتاريا في جملتها. إذن فالشيوعيون هم، من الناحية العملية، أحزم فريق من أحزاب العمال في شتى الأقطار، الفريق الذي يجرّ وراءه كل الفرق الأخرى. أما من الناحية النظرية فإنهم يمتازون على سائر البروليتاريا بتفهم واضح لشروط مسيرة الحركة البروليتارية وأهدافها العامة». وبعبارة أخرى، إنهم التجسيد المنظور لوعي البروليتاريا الطبقي. ومسألة تنظيمهم تتعلق بالطريقة التي ستكتسب بها البروليتاريا وعيها الطبقي الذاتي وتتمثله تمثلا تاما. وكل من لا ينكر الوظيفة الثورية للحزب أو يماري فيها، لا يجد مناصا من الاعتراف بأن اكتساب الوعي الطبقي لا يتمّ بصورة آلية وبدفع ميكانيكي من قوى الإنتاج الرأسمالي الاقتصادية، ولا من خلال التطور العضوي لعفوية الجماهير. والفارق بين تصوّر لينين عن الحزب وبين تصورات الآخرين يقوم بصورة جوهرية على نقطتين اثنتين: أولاهما التعمق في تحليل التمايز الاقتصادي في أوساط البروليتاريا (ظهور الأرستقراطية العمالية، الخ) بهدف استخلاص جميع نتائجه، وثانيتهما طرح تعاون البروليتاريا الثوري مع الطبقات الأخرى من خلال المنظور التاريخي الجديد المحدد على النحو الذي أسلفنا. وينجم عن هذا التصوّر تعاظم أهمية البروليتاريا في إعداد الثورة وقيادتها، وبالتالي تعاظم أهمية الدور القيادي للحزب تجاه الطبقة العاملة.
إن ولادة الأرستقراطية العمالية وأهميتها المتعاظمة تفضي من وجهة النظر هذه إلى الواقعة التالية: إن التباين الدائم، وإن النسبي، بين المصالح اليومية المباشرة لبعض الفئات العمالية وبين المصالح الحقيقية للطبقة برمتها لا يني يتفاقم ويأخذ شكلا متحجرا في مجرى ذلك التطور. فالتطور الرأسمالي الذي سوّى في بادئ الأمر ووحّد بالقوة الطبقة العاملة التي كانت منقسمة على نفسها بحكم التباعد الجغرافي ووجود الطوائف المهنية الخ، يخلق الآن تمايزا جديدا بين ظهرانيها. وليست النتيجة الوحيدة لهذا التمايز الجديد أن البروليتاريا ما عادت تناصب البورجوازية العداء بدرجة واحدة من الإجماع، وإنما من نتائجه أيضا ظهور خطر جديد ناجم عن احتمال وإمكانية تأثير تلك الفئات الاجتماعية على الطبقة العاملة بأسرها وإرغامها على التقهقر والانتكاس إيديولوجيا، وذلك بقدر ما تكتسب تلك الفئات، بحكم طراز حياتها البورجوازي الصغير واحتلالها مناصب مرموقة في بيروقراطية الحزب والنقابات وأحيانا في البلديات. الخ، أقول بقدر ما تكتسب نوعا من التفوق على سائر الفئات البروليتارية من حيث الثقافة الشكلية والروتين الإداري الخ، وهذا بالرغم (أو بالأحرى بسبب) من إيديولوجيتها المتبرجزة والنقص في نضج وعيها الطبقي البروليتاري. وبعبارة أخرى، إنها تسهم من خلال تأثيرها ونفوذها في منظمات البروليتاريا، في تشويش وعي العمال الطبقي وفي توجيه هؤلاء العمال بجميع فئاتهم نحو تفاهم ضمني مع البورجوازية.
وإزاء مثل هذا الخطر لا يعود يكفي لا وضوح الرؤية النظرية الذي يفترض في الفئات الثورية الواعية أن تتمتع به، ولا التحريض والدعاية الصحيحان المناسبان. والسبب في ذلك أن تلك المصالح المتنافرة المتناقضة لا تتجلى بوضوح لجميع العمال على مدى حقبة زمنية طويلة، إلى درجة لا يتبين معها أحيانا ممثلوهم الإيديولوجيون أنهم قد حادوا فعلا عن دروب الطبقة العاملة في مجموعها. ولهذا يكون من الممكن بسهولة كبيرة إخفاء تلك الفروق عن أنظار العمال وتصويرها لهم على أنها مجرّد «اختلافات تكتيكية». وبنتيجة ذلك تجد غريزة العمال الثورية التي تتفجر في بعض الأحيان على شكل أعمال جماهيرية عفوية واسعة، تجد نفسها عاجزة عن الإبقاء على الوعي الطبقي في المستوى الذي وصل إليه من خلال العمل العفوي وعن الاحتفاظ به كمكتسب دائم للطبقة العاملة بأسرها.
وحتى لو لم يكن هناك من سبب آخر لكان هذا السبب وحده كافيا ليفرض ضرورة التنظيم المستقل للعناصر الطبقية الواعية كل الوعي. ولكن هذه الدراسة تظهر لنا أن الشكل التنظيمي مرتبط في نظر لينين أوثق الارتباط بتوقع أزوف ساعة الثورة. لأنه إنما في مثل هذا السياق وحده يأخذ كل انحراف عن الطريق الحقيقي للطبقة العاملة صفة بالغة الخطورة والضرر، ويكتسب كل قرار متخذ بصدد أي مسألة من مسائل الساعة الراهنة حتى ولو كانت غير ذات شأن كبير ظاهريا، يكتسب أهمية حاسمة بالنسبة إلى الطبقة العاملة بأسرها. وإنما في مثل ذلك السياق أيضا تصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى البروليتاريا أن ترى حزبها قد تمثل بصورة واضحة وملموسة الفكر والعمل الملائمين حقا لوضعها الطبقي.
بيد أن آنية الثورة تعني في الوقت نفسه أن غليان المجتمع وانهيار بناه القديمة ما عادا وقفا على البروليتاريا وحدها بل شملا جميع طبقات المجتمع. وبالفعل يرى لينين أن المعيار الحقيقي للوضع الثوري هو «ألا تريد الفئات الدنيا من المجتمع أن تعيش حسب الطريقة القديمة، وألا تستطيع الفئات العليا أن تعيش حسب الطريقة القديمة»، وأن «الثورة غير ممكنة ما لم تعرف الأمة بأسرها أزمة تهزّ المستغَلين والمستغِلين على حد سواء». وكلما كانت الأزمة أكثر عمقا، كانت حظوظ الثورة أكبر. ولكنها كلما كانت أكثر عمقا وشاملة لفئات اجتماعية أوسع وأكثر، نجمت عنها حركات بدائية أكثر اختلافا وتشابكا وأصبحت علاقات القوة بين الطبقتين اللتين يرتبط بهما في خاتمة المطاف مصير الصراع، البورجوازية والبروليتاريا، أكثر إبهاما وتقلبا. وإذا كانت البروليتاريا تريد أن يعقد لها إزار النصر في هذا الصراع، فإن عليها أن تشجع وتدعم كل تيار يساهم في تعفن المجتمع البورجوازي، وعليها أن تسعى إلى أن تدمج بمجمل الحركة الثورية كل حركة بدائية مهما كانت مشوشة لأي فئة اجتماعية ومضطهَدة. واقتراب المرحلة الثورية يتميز أيضا، فيما يتميز، بسعي جميع المستائين في المجتمع القديم إلى الاتحاد مع البروليتاريا، أو على الأقل إلى التحالف معها. ولكن هنا على وجه التحديد يكمن خطر كبير. ذلك أن حزب البروليتاريا إذا لم يكن منظما بصورة تضمن صحة اتجاه سياسته الطبقية، فإن هؤلاء الحلفاء، الذين يتكاثرون بصورة ملحوظة عندما ينشأ وضع ثوري، قد يجلبون الفوضى والبلبلة بدلا من العون والمساعدة. إذ أنه لا نقاش في أن الفئات الاجتماعية المضطهَدة الأخرى (من فلاحين أو بورجوازيين صغار أو مثقفين) لا تستهدف نفس الأهداف التي تضعها البروليتاريا نصب عينيها. والبروليتاريا ـ إذا كانت تعرف ما تريده وما يجب أن تريده من وجهة النظر الطبقية ـ تستطيع أن تضمن التحرر من البؤس الاجتماعي لا لنفسها فحسب بل أيضا لسائر الفئات الاجتماعية. وإذا لم يكن الحزب واثقا من الطريق التي يتوجب على الطبقة العاملة أن تسير فيه، هو المفترض فيه أن يكون الناقل المناضل لوعيها الطبقي، وإذا لم يكن طابعه البروليتاري مضمونا على صعيد التنظيم، فإن تلك الفئات الاجتماعية تغزو حزب البروليتاريا وتحيد به عن طريقه. وهكذا فإن تحالف هذه الفئات، الذي يساعد على التعجيل بالثورة في حال وجود تنظيم حزبي بروليتاري متمتع بوعي طبقي واضح، يمكن أيضا أن يمثل خطرا داهما على ذلك التنظيم بالذات.
ومن هنا فإن التصور اللينيني عن الحزب يشتمل بالضرورة على قطبين متطرفين: من جهة أولى انتقاء بالغ الصرامة لأعضاء الحزب من وجهة نظر الوعي الطبقي البروليتاري، ومن الجهة الثانية التأييد والتضامن الشاملان من قبل جميع المضطهَدين والمستغَلين في المجتمع الرأسمالي. وهكذا يجمع التصور اللينيني عن الحزب جمعا جدليا بين وحدانية الهدف الواعية وبين شموليته، وبين قيادة الثورة باتجاه بروليتاري محض وبين الطابع العام القومي والأممي للثورة. أما التنظيم المنشفي فإنه يضعف هذه القطبين ويخلط بينهما ويحط من شأنهما إلى درجة يجعل معها منهما تسويات وحلولا وسطا، ويجمع بينهما بمثل هذه الروح في قلب الحزب بالذات. إنه يفصل نفسه عن فئات واسعة من المستغَلين (الفلاحين على سبيل المثال)، ولكنه يدرج في عداد الحزب جماعات ذات مصالح متباينة كل التباين إلى درجة يصبح من المستحيل عليه معها أن يكون له خط واحد محدد في قضايا الفكر والعمل معا. وهكذا فإن مثل هذا الحزب، بدلا من أن يساعد من خلال الوضوح الضروري على بناء جبهة لها تأثيرها الحاسم فيما يتعلق بالنصر النهائي، جبهة البروليتاريا ضد البورجوازية، كطبقة ضد طبقة، جبهة غير ضائعة المعالم الطبقية في سديمية الطبقات المتصارعة (ذلك أن كل وضع ثوري يتترجم على وجه التحديد في الانقلاب السديمي العميق الذي يشمل المجتمع بأسره)، وبدلا من أن يجمع حول البروليتاريا المنظمات المضطربة المشوشة لسائر المضطهَدين، يتحول هو نفسه إلى خليط مشوش من عناصر ذات مصالح متباينة. ومثل هذا الحزب لا يتوصل إلى القيام بعمل ما إلا مقابل تسويات ومساومات داخلية، وفي هذه الحال سيجد نفسه بالضرورة وقد تحول إلى مطية ذليلة للجماعات المتمتعة بقدر أكبر من الوعي ومن النشاط والفعالية، أو سيجد نفسه عاجزا عن اتخاذ أي موقف باستثناء موقف التأمل الاستسلامي تجاه الأحداث. إذن فالتصور اللينيني عن التنظيم الحزبي ينطوي على قطيعة مزدوجة مع النزعة القدرية الميكانيكية: أولا مع النزعة الجبرية التي تتصور أن وعي البروليتاريا الطبقي هو نتيجة ميكانيكية لوضعها الطبقي، وثانيا مع النزعة الجبرية التي لا ترى في الثورة بالذات سوى النتيجة الميكانيكية للقوى الاقتصادية التي تنفلت من عقالها قضاء وقدرا وتقود البروليتاريا بثورة شبه آلية إلى النصر عندما تكون الشروط الموضوعية للثورة قد «نضجت». ذلك أن الوضع الثوري لن ينشأ أبدا إذا ما كان المرء يتصور أن عليه أن ينتظر دخول البروليتاريا في الصراع الحاسم برمتها وبوعي مطلق. فسيكون هناك دوما من جهة أولى فئات بروليتارية تقف موقف المتفرج من النضال التحرري لطبقتها بالذات وقد تنضم في بعض الأحيان إلى معسكر العدو (وهذا الاحتمال يزداد كلما كانت الرأسمالية أكثر تطورا). ثم إن موقف البروليتاريا وحزمها ودرجة وعيها الطبقي ليست البتة، من الجهة الثانية، نتيجة جبرية للوضع الاقتصادي.
وغني عن البيان أن أكبر وأفضل حزب في العالم لا يستطيع أن «يصنع» الثورة. ولكن الطريقة التي تبادر بها البروليتاريا إلى العمل في وضع محدد تتعلق إلى حد كبير بالوضوح والقوة اللذين يكون الحزب قادرا على إضفائهما على أهدافه الطبقية. وفي عصر آنية الثورة تكتسب المشكلة القديمة، المتعلقة بمعرفة ما إذا كان من الممكن أو من غير الممكن صنع الثورة، دلالة جديدة كل الجدة. ومن هنا أيضا تتحول العلاقات بين الحزب والطبقة كما تتحول دلالة المشكلات التنظيمية بالنسبة إلى الحزب ولمجمل البروليتاريا. فطرح المسألة القديمة المتعلقة بمعرفة ما إذا كان من الواجب «صنع» الثورة يعني الفصل بصورة متشنجة وغير جدلية بين حتمية المسار التاريخي وبين نشاط الحزب المناضل. وبديهي أنه إذا كان «صنع» الثورة يعني إخراجها بصورة سحرية من العدم، فإن المرء لا يستطيع إلا أن يتبرأ من هذا «الصنع». ولكن نشاط الحزب في عصر الثورة يعني شيئا مختلفا كل الاختلاف. ذلك أنه إذا كان الطابع الأساسي للعصر ثوريا فإن الوضع الثوري قابل للنشوء بكل حدته في كل لحظة. ويندر أن يكون في الإمكان تحديد لحظة نشوئه وظروف هذا النشوء تحديدا دقيقا مسبقا. ولكن من الممكن بالمقابل تحديد الميول والاتجاهات التي تفضي إليه وكذلك تحديد المبادئ الأساسية للعمل المناسب عندما تبدأ الصيرورة الثورية. وإنما على أساس هذا التفهم التاريخي يقوم نشاط الحزب. فعلى الحزب أن يعد العدة للثورة، أي يتوجب عليه من جهة أولى أن يحاول التعجيل بإنضاج الميول المفضية إلى الثورة وذلك عن طريق عمله الذاتي وعن طريق تأثيره على عمل البروليتاريا وعلى عمل سائر الفئات الاجتماعية المضطهَدة، ويتوجب عليه من الجهة الثانية أن يهيئ البروليتاريا للعمل الضروري في وضع ثوري حادّ متأزم على الصعيد الأيديولوجي والتكتيكي والمادي وعلى صعيد التنظيم في آن واحد. وعندئذ تنطرح المسائل الداخلية لتنظيم الحزب من خلال منظور جديد. وعندئذ أيضا يظهر التصور القديم عن التنظيم بوصفه شرطا مسبقا للعمل الثوري (وهو التصور الذي كان يقول به أيضا كاوتسكي) تصورا أحادي الجانب وغير جدلي شأنه في ذلك شأن تصور روزا لوكسمبورغ عن التنظيم بوصفه نتاج الحركة الثورية الجماهيرية. فالحزب الذي جعل وظيفته تهيئة الثورة يصبح في آن واحد ـ وبدرجة متماثلة من الحدة ـ منتجا وناتجا، شرطا مسبقا وثمرة للحركات الثورية الجماهيرية. ذلك أن النشاط الواعي للحزب يقوم على أساس الاعتراف بالضرورة الموضوعية للتطور الاقتصادي، وتمايزه التنظيمي الصارم يتحرك في نطاق التفاعل الدائم المثمر بين نضال الجماهير وبين بؤسها الأولي. ولقد شارفت روزا لوكسمبورغ في أحيان كثيرة على إدراك هذا التفاعل. ولكن غاب عنها العنصر الواعي والفعال الذي ينطوي عليه. ومن هنا كان عجزها عن رؤية النقطة المركزية التي يمثلها التصور اللينيني عن الحزب، وأعني وظيفة الحزب في الإعداد والتهيئة. ومن هنا أيضا كانت أخطاؤها الفاضحة حول مختلف المبادئ التنظيمية.
وبديهي أن الوضع الثوري بالذات لا يمكن أن يكون نتيجة لنشاط الحزب. فمهمة الحزب هي توقع الاتجاه الذي سيأخذه تطور القوى الاقتصادية الموضوعية وتوقع الموقف المناسب الذي يتوجب على الطبقة العاملة أن تقفه من خلال تلك الأوضاع الناشئة. وبدلالة هذا التوقع ينبغي على الحزب أن يهيئ الجماهير البروليتارية بقدر الإمكان للتطورات القادمة وأن يهيئها لمصالحها بدلالة هذا المستقبل على الصعيد الفكري والمادي والتنظيمي. وصحيح أن الأحداث والأوضاع التي تنجم عن ذلك هي نتاج القوى الاقتصادية الفاعلة في الإنتاج الرأسمالي، تلك القوى التي تعلن عن نفسها بشكل أعمى وتحت ظاهر القوانين الطبيعية، ولكن هنا أيضا لا تجري الأمور بصورة ميكانيكية وجبرية. فلقد أمكن لنا أن نرى من خلال مثال اختلال التنظيم الاقتصادي للإقطاع الزراعي في روسيا أن صيرورة الانحلال الاقتصادي هي بالتأكيد نتاج ضروري للتطور الرأسمالي وأن نتائجها من وجهة النظر الطبقية، أي التشكلات الطبقية الجديدة الناجمة عنها، لا يمكن توقعها والتنبؤ بها بدقة بالاستناد إلى تلك الصيرورة ذاتها وبمعزل عن كل عامل آخر، وبالتالي لا يمكن إرجاعها إلى تلك الصيرورة بصورة ميكانيكية. والواقع أن هذه النتائج منوطة بالسياق الذي ستبرز فيه إلى حيز الوجود. ومصير المجتمع برمته، المجتمع الذي تخلق عناصره تلك الصيرورة، هو اللحظة الحاسمة في نهاية المطاف، في الاتجاه الذي ستأخذه تلك النتائج. ولكن الأعمال الطبقية تلعب في هذا السياق الشمولي دورا حاسما أسواء كانت بدائية وعفوية أم موجهة بوعي. وكلما تعرض المجتمع إلى انقلاب أعمق، وكلما كفت بنيته «السوية» عن ممارسة وظيفتها على الوجه الصحيح المألوف، وكلما اشتد اختلال توازنه الاجتماعي ـ الاقتصادي، وباختصار كلما نشأ وضع أكثر ثورية، كان دور الأعمال الطبقية أبعد مدى وأنفذ تأثيرا. والاستنتاج الواجب استنتاجه من هذا هو أن التطور الإجمالي للمجتمع في العصر الرأسمالي لا يتبع في مساره خطا مستقيما حتميا، بل يأتي نتيجة للعمل المشترك والمتداخل لتلك القوى في إطار الكلية الاجتماعية، نتيجة للأوضاع التي يمكن فيها أن يتحقق ميل محدد، شريطة الصحة في فهم الوضع والذكاء في انتهاز الفرص التي يتيحها. بيد أن تطور القوى الاقتصادية، التي أفضت ظاهريا إلى هذا الوضع بصورة لا تقاوم، لا يتبع البتة في اندفاعه نفس مساره السابق، وإذا حدث ولم تنتهز فرصة هذا الوضع ولم تستخلص نتائجه فإن ذلك المسار ينقلب في غالب الأحيان إلى عكسه ونقيضه (فلنتخيل الوضع في روسيا في تشرين الثاني 1917 فيما لو لم يستول البلاشفة على السلطة ولم ينجزوا الثورة الزراعية على الوجه المطلوب. ومؤكد أن الحل «البروسي» للمشكلة الزراعية ما كان مستبعدا نهائيا في هذه الحال في ظل نظام مناهض للثورة ولكن متصف، بالمقارنة مع القيصرية، بصفات الرأسمالية الحديثة).
والحق أننا لا نستطيع أن نفهم حق الفهم تنظيم حزب البروليتاريا إلا عندما نعرف السياق الذي يتوجب على هذا الحزب أن يعمل فيه. فنقطة ارتكاز ذلك التنظيم هي المهام التاريخية الضخمة التي تطرحها مرحلة أفول الرأسمالية على البروليتاريا، والمسؤوليات الضخمة التي تفرضها هذه المهام على الفئة القيادية الواعية من البروليتاريا على نطاق التاريخ العالمي بأسره. ويتوجب على الحزب الذي يمثل مصالح البروليتاريا برمّتها (وبالتالي مصالح جميع المضطهَدين ومستقبل الإنسانية)، وانطلاقا من معرفة كلية المجتمع، أن يجمع في ذاته جميع التناقضات المعبرة عن المهام المفروضة من قِبل مركز الكلية الاجتماعية بالذات. ولقد أوضحنا فيما تقدم أن انتقاء أعضاء الحزب على أساس من الصرامة القصوى من حيث درجة الوعي الطبقي والإخلاص المطلق لقضية الثورة يجب أن يقترن بالاندماج الكامل للحزبيين في حياة الجماهير الموجوعة والمكافحة. وكل محاولة لإنجاز شق واحد من هذين المطلبين المترابطين لابد أن تنتهي بتحجر عصبوي للجماعات التي تتألف حتى من ثوريين أصيلين مخلصين (وهنا يكمن أساس النضال الذي خاضه لينين ضد مرضى اليسارية، ابتداء من الأوتزفية [11] ووصولا إلى الحزب الشيوعي العمالي الألماني وغيره). ذلك أن صرامة هذه التطلبات من أعضاء الحزب ليست سوى وسيلة لتوعية مجمل الطبقة العاملة (ومن ثَمَّ جميع الفئات الاجتماعية التي تستغلها الرأسمالية) بمصالحها الحقيقية وبكل ما هو الأساس الحقيقي لأعمالها اللاواعية ولأفكارها ومشاعرها المبهمة.
ولكن الجماهير لا تعي مصالحها إلا في العمل، في النضال الذي لا تكفّ أسسه الاجتماعية ـ الاقتصادية عن التبدّل والذي تتحول فيه شروط النضال ووسائله بلا انقطاع. وحزب البروليتاريا القائد لا يستطيع أن يؤدي رسالته حقا إلا إذا سبق دائما بخطوة واحدة الجماهير المناضلة ليدلها على الطريق. بيد أن عليه ألا يسبقها دوما سوى بخطوة واحدة حتى يبقى دوما على رأس كفاح الجماهير. إذن فوضوح الرؤية النظرية ليس بذي قيمة بالنسبة إليه إلا إذا لم يحد نفسه بصحة النظرية وحدها بوجه عام، أي إلا إذا جعل النظرية تتألق ويعلو نجمها من خلال التحليل العيني للموقف العيني، وإلا إذا كانت الصحة النظرية لا تعبر إلا عن مضمون الموقف العيني. إذن فعلى الحزب أن يملك من جهة أولى الوضوح النظري والحزم الضروريين للاستمرار في الطريق الصحيح بالرغم من تقلب الجماهير وتحت خطر الانعزال عنها مؤقتا، وعليه من الجهة الثانية أن يبقى مرنا ومنفتحا ليستخلص الدروس من كل تظاهرة تصدر عن الجماهير مهما تكن مشوشة مبهمة وليكشف للجماهير الإمكانيات الثورية العاجزة عن رؤيتها بنفسها.
وإنه ليستحيل على الحزب أن يتكيف على هذا النحو مع حياة المجموع من دون التقيد الصارم بالانضباط الحزبي. وهو إذا لم يكن قادرا على تحقيق التلاؤم الفوري بين معرفته النظرية وبين الوضع الدائم التحول، فإنه يبقى متأخرا يلهث وراء الأحداث، وبدلا من أن يكون قائدا يصبح مقودا، وتنقطع صلته بالجماهير، ويختلّ تنظيمه. ومن هنا لا بد أن يكون التنظيم قادرا على العمل بأعلى درجة من الحزم والصرامة حتى يكون في وسعه حين يؤون الأوان أن يحول تلك القدرة على التلاؤم إلى حقيقة واقعة. ولكن هذا يعني في الوقت نفسه أن مطلب المرونة هذا يجب أن يطبق أيضا وبصورة دائمة على التنظيم نفسه. فالشكل التنظيمي الذي كان مفيدا لمواجهة أهداف محددة في وضح محدد يمكن أن يصبح بكل سهولة عقبة وعائقا في شروط نضالية مختلفة.
ذلك أن من ماهية التاريخ بالذات أن ينتج الجديد دوما. وهذا الجديد لا يمكن توقعه وحساب حسابه مقدما بالاعتماد على نظرية تدَّعي لنفسها المعصومية، وإنما ينبغي تعرفه في مجرى النضال من تظاهراته الأولى كما ينبغي العمل على التقدم به إلى مستوى الوعي الواضح. وليس من مهمة الحزب أن يفرض على الجماهير نمطا من السلوك جرى تحديده وإنشاؤه في عالم المجرد، بل إن مهمته على العكس أن يتعلم على الدوام من نضالات الجماهير ومن طرائق كفاحها. ولكن عليه في الوقت الذي يعمل فيه على تهيئة الأعمال الثورية القادمة أن يكون فعالا، حتى أثناء دراسته لسلوك الجماهير. إن عليه أن ينقل إلى مستوى الوعي ما ابتكرته الجماهير عفويا بفضل غريزتها الطبقية السليمة وأن يربطه بكلية النضالات الثورية. عليه، على حد تعبير ماركس، أن يفسر للجماهير عملها بالذات، وليس ذلك ليكفل الاستمرار لتجارب البروليتاريا الثورية فحسب، بل أيضا لينشّط بوعي التطور اللاحق لهذه التجارب. إن على التنظيم أن يندمج كأداة في مجموع تلك المعارف وتلك الأعمال الناجمة عنها. وهو إذا لم يفعل ذلك فإنه سيتعرض للتفسخ والانحلال بفعل تطور الأشياء التي لم يفهمها ولم يسيطر عليها بتالي. وهذا ما يفسر أن كل نزعة دوغمائية في ميدان النظرية وكل تحجر على صعيد التنظيم يرتدان بأفدح الأضرار على الحزب. وذلك راجع على حد ما قال لينين إلى أن «كل شكل جديد من النضال، مرتبط بمجازفات جديدة وتضحيات جديدة، يخلّ حتما بتنظيم المنظمات غير المستعدة لهذا الشكل الجديد من الكفاح». وواجب الحزب أن يجتاز هذا الطريق بملء الحرية والوعي، وأن يعيد تنظيم صفوفه قبل أن يدهمه خطر البلبلة والفوضى التنظيمية، وأن يمارس تأثيره بفضل هذا التحول على الجماهير من خلال تثقيفها وتشجيعها.
ذلك أن التكتيك والتنظيم ليسا سوى وجهين ومظهرين من كل غير قابل للانقسام. ومن غير الممكن الوصول إلى نتائج واقعية إلا باعتمادهما كليهما معا. وعندما يريد الحزب الوصول إلى نتائج محددة فإن عليه أن يبقى منطقيا ومرنا في آن واحد، أن يتمسك بحزم بالمبدأ وأن يظل في الوقت نفسه منفتحا للتغيرات اليومية. وليس ثمة على صعيد التكتيك وعلى صعيد التنظيم على حد سواء من شيء يبدو صالحا أو طالحا في حد ذاته. فهذه الفكرة أو تلك وهذا التدبير أو ذاك لا تتضح صحتهما أو خطؤهما إلا من خلال علاقاتهما بكل مصير الثورة البروليتارية. ولهذا كافح لينين على سبيل المثال، بعد الثورة الروسية الأولى، بصلابة واحدة أنصار التخلي عن اللاشرعية بحجة أنها شكل عصبوي وغير مجد، وأنصار اللاشرعية المطلقة النابذين لكل إمكانيات العمل الشرعي، ولهذا أيضا صب ازدراءه الحانق بقدر متساو على الاستسلام الكلي للعمل البرلماني وعلى الرفض المبدئي المسبق للبرلمانية.
والواقع أن لينين لم يكن أبعد ما يكون سياسيا عن الطوبائية فحسب، بل كان أيضا أبعد ما يكون عن التعلل بالأوهام بصدد عدة عصره البشرية. ولقد قال في المرحلة البطولية الأولى من الثورة البروليتارية المظفرة: «إننا نريد أن نبني الاشتراكية بواسطة رجال ترعرعوا في ظل الراسمالية فأفسدتهم وشوّهتهم ولكنها جبلتهم في الوقت نفسه ومرّستهم على الكفاح». والمتطلبات الجسيمة التي تفرضها الفكرة اللينينية عن التنظيم على الثوريين المحترفين هي في آن واحد أبعد ما تكون عن الطوبائية وعن سطحية الحياة اليومية وعن افتعال النزعة التجريبية الخالصة. إن التنظيم اللينيني تنظيم جدلي، لا لأنه نتاج تطور تاريخي جدلي فحسب، بل أيضا لأنه عامل هذا التطور الواعي وذلك بقدر ما يكون نتاج واقعه الذاتي ومنتجه معا. إن البشر يصنعون حزبهم بأنفسهم، ومن هنا كانت حاجتهم إلى بلوغ درجة عالية من الوعي الطبقي ومن نكران الذات ليريدوا ويستطيعوا المشاركة في التنظيم. وهم لا يصبحون ثوريين محترفين حقيقيين إلا في التنظيم وبالتنظيم. واليعقوبي [12] الذي يتحالف مع الطبقة الثورية يعطي الطبقة شكلها ووضوحها بحزمه وتصميمه وقدرته على العمل ومعرفته وحماسته. ولكن كيان الطبقة الاجتماعي والوعي الطبقي الذي ينجم عنه هما اللذان يحددان مضمون أعمال اليعقوبي ومعناها. إن عمله ليس عملا من أجل الطبقة وبالوكالة عنها، بل هو نشاط الطبقة ذاتها في أوجّه. والحزب المدعو لقيادة الثورة البروليتارية لا ينبري وهو على أتم الاستعداد لأداء رسالته. فالحزب هو الآخر ليس كائنا، وإنما يتكوَّن، يصير حزبا. وصيرورة التفاعل المثمر بين الحزب والطبقة تتكرر، وإن على نحو مختلف، في العلاقات بين الحزب وأعضاء الحزب. ذلك أن النظرية المادية التي تريد، كما يقول ماركس في «أطروحاته عن فيورباخ»، أن «يكون الناس نتاج الظروف والتربية، وأن يكون الناس المتبدلون بالتالي نتاج ظروف أخرى وتربية مغايرة، تنسى أن الظروف تتبدل هي نفسها بفعل الناس وأن المربي يحتاج هو نفسه إلى تربية». والحق أن التصور اللينيني عن الحزب يمثل قطيعة حادة عنيفة مع التبسيط الميكانيكي والجبري النزعة للماركسية. إنه التحقيق العملي لطبيعتها الأكثر أصالة ولميولها الأكثر عمقا. «إن الفلاسفة لم يفعلوا من شيء سوى أنهم فسروا العالم بأساليب مختلفة، والحال أن المطلوب الآن تحويله».
——————————————————————————–
4 – الإمبريالية: الحرب العـالمية والحرب الأهلية
هل دخلنا في مرحلة النضالات الثورية الحاسمة؟ هل أزفت الساعة التي يتوجب فيها على البروليتاريا ـ تحت طائلة زوالها هي بالذات ـ أن تؤدي رسالتها وتنجز تحويل العالم؟ ذلك أنه لا مراء في أن هذا القرار ليس مرهونا بنضج البروليتاريا الإيديولوجي أو التنظيمي وحده إذا لم يكن ذلك النضج وذلك التصميم على الكفاح نتيجة لوضع العالم الاجتماعي ـ الاقتصادي الموضوعي الذي يحفز على اتخاذ مثل ذلك القرار. وأيا يكن الحدث، وسواء أكان هزيمة أو نصرا، فإنه لا يصلح البتة لأن يحسم هذه المشكلة. بل لا يمكن أصلا التقرير بأنه نصر أو هزيمة إذا ما جرى تقييم الحدث في ذاته وبمعزل عن غيره: فصلة الحدث المنفرد المنعزل بكلية التطور التاريخي ـ الاجتماعي هي وحدها التي تقرر ما إذا كان يمثل نصرا أو هزيمة على صعيد التاريخ العالمي.
ولهذا فإن المناظرة التي قامت في صفوف الاشتراكية ـ الديموقراطية الروسية (يوم كانت تضم المناشفة والبلاشفة على حد سواء) إبان الثورة الأولى لتصل إلى الذروة بعد هزيمة هذه الثورة، المناظرة التي كانت تستهدف معرفة ما إذا كان الواجب عند الكلام عن الثورة تركيز الاهتمام على عام 1847 (قبل الثورة الحاسمة) أو على عام 1848 (بعد هزيمة الثورة)، تتجاوز بالضرورة الإطار الضيق للمشكلات الروسية الخالصة. إذ أنه لا سبيل إلى الوصول إلى رأي قاطع بصددها إلا إذا حلت المسألة المتعلقة بمعرفة الطابع الأساسي لعصرنا. وإنما في هذا الإطار وحده أيضا يمكن الوصول إلى جواب محدد على تلك المسألة المحدودة والروسية الخالصة المتعلقة بمعرفة ما إذا كانت ثورة 1905 ثورة بورجوازية أو بروليتارية وما إذا كان سلوك العمال الثوري والبروليتاري سلوكا صحيحا أو خاطئا. ولكن مجرد طرح المسألة بمثل هذه الحدة منذ أيام الثورة الروسية الأولى يشير إلى الاتجاه الذي ينبغي البحث فيه عن جواب لها. ذلك أن الانفصال بين اليمين واليسار في الحركة العاملة يميل أكثر فأكثر، حتى خارج حدود روسيا، إلى أن يتخذ شكل مناقشة حول الطابع العام للعصر. مناقشة تستهدف معرفة ما إذا كانت بعض الظاهرات الاقتصادية التي تأخذ أكثر فأكثر طابعا أشد بروزا (تركز الرأسمال، الأهمية المتعاظمة للرأسمال المالي الكبير، الاستعمار، الخ) هي مجرد تدرجات كمية في تطور الرأسمالية «السوي» أم أنها النذير بمجيء مرحلة رأسمالية وإمبريالية جديدة؟ مناقشة لمعرفة ما إذا كان من الواجب اعتبار الحروب التي راحت تتكاثر بشكل ملحوظ بعد مرحلة من السلم النسبي (حرب البوير، الحروب الإسبانية ـ الأميركية والروسية ـ اليابانية، الخ) حروبا «عارضة» و«طارئة» أم علائم تنذر بمرحلة من حروب لن تني تتفاقم حدة وعنفا؟ وأخيرا مناقشة لمعرفة ما إذا كانت طرائق نضال البروليتاريا القديمة كافية لضمان حماية المصالح البروليتارية الطبقية إذا ما استجدت ظروف جديدة يدخل فيها تطور الرأسمالية في مرحلة جديدة؟ أي لمعرفة ما إذا الأشكال الجديدة للنضال الطبقي البروليتاري التي أعلنت عن ظهورها قبل الثورة الروسية وأثناءها (الإضراب الجماهيري السياسي، التمرد المسلح) هي أحداث تظل دلالتها محلية وخصوصية أو حتى «أخطاء» و«ضلالات» أم أنها المحاولات العفوية الأولى التي باشرتها الجماهير مدفوعة بغريزتها الطبقية السليمة لتكيف عملها مع الوضع العالمي؟ إن الجواب العملي الذي أعطاه لينين لهذه السلسلة المتلاحمة من الأسئلة معروف، وهو يجد أوضح تعبير له في الواقعة التالية: فبعد سحق الثورة الروسية الأولى بفترة وجيزة، وفي الوقت الذي كان فيه المناشفة ما يزالون يعولون ويندبون وينحون باللائمة على العمال لأنهم «تجاوزوا حدودهم»، خاض لينين في مؤتمر شتوتغارت كفاحا صلبا من أجل وضوح وجلاء مواقف الأممية الثانية إزاء خطر الحرب العالمية الإمبريالية الداهم وحاول توجيه هذه المواقف باتجاه ما يجب فعله ضد تلك الحرب.
ولقد تمت الموافقة في مؤتمر شتوتغارت على التعديل الذي اقترحه لينين وروزا لوكسمبورغ ثم أعاد مؤتمرا كوبنهاغن وبال توكيده. وكان هذا معناه أن الأممية الثانية قد أقرت رسميا بخطر نشوب حرب عالمية إمبريالية قريبة وبواجب البروليتاريا في أن تشن ضدها نضالا ثوريا. إذن فمن الجلي أن لينين لم يكن وحيدا في هذا المضمار، كما لم يكن وحيدا عندما تعرف في الإمبريالية، من وجهة النظر الاقتصادية، مرحلة جديدة للرأسمالية. وقد اعترف اليسار بأسره، بل حتى بعض عناصر جناح الوسط واليمين من الأممية الثانية، بوجود وقائع اقتصادية تقدم للإمبريالية أساسها. وقد حاول هيلفردينغ أن يصيغ نظرية اقتصادية عن هذه الظاهرات الجديدة، وتوصلت روزا لوكسمبورغ إلى بيان أن تعقيد اقتصاد الإمبريالية في مجمله هو نتيجة ضرورية لعملية إعادة الإنتاج في الرأسمالية، أي توصلت إلى أن تدمج الإمبريالية عضويا بنظرية المادية التاريخية عن التاريخ والى أن تقدم أساسا اقتصاديا عينيا لـ «نظرية الانهيار». ومع ذلك عندما وجد لينين نفسه وحيدا مع وجهة نظره في آب 1914 [13] ـ وفيما بعد أيضا ـ فإن ذلك لم يكن من قبيل الصدفة. وانعزاله غير قابل للتفسير بحجج نفسية أو أخلاقية تقول بأن «الجبن» هو الذي كان وراء استسلام وخيانة ذلك العدد الكبير من قادة الأممية الثانية الذين حكموا في السابق نفس حكم لينين الصائب على الإمبريالية. كلا. فمواقف شتى التيارات الاشتراكية في آب 1914 كانت نتيجة عينية ومباشرة للسلوك النظري والتكتيكي الذي كانت تلك التيارات قد تبنته حتى ذلك الحين.
إن التصور اللينيني عن الإمبريالية هو من جهة أولى كشف نظري مرموق، ومن الجهة الثانية، ومهما بدت هذه الملاحظة متناقضة ظاهريا، تصور لا ينطوي، من وجهة النظر الاقتصادية الخالصة، إلا على النزر اليسير من الوقائع الجديدة. إن التصور اللينيني عن الإمبريالية يستند في أكثر من نقطة ارتكاز واحدة على تحليلات هيلفردينغ، ولا يمكن أن يصمد من وجهة النظر الاقتصادية الخالصة ـ ومن حيث عمق الفكر وعظمة التصور ـ للمقارنة مع إنجاز روزا لوكسمبورغ في تطويرها المرموق لنظرية ماركس عن إعادة الإنتاج. بيد أن تفوق لينين يكمن في أنه عرف ـ وهنا يتجلى كشفه النظري الفذ ـ كيف يربط بصورة عينية وكاملة نظرية الإمبريالية الاقتصادية بجميع قضايا الساعة الراهنة السياسية ويجعل من مضمون الاقتصاد في تلك المرحلة الجديدة الخيط الهادي لجميع الأعمال العينية في العالم المنظم على ذلك النحو. ولهذا نبذ على سبيل المثال بعض تصورات الشيوعيين البولونيين المتطرفة في نزعتها اليسارية بوصفها تصورات منتمية إلى «المدرسة الاقتصادية الإمبريالية». وهنا أيضا تكمن ذروة نضاله ضد تصور كاوتسكي عن «ما فوق الإمبريالية»، وهي النظرية التي كانت تضع آمالها في إنشاء تروست سلمي عالمي للرأسمال لا تعود معه الحرب العالمية مسارا محتوما أو حتى «سويّا»، وذلك من خلال محاولة كاوتسكي فصل اقتصاد الإمبريالية عن سياستها. وصحيح أن نظرية روزا لوكسمبورغ (وبانيكوك وغيرهما من ممثلي اليسار) عن الإمبريالية ليست نظرية اقتصادية خالصة بالمعنى الضيق للكلمة، فالجميع، وروزا لوكسمبورغ بوجه خاص، يسلطون الضوء على تلك اللحظات من الاقتصاد الإمبريالي التي يأخذ فيها هذا الاقتصاد بالضرورة منعطفا سياسيا (استعمار، صناعة تسلح، الخ). بيد أن هذه العلاقة لا تصبح عينية، أي أن روزا لوكسمبورغ تبين بصورة فذة لا نظير لها أن الانتقال إلى الإمبريالية، أي إلى عصر غزو أسواق المستعمرات والمواد الأولية وما يتيحه هذا الغزو من إمكانيات لتصدير الرأسمال الخ، قد أصبح محتوما بحكم صيرورة التراكم، وأن ذلك العصر، الذي يمثل المرحلة الأخيرة من الرأسمالية، يجب أن يكون عصرا من الحروب العالمية. وبذلك تكون روزا لوكسمبورغ قد صاغت نظرية العصر بكامله، نظرية الإمبريالية الحديثة بوجه عام. ولكنها لم تنجح في ربط هذه النظرية بمتطلبات الساعة العينية، وكراستها الممهورة بإمضاء «يونيوس» ليست البتة، في قسمها العيني، التتمة الضرورية لـ«تراكم الرأسمال». والصحة النظرية التي حاكمت بها ذلك العصر بكامله لا تتحول لديها إلى وعي واضح للقوى الفاعلة العينية التي من واجب النظرية الماركسية أن تقدرها حق قدرها وأن تستخدمها على نحو ثوري.
بيد أن تفوق لينين بصدد هذه النقطة غير قابل البتة للتفسير بصيغ عامة على شاكلة «العبقرية السياسية» و«النظرة العملية الثاقبة» الخ. وإنما هو بالأحرى تفوق نظري محض في تقييم الصيرورة العامة. ذلك أننا لا نجد في حياته قرارا عمليا واحدا لم يكن النتيجة الموضوعية والمنطقية لموقفه النظري. وإذا كان المحور الأساسي الذي يقوم عليه هذا الموقف هو المطالبة بالتحليل العيني للوضع العيني، فإن العقول غير الجدلية هي وحدها التي ترى في هذا المبدأ مجرّد مظهر من مظاهر أساسية «الواقعية النزعة». والحق أن التحليل العيني للوضع العيني لا يتعارض في نظر الماركسي مع النظرية «الخالصة»، بل على النقيض من ذلك: فهذا التحليل هو نقطة الذروة في النظرية الأصيلة، النقطة التي تجد فيها النظرية إنجازها الحقيقي وتتحول إلى ممارسة.
إن تفوق لينين يعود إلى أنه كان بين جميع خلفاء ماركس أقل من تشوهت رؤيته بفعل المقولات الصنمية لمحيطه الرأسمالي. ذلك أن التفوق الحاسم للاقتصاد الماركسي على جميع المذاهب الاقتصادية التي سبقته وتلته يكمن في أنه أفلح بفضل منهجه، وحتى إزاء المسائل الأكثر تعقيدا التي لا يعود معها مهرب في الظاهر من الاستنجاد بالمقولات الاقتصادية الخالصة، الطبقات (التي تعبر هذه المقولات عن وجودها الاجتماعي) من خلال صيرورة تطورها. (فلنفكر بالفارق بين الرأسمال الدائم والرأسمال المتحول من جهة والتمييز الكلاسيكي بين الرأسمال الثابت والرأسمال المتداول من جهة ثانية. ولقد سبق لماركس بصياغته لمشكلة فضل القيمة أن كشف عن الانقسامات الطبقية القائمة بين البورجوازية والبروليتاريا. وزيادة الرأسمال الدائم تظهر هذه العلاقة من خلال المجموع الديناميكي لصيرورة تطور المجتمع بأسره وتزيح النقاب عن صراع شتى الجماعات الرأسمالية على تقاسم فضل القيمة).
إن نظرية الإمبريالية هي لدى لينين نظرية القوى الطبقية العينية التي تفلتها الإمبريالية من عقالها وتجعلها قادرة على العمل والفعل أكثر منها نظرية التكوين الضروري اقتصاديا لتلك القوى وحدوده الاقتصادية كما هو شأنها لدى روزا لوكسمبورغ. إنها نظرية الوضع العالمي العيني الذي خلفته الإمبريالية. وعندما يحلل لينين ماهية الرأسمالية الاحتكارية فإن ما يحظى باهتمامه الأول الوضع العالمي العيني وما ينجم عنه من تبدلات في وضع المجتمع الطبقي، أي الطريقة التي قسمت بها الدول الاستعمارية الكبرى العالم، الطريقة التي تتطور بها التمايزات داخل البورجوازية والبروليتاريا مع حركة تركز الرأسمال (فئة أصحاب الإيرادات الطفيلية والأرستقراطية العمالية الخ)، وبوجه خاص الطريقة التي يحكم بها تطور الرأسمالية الاحتكارية الداخلي، بسبب تفاوت وتيرته من قطر إلى آخر، بالتقادم والبلى على الأشكال السلمية المؤقتة لتقاسم «مناطق النفوذ» وغيرها من التسويات، ويؤدي إلى نشوب خصومات ومنازعات جديدة لا سبيل إلى حلّها إلا بالعنف، أي بالحرب.
ففي الوقت الذي تتحدّد وتتوضح فيه ماهية الإمبريالية بوصفها رأسمالية احتكارات، وماهية الحرب كتطور ضروري وتعبير عن الميل إلى تركز أكبر والى الاحتكار المطلق، تتوضح أيضا التمايزات داخل المجتمع بدلالة هذه الحرب. ومن الوهم والسذاجة التصور مع كاوتسكي بأن في الإمكان تعبئة تلك الفئات من البورجوازية التي لا تجد نفسها «معنية» مباشرة بالإمبريالية والتي لم «تبتلعها» الإمبريالية ضد الحرب والإمبريالية. ذلك أن التطور الاحتكاري يجرّ في ركابه البورجوازية كلها ويجد سندا له لا في أوساط البورجوازية الصغيرة فحسب، وهي الطبقة المتذبذبة على الدوام، بل أيضا في بعض أوساط البروليتاريا (وإن بصورة مؤقتة فقط). ولكن ليس من الصحيح الزعم، على حد ما يفعل المشككون والريبيون المحترفون، أن البروليتاريا الثورية ستعزل نفسها بنفسها عن المجتمع إذا ما نبذت الإمبريالية نبذا قاطعا باتا. فتطور المجتمع الرأسمالي هو دوما متناقض وحركته أبدا متناحرة. وللمرة الأولى في التاريخ تخلق الرأسمالية الاحتكارية اقتصادا عالميا بكل ما في الكلمة من معنى. والحرب الإمبريالية الخاصة بالرأسمالية الاحتكارية هي بالتالي الحرب العالمية الأولى بالمعنى الدقيق للكلمة. وهذا يعني قبل كل شيء أن الأمم المضطهَدة والمستغَلة من قبل الرأسمالية تجد نفسها لأول مرة في التاريخ غير وحيدة منعزلة في نضالها ضد مضطهِديها، بل منقادة بوجودها بالذات في دوامة الحرب العالمية. فالسياسة الاستعمارية المتقدمة للرأسمالية لا تستغل الشعوب المستعمَرة عن طريق نهب ثرواتها وخيراتها فحسب كما كانت الحال في مطلع العصر الرأسمالي، ولكنها تقلب رأسا على عقب في الوقت نفسه البنية الاجتماعية لتلك الشعوب وتجعلها رأسمالية. وليس الهدف من ذلك بالطبع سوى تشديد الاستغلال وتعميقه (تصدير رؤوس الأموال، الخ)، ولكن نتيجته المحتومة التي لا دخل لإرادة الإمبريالية فيها هي بداية التطور البورجوازي داخل البلدان المستعمَرة، والتتمة الأيديولوجية الضرورية لهذا هي بداية النضال من أجل الاستقلال القومي. ومما يساعد على التعجيل بهذه الصيرورة أن الحرب الإمبريالية تجند كل احتياطي الرجال الشاغرين في البلدان الإمبريالية وتجرّ البلدان المستعمرة إلى الحرب بصورة نشيطة من جهة أولى وتشجع تصنيعها السريع من الجهة الثانية، وبذلك تعجل بتطورها أيديولوجيا واقتصاديا.
بيد أن وضع البلدان المستعمرة يمثل حالة مشتطة، قصوى، من العلاقات بين الرأسمالية الاحتكارية وبين أولئك الذين تستغلهم. والانتقال التاريخي من عصر إلى آخر لا يتم أبدا بصورة ميكانيكية: فنمط الإنتاج الجديد لا يمكن أن يولد وأن يؤثر على مجرى التاريخ لمجرد أن نمط الإنتاج السابق الذي تم تجاوزه قد أدى في كل مكان رسالته في تحويل المجتمع. فأنماط الإنتاج التي يخلف بعضها بعضا من خلال تجاوزه والأشكال الاجتماعية والانقسامات الطبقية المطابقة لأنماط الإنتاج تلك تظهر في التاريخ متداخلة متصالبة متعارضة. وهكذا فإن التطورات التي تبدو متشابهة من زاوية مجردة (على سبيل المثال الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية) ترتبط بصورة مختلفة كل الاختلاف بالكلية التاريخية-الاجتماعية، بحكم السياق التاريخي المختلف كل الاختلاف الذي تتم فيه، وبذلك تصبح لها دلالة ووظيفة جديدتان كل الجدّة.
لقد تجلت الرأسمالية الصاعدة كعامل يساعد على ولادة الأمم. وقد استطاعت بعد نضالات ثورية قاسية، وانطلاقا من التعدد الموروث عن العصر الوسيط في السيادات الإقطاعية الصغيرة، أن تحول الجزء الرأسمالي الأكثر تقدما من أوروبا إلى أمم كبيرة. وقد كان النضال في سبيل الوحدة الألمانية والإيطالية آخر تلك النضالات الثورية موضوعيا. ولكن إذا كانت الرأسمالية قد استمرت في التطور في تلك الدول إلى حد التحول إلى رأسمالية احتكارية إمبريالية، وإذا كانت قد بدأت تسير في الاتجاه نفسه في بعض البلدان المتأخرة (روسيا واليابان)، فهذا لا يعني أنها فقدت وظيفتها في توليد أمم أخرى في سائر أجزاء العالم. بل على العكس من ذلك تماما ! فالتطور الرأسمالي المتقدم بلا توقف قد ولد حركات قومية لدى جميع الشعوب الأوروبية التي كانت ما تزال «بلا تاريخ». ولكن نضالات هذه الشعوب في سبيل «تحررها القومي» ما عادت مجرّد نضالات ضد الإقطاع أو الحكم المطلق الإقطاعي الداخلي، وبالتالي ما عادت تقدمية بصورة تلقائية وحتمية، بل صار محتما عليها أن تأخذ مكانها في سياق التنافس الإمبريالي بين الدول العالمية الكبرى. ودلالتها التاريخية وتقييمها مرهونان بالوظيفة الموضوعية التي تؤديها في إطار ذلك السياق العيني.
لقد سبق لماركس أن أدرك بوضوح كامل أهمية هذه المسألة. وقد كانت بالتأكيد في عصره مشكلة إنجليزية في جوهرها، أعني مشكلة العلاقات بين إنكلترا وإرلندا. ويلح ماركس كبير الإلحاح على أن «الشرط المسبق لتحرر الطبقة العاملة الإنكليزية، بغض النظر عن دواعي العدالة الأممية، يكمن في استبدال الوحدة المدعومة بالقوة، أي عبودية إرلندا، بتحالف حر وعلى أساس من المساواة إذا كان ذلك ممكنا، أو بانفصال كامل إذا لم يكن منه مناص». لقد أدرك ماركس تمام الإدراك أن استغلال إرلندا هو من جهة أولى ورقة رابحة حاسمة بالنسبة إلى قوة الرأسمالية الإنكليزية التي كانت وحدها المتمتعة بطابع احتكاري في ذلك العصر، وأن موقف الطبقة العاملة الإنكليزية المبهم والمشوّش من هذه المسألة هو من الجهة الثانية علة انقسام المضطهدين وصراع المستغلين ضد المستغلين بدلا من أن يجمعهم ويوحدهم النضال ضد مستغليهم المشتركين. لقد فهم ماركس إذن أن النضال في سبيل تحرر إرلندا القومي هو وحده القادر على تشكيل جبهة فعالة حقا في نضال البروليتاريا الإنكليزية ضد البورجوازية الإنكليزية.
وتصور ماركس هذا لم يبق عديم التأثير في الحركة العاملة الإنكليزية في ذلك العصر فحسب، بل إنه لم يأخذ طريقه أيضا إلى نظرية الأممية الثانية وممارستها. وهنا أيضا كان مقدرا للينين أن يبعث الحياة من جديد في تلك النظرية، ولكنها كانت حياة أنشط بكثير وأكثر عينية بما لا يقاس مما كان متاحا لماركس نفسه أن يفعله. ذلك أن الواقع التاريخي الأممي هو الذي جعل منها مسألة راهنة، ولهذا فإنها لم تبق عند لينين مجرد نظرية، بل تحولت إلى ممارسة قبل كل شيء. والحقيقة أن ما من أحد منا يستطيع أن يتجاهل أن المشكلة الهائلة التي نواجهها ههنا، وأعني ثورة جميع المضطهَدين على النطاق العالمي لا ثورة العمال وحدهم، هي نفس المشكلة التي ما ونى لينين عن اعتبارها من البداية جوهر المسألة الزراعية في روسيا، بخلاف رأي النارودنيين والماركسيين الشرعيين والاقتصاديين الخ. والمسألة تتعلق في جميع هذه الحالات بما أطلقت عليه روزا لوكسمبورغ اسم السوق «الخارجية» للرأسمالية، أي السوق غير الرأسمالية، سواء أكانت واقعة داخل الحدود السياسية أم خارجها. فالرأسمالية المتوسعة لا تستطيع من جهة أولى أن تبقى على قيد الحياة بدون تلك السوق، ولكن وظيفتها الاجتماعية من الجهة الثانية هي قلب البنية الاجتماعية الأصلية لهذه السوق وتحويل هذه الأخيرة إلى سوق رأسمالية، وعلى وجه التحديد سوق رأسمالية «داخلية»، الأمر الذي يولد لديها ميولا إلى الاستقلال. إن العلاقات جدلية هنا أيضا. ولكن ما لم تجده روزا لوكسمبورغ، انطلاقا من هذا المنظور التاريخي العظيم والحقيقي، هو الطريق المفضي إلى تسوية عينية للمسائل العينية المرتبطة بالحرب العالمية. فقد بقيت المسألة لديها مجرد منظور تاريخي، مجرد طريقة عظيمة وحقيقية في وصف العصر وتمييزه، العصر المنظور إليه في كليته. وإنما إلى لينين يعود الفضل في تخطي النظرية إلى الممارسة، وهذه الخطوة تعني أيضا، وهذا ما لا يجب أبدا أن ننساه، تقدما نظريا، لأنها خطوة تقود من المجرّد إلى العيني.
إن الانتقال إلى العيني انطلاقا من التقييم الصحيح على صعيد التجريد للواقع التاريخي الراهن، انطلاقا من البرهان على الطابع الثوري المجمل لكل المرحلة الإمبريالية، يكتسب كل حدته مع مسألة الطابع الخاص لهذه الثورة. وأحد فتوح ماركس النظرية الكبرى أنه ميز دقيق التمييز بين الثورة البورجوازية والثورة البروليتارية. وقد كان لهذا التمييز، إزاء أوهام معاصريه وعدم نظجهم، أهمية حاسمة من وجهة النظر العملية والتكتيكية، وقدم منهجا لا نظير له في الكشف عن العناصر الجديدة حقا والبروليتارية حقا في حركات العصر الثورية. بيد أن هذا التميز تحول وتحجر في الماركسية المبتذلة في شكل فصل ميكانيكي النزعة. وقد كانت النتيجة العملية لهذا الفصل لدى الانتهازيين تعميما دوغمائيا انطلاقا من الملاحظة الصحيحة تجريبيا التي ترى أن كل ثورة في العصر الحديث تبدأ عمليا كثورة بورجوازية وإن كانت مقترنة بأعمال ومطالب بروليتارية فالثورة في مثل هذه الأوضاع هي مجرّد ثورة بورجوازية في نظر الانتهازيين ان نتيجة هذا الفصل بين الثورتين البورجوازية والبروليتارية هي أن البروليتاريا يتوجب عليها أن تتخلى عن الأهداف الثورية الطبقية الخاصة بها.
ولكن التصور المتطرف في يساريته يسقط هو الآخر في تأويل ميكانيكي النزعة لا يقل خطرا عن التصور الانتهازي، وإن كان قد اكتشف الطابع السفسطائي للنظرية الانتهازية ووعى الطابع الثوري لعصرنا. فقد خلص إلى القول، بعد أن اعترف بأن البورجوازية قد انتهت على الصعيد الأممي من أداء دورها الثوري في العصر الإمبريالي، بأننا دخلنا من الآن فصاعدا في مرحلة الثورة البروليتارية الخالصة، مؤكدا بذلك سقوطه في نزعة الفصل الميكانيكي بين الثورة البورجوازية والثورة البروليتارية. والحق أن النتيجة العملية لهذا الموقف بالغة الخطورة، إذ أنه يهمل، وأحيانا يزدري وينبذ، كل ديناميكية الغليان والانحلال المميزة للعصر الإمبريالي (المسائل الزراعية والاستعمارية والقومية)، وهي ديناميكية ثورية موضوعيا من خلال ارتباطها بالثورة البروليتارية. ثم إن نظريي الثورة البروليتارية الخالصة أولئك يتخلون عن طيب خاطر عن حلفاء البروليتاريا الفعليين البالغي الأهمية، ويزدرون ذلك السياق الثوري الذي يفتح للثورة آفاقا عينية، وينتظرون بالتالي الثورة البروليتارية «الخالصة» في سماء التجريد مع زعمهم في الوقت نفسه أنهم يعدون لها العدة. وقد قال لينين: «إن من ينتظر ثورة اجتماعية خالصة لن يعرفها أبدا، وليس ثوريا إلا بالكلام الثوري الذي لا يفهم الثورة الحقيقية».
ذلك أن الثورة الحقيقية هي التحويل الجدلي للثورة البورجوازية إلى ثورة بروليتارية. وإذا كان من الوقائع التاريخية الثابتة التي لا مراء فيها أن تلك الطبقة التي كانت في الماضي قائدة الثورات البورجوازية الكبرى والمنتفع الأول بها قد أصبحت من الآن فصاعدا مناهضة للثورة موضوعيا، فهذا لا يعني البتة أن المشكلات الموضوعية التي تدور هذه الثورات حول محورها قد سويت على الصعيد الاجتماعي، كما لا يعني أن الفئات الاجتماعية التي يمثل الحل الثوري لتلك المشكلات أهمية حيوية بالنسبة إليها قد تمت تلبية حاجاتها. بل على العكس من ذلك تماما ! فالانعطاف المضاد للثورة الذي نفذته البورجوازية لا يتترجم في عداء هذه الأخيرة للبروليتاريا فحسب بل في عزوفها أيضا عن التقاليد الثورية الخاصة بها. إنها تتنازل للبروليتاريا عن ميراث ماضيها الثوري. فالبروليتاريا هي من الآن فصاعدا الطبقة الوحيدة القادرة على السير بالثورة البورجوازية إلى نهاية الشوط بصورة منطقية متلاحمة. وهذا يعني من جهة أولى أن مطالب الثورة البورجوازية التي ما تزال راهنة لا يمكن تحقيقها إلا في إطار ثورة بروليتارية، ويعني من الجهة الثانية أن الإنجاز الكامل لمطالب الثورة البورجوازية يفضي بالضرورة إلى الثورة البروليتارية. إذن فالثورة البروليتارية تعني في آن واحد إنجاز الثورة البورجوازية وتجاوزها.
إن إدراك هذه الحقيقة يفتح آفاقا واسعة لفرض الثورة البروليتارية وإمكانياتها. ولكن هذا يتطلب جهودا هائلة من قبل البروليتاريا الثورية وحزبها القائد، لأن تحقيق هذا الانتقال الجدلي يفرض على البروليتاريا لا أن تملك معرفة صحيحة بالكلية الحقيقية فحسب، بل أن تتجاوز أيضا الميول البورجوازية الصغيرة والعادات الفكرية التي كانت تحول دون رؤيتها الواضحة لتلك الكلية (وعلى سبيل المثال الآراء المسبقة القومية). وهكذا تنطرح على البروليتاريا ضرورة تجاوز نفسها لتتولى قيادة جميع المضطهدين. ويأتي في المقام الأول نضال الشعوب المضطهَدة في سبيل استقلالها القومي، وهو نضال له تأثير بالغ على التربية الثورية، سواء بالنسبة إلى بروليتاريا الشعب المضطهِد التي تتجاوز نزعتها القومية الخاصة بتأييدها ذلك الاستقلال القومي إلى نهاية الشوط أو بالنسبة إلى بروليتاريا الشعب المضطهَد التي تتجاوز هي أيضا نزعتها القومية الخاصة بتبنيها شعارات الاتحاد الفبدرالي والتضامن الأممي. ذلك أن البروليتاريا تناضل على حد قول لينين «في سبيل الاشتراكية وضد جوانب ضعفها الذاتي». والنضال في سبيل الثورة، وانتهاز الفرص الموضوعية التي يتيحها الوضع الأممي، والكفاح الداخلي في سبيل إنضاج وعي الثوريين الطبقي، هي جوانب مترابطة متلاحمة من صيرورة جدلية واحدة.
إن الحرب الإمبريالية ترفد إذن البروليتاريا بالحلفاء من كل مكان عندما تناضل هذه البروليتاريا ضد البورجوازية بصورة ثورية. ولكن عندما لا تعي البروليتاريا وضعها ومهامها فإن الحرب الإمبريالية تقضي عليها بتمزق ذاتي رهيب، وتجعل منها مجرد استطالة ذيلية للبورجوازية. إن الحرب الإمبريالية تخلق وضعا أمميا يتيح للبروليتاريا إمكانية تزعّم جميع المضطهَدين والمستغَلين، ويمكن فيه لنضالها في سبيل تحررها أن يصبح علامة ودليل تحرر جميع أولئك الذين تسترقهم الرأسمالية وتستعبدهم. ولكنها تخلق في الوقت نفسه وضعا عالميا يتوجب فيه على ملايين البروليتاريين أن يفتكوا بوحشية فائقة التهذيب بملايين من البروليتاريين الآخرين، وذلك بهدف تعزيز وتطوير الوضع الاحتكاري لمستغِليهم. والمصير الذي سيكون من نصيب البروليتاريا مرهون بتفهمها لموقفها التاريخي الخاص وبوعيها الطبقي. ذلك أن «البشر يصنعون بأنفسهم تاريخهم الخاص، لا في الظروف التي يختارونها هم بالطبع، وإنما في الظروف التي يجدونها من فورهم في مواجهتهم». وليست المسألة هنا معرفة ما إذا كانت البروليتاريا تريد الكفاح أو لا، وإنما معرفة المصالح التي ينبغي عليها أن تناضل في سبيلها، أمصالحها هي أم مصالح البورجوازية. إن المسألة التي يطرحها موقف البروليتاريا التاريخي ليست هي الاختيار بين الحرب والسلم وإنما الاختيار بين الحرب الإمبريالية وبين الحرب على هذه الحرب، أي الحرب الأهلية.
إن ضرورة الحرب الأهلية، كوسيلة دفاعية في يد البروليتاريا تجاه الحرب الإمبريالية، تولد شأن جميع أشكال نضال البروليتاريا من شروط الصراع التي يفرضها تطور الإنتاج الرأسمالي والمجتمع البورجوازي على البروليتاريا. أما نشاط الحزب وأهمية رؤيته النظرية الصحيحة فإنهما يمحضان البروليتاريا تلك القوة الضرورية للمقاومة أو الهجوم، وهي القوة التي تملكها فعلا في إطار ذلك الوضع بحكم العلاقات الطبقية ولكن التي لا تستطيع الارتفاع بها إلى مستوى الإمكانيات الموضوعية القائمة بحكم النقص في نضجها النظري والتنظيمي. وهكذا ظهر الإضراب الجماهيري، حتى قبل الحرب الإمبريالية، كردّ فعل عفوي للبروليتاريا ضد المرحلة الإمبريالية من الرأسمالية، وهذا الواقع الذي حاول يمين الأممية الثانية ووسطها إخفاءه بكل الوسائل قد أصبح شيئا فشيئا التراث المشترك لليسار الجذري. ولكن هنا أيضا كان لينين الوحيد الذي أدرك منذ عام 1905 أن الإضراب الجماهيري لا يكفي كسلاح للنضال الحاسم. ولقد وضع، بتقييمه تمرد موسكو الفاشل كمرحلة فاصلة وبمحاولته استخلاص التجارب العينية منه بينما كان بليخانوف يزعم «أنه ما كان ينبغي اللجوء إلى السلاح وشهره»، أقول: وضع الأسس النظرية لتكتيك البروليتاريا الضروري في الحرب العالمية قبل نشوبها بسنوات عدة. ذلك أن المرحلة الإمبريالية من الرأسمالية ونقطة الأوج التي تبلغها مع الحرب العالمية تشيران بلا لبس إلى أن الرأسمالية قد دخلت في المرحلة التي ستقرر بقاءها أو زوالها. ومن هنا تبذل البورجوازية بما تتمتع به من غريزة حادة كطبقة اعتادت على الحكم والسيادة وتدرك أن اتساع دوائر هيمنتها وتطور جهاز دولتها يوازيهما تقلص في الأساس الاجتماعي الواقعي لهيمنتها، أقول تبذل قصارى جهودها لتوسيع هذا الأساس (عن طريق جسر «الفئات المتوسطة» في ركابها ورشوة الأرستقراطية العمالية الخ)، وكذلك إلى سحق أعدائها الألداء سحقا نهائيا قبل أن يتنبَّه هؤلاء الأعداء ويواجهوها بمقاومة حقيقية. وهكذا فإن البورجوازية هي التي تصفي في كل مكان الأشكال «السلمية» لصراع الطبقات ـ تلك الأشكال التي كانت بالرغم من طابعها المؤقت والمهزوز مبرر النظرية التحريفية ـ وهي التي تختار أشكالا أشد «عنفا» (كما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية). فهي توطد هيمنتها أكثر فأكثر على جهاز الدولة وتتحد به إلى درجة أن المطالب الاقتصادية المحضة تصبح عرضة أكثر فأكثر إلى الاصطدام بهذا الجدار، والى درجة يجد العمال أنفسهم مرغمين معها على النضال ضد السلطة (وبالتالي في سبيل السلطة لاشعوريا) حتى وإن كانوا لا يتطلعون إلى أكثر من تلافي تدهور وضعهم الاقتصادي وخسارة المكاسب المتحققة. وبنتيجة هذا التطور تجد البروليتاريا نفسها مكرهة على استخدام تكتيك الإضراب الجماهيري، بينما يبلغ ذعر الانتهازية من الثورة حدا تصبح معه على استعداد دائم للتخلي عن المكتسبات المتحققة بدلا من أن تستخلص النتائج الثورية من ذلك الوضع. والإضراب الجماهيري هو في حد ذاته، وموضوعيا، وسيلة ثورية. فكل إضراب جماهيري يخلق وضعا ثوريا تستخلص منه البورجوازية بمساعدة جهاز الدولة الحد الأقصى من النتائج الضرورية لها للحفاظ على سيطرتها. وإزاء هذه الأساليب تجد البروليتاريا نفسها عاجزة، بل إن سلاح الإضراب الجماهيري يصبح هو نفسه وبالضرورة مفلولا إزاءها إذا لم تشهر البروليتاريا السلاح هي أيضا في مواجهة سلاح البورجوازية. وهذا يوجب عليها أن تبذل قصارى جهودها لتتسلح بدورها، ولتوقع الفوضى والبلبلة في صفوف جيش البورجوازية الذي يتألف من غالبية ساحقة من العمال والفلاحين، ولتردّ سلاح البورجوازية إلى نحرها هي بالذات. (إن ثورة 1905 تقدم أمثلة عديدة تجلّت فيها غريزة طبقية صحيحة إلى أبعد الحدود، ولكنها تظل من وجهة النظر هذه مجرد غريزة).
والحرب الإمبريالية تزيد من حدّة توتر الوضع هذا إلى أقصى الحدود. فالبورجوازية تضع البروليتاريا أمام الإحراج التالي: إما أن تسفك دماء رفاقها الطبقيين في البلدان الأخرى على مذبح المصالح الاحتكارية للبورجوازية وأن تسفك دمها هي بالذات في سبيل هذه المصالح، وإما أن تطيح بهيمنة البورجوازية بعنف السلاح. وكل وسائل النضال الأخرى ضد هذا العنف الفائق المفروض على البروليتاريا تقف عاجزة لأنها ستتحطم جميعها، بلا استثناء على صخرة الجهاز العسكري للدول الإمبريالية. وعلى هذا، وإذا كانت البروليتاريا تريد الإفلات من طوق ذلك العنف الفائق، فإن عليها أن تشنّ بنفسها القتال ضد ذلك الجهاز العسكري وأن تردّ السلاح الذي اضطرت البورجوازية الإمبريالية إلى تسليمه إلى الشعب إلى نحر البورجوازية وأن تستخدمه لإبادة الإمبريالية.
وهكذا نرى أن وجهة النظر البلشفية لا تنطوي على أي شيء خارق للعادة. بل على العكس: فعقدة الموقف تتحدد في العلاقات الطبقية بين البورجوازية والبروليتاريا. فالحرب، على حد تعريف كلاوزيفيتش [14]، ليست سوى استمرار السياسة، ولكنها استمرارها من جميع الزوايا والمستويات. أي أن الحرب لا تعني أن الخط الذي سار عليه قطر من الأقطار في أيام «السلم» في مضمار سياسة الدولة الخارجية قد أفضى إلى نتيجته النهائية فحسب، بل تعني أيضا أن الحرب تشحذ إلى أعلى مستوى، ومن خلال تمايز الطبقات في قطر من الأقطار (أو في العالم قاطبة)، الميول والنزعات التي سبق لها أن أعلنت عن نفسها بصورة فعالة في قلب المجتمع في أيام «السلم». إذن فالحرب لا تخلق وضعا جديدا كل الجدة لا بالنسبة إلى قطر محدد ولا بالنسبة إلى طبقة محددة داخل أمة محددة. والشيء الجديد الذي تضيفه الحرب فعلا يتمثل فقط في التحويل النوعي للحدة الكمية الخارقة لجميع المشكلات. ومن هذه الزاوية وحدها، ولهذا السبب وحده، تخلق الحرب وضعا جديدا.
ليست الحرب إذن، من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية، سوى إحدى مراحل التطور الإمبريالي للرأسمالية. ولهذا فإنها ليست بالضرورة سوى إحدى المراحل في نضال البروليتاريا الطبقي ضد البورجوازية. والنظرية اللينينية عن الإمبريالية تستمد أهميتها من أن لينين أقام بصورة نظرية متماسكة ـ وهذا ما لم يفعله أحد غيره قط ـ صلة منطقية بين الحرب العالمي والتطور الإجمالي، وبرهن على هذه الصلة بوضوح كبير على ضوء المشكلات العينية التي تثيرها الحرب. ولكن لما كانت المادية التاريخية هي نظرية النضال الطبقي البروليتاري، فإن إرساء تلك الصلة يظل ناقصا إذا لم تكن نظرية الإمبريالية نظرية تيارات الحركة العاملة في الوقت نفسه. إذن فليست المسألة مسألة الفهم الواضح للكيفية التي يتوجب بها على البروليتاريا أن تتصرف تبعا لمصالحها الطبقية في ذلك الوضع الأممي المستجد فحسب، بل هي أيضا وفي الوقت نفسه مسألة تبيان الأسس النظرية التي تقوم عليها سائر المواقف «البروليتارية» تجاه الإمبريالية والحرب الإمبريالية وتبيان طبيعة التبدلات الطارئة على بنية البروليتاريا، هذه التبدلات التي تولّد أنصارا وأتباعا لتلك النظريات وتحوّل هذه الأخيرة بالتالي إلى تيارات سياسية.
إن المسألة قبل كل شيء هي إقامة البرهان على وجود هذه التيارات السياسية فعلا، وإقامة البرهان على أن الموقف الذي وقفته الاشتراكية-الديموقراطية إزاء الحرب لم يكن نتيجة ضلال مؤقت وجبن الخ، بل كان النتيجة الحتمية لتطورها السابق، وبالتالي إقامة البرهان على أن هذا الموقف يجب أن يُفهم في إطار تاريخ الحركة العاملة وأن يجري تحليله بدلالة «الاختلافات السابقة في الآراء» في أوساط الاشتراكية-الديموقراطية (التحريفية، الخ). بيد أن وجهة النظر هذه التي هي البداهة بعينها في أصول المنهج الماركسي (لننظر على سبيل المثال إلى الطريقة التي عالج بها «البيان الشيوعي» التيارات المعاصرة له) لم تفرض نفسها وتنتصر إلا بصعوبة بالغة في أوساط الجناح الثوري من الحركة العاملة. بل إن جماعة «الأممية» نفسها، أي جماعة روزا لوكسمبورغ وفرانز مهرينغ [15]، لم تتمكن من تطبيق وجهة النظر المنهجية هذه ولم تفلح في استخلاص جميع النتائج منها. وبديهي أن كل إدانة للانتهازية وللموقف الذي تقفه من الحرب لا تنطلق من واقع أن الانتهازية تمثل تيارا محددا ومتمايزا من وجهة النظر التاريخية من تيارات الحركة العاملة ولا تفهم أن حاضر الانتهازية هو النتيجة العضوية لماضيها، أقول إن مثل هذه الإدانة لا ترتفع إلى أكثر من المستوى المبدئي الأولي للنقاش الماركسي ولا تتوصل إلى استخلاص الاستنتاجات المترتبة على الإدانة نفسها، وهي استنتاجات عملية وعينية ضرورية في لحظة العمل على صعيد التكتيك وعلى صعيد التنظيم معا.
ولقد كان من الواضح بالنسبة إلى لينين، وإليه وحده ـ نحن نكرر ذلك ـ منذ بداية الحرب العالمية أن مواقف شايدمان وبليخانوف وفاندرفيلد [16] الخ إزاء الحرب إن هي في الواقع إلا التطبيق المنطقي لمبادئ التحريفية على الوضع المستجد.
ولكن فيمَ تكمن ـ باختصار ـ ماهية التحريفية؟ إن التحريفية تسعى أولا إلى تجاوز وجهة نظر المادية التاريخية التي ترى إلى جميع ظاهرات الواقع التاريخي-الاجتماعي من وجهة النظر البروليتارية الطبقية وحدها لا غير. ونقطة الانطلاق التي اختارتها التحريفية هي مصالح »المجتمع بأسره«. ولكن لما لم يكن من وجود عيني لهذه المصالح العامة، ولما كان ما يمكن أن يتلبس صفة المصالح العامة ليس في الواقع سوى المحصلة المؤقتة لتفاعل وتداخل مختلف القوى الطبقية المتصارعة، فإن التحريفي يفهم نتيجة الصيرورة التاريخية المتغيرةَ دوما، على أنها نقطة انطلاق منهجية متماثلة دوما. وهكذا فإنه يجعل الأمور، حتى من وجهة النظر النظرية أيضا، تسير على رأسها. أما من وجهة النظر العملية فإن التحريفية هي في ماهيتها وبالضرورة تسوية وحل وسط، حتى ولو لم نأخذ بعين الاعتبار غير نقطة انطلاقها وحدها. وهي دوما انتقائية: أي أنها تحاول أن تثلم وتسوي على صعيد نظري الفروق الطبقية وأن تكسر من حدّتها لتجعل من وحدتها ـ وهي وحدة تسير موضوعيا على رأسها ولا وجود لها ذاتيا إلا في رأس التحريفي ـ المعيار في تقييم الأحداث.
ولهذا السبب يرفض التحريفي ثانيا الجدل وينبذه. ذلك أن الجدل ليس سوى التعبير التصوري عن حقيقة أن تطور المجتمع ينطلق في الواقع من سلسلة من التناقضات وأن هذه التناقضات (بين الطبقات، بين وجودها الاقتصادي المتناحر، الخ) تشكل الأساس والنواة الواقعية لكل حدث وأن »وحدة« المجتمع لا يمكن أن تكون، ما دام المحور الذي يقوم عليه المجتمع هو الانقسام إلى طبقات، سوى مفهوم مجرد ونتيجة عارضة دوما لتفاعل تلك التناقضات. ولكن لما لم يكن الجدل كمنهج سوى الصياغة النظرية لحقيقة أن المجتمع يتابع تطوره من خلال سلسلة من التناقضات وبالانتقال من نقيض إلى آخر، أي بطريقة ثورية، لذا فإن النبذ النظري للجدل يعني قطيعة مبدئية مع كل السلوك الثوري.
ثالثا، إن التحريفيين برفضهم الاعتراف بالواقع الراهن للجدل كحركة متناقضات تنتج دوما ما هو جديد يعرّون تفكيرهم ومحاكماتهم العقلية من كل ما هو تاريخي وعيني وجديد. والواقع الذي يمتحنونه خاضع بحكم رابطة دوغمائية وميكانيكية لـ«القوانين الحديدية الأبدية» التي تنتج بلا انقطاع وامتثالا لماهيتها الشيء ذاته دوما والتي ينصاع لها الإنسان كما لو أنها قدرة انصياعه لقوانين الطبيعة. إذن يكفي أن نعرف هذه القوانين مرة واحدة لنعرف كيف سيتطور مصير البروليتاريا. أما الافتراض بأنه يمكن أن تنشأ أوضاع جديدة غير متوقعة من قبل تلك القوانين أو أوضاع مآلها مرهون بقرار البروليتاريا، فهذا تفكير غير علمي في نظر التحريفيين. (إن التتمة الضرورية لهذا التصور هي الميل إلى التهويل من شأن الشخصيات الكبيرة والأخلاق الخ).
وينبغي أن نلاحظ، رابعا، أن هذه القوانين هي قوانين التطور الرأسمالي، وأن إلحاح التحريفي على الصحة الأبدية وما فوق التاريخية لهذه القوانين يعني أنه يعتبر المجتمع الرأسمالي، كما تعتبره البورجوازية بالذات، واقعا ثابتا غير قابل لتغيير جوهري. فالتحريفي لا يعتبر المجتمع البورجوازي نتاجا للتاريخ وبالتالي نتاجا مقضيا عليه تاريخيا بالزوال، كما أنه لا ينظر إلى العلم على أنه وسيلة لتحديد لحظة سقوط ذلك المجتمع وللتعجيل بها، بل على أنه، في أحسن الأحوال، وسيلة لتحسين وضع البروليتاريا داخل المجتمع البورجوازي. وكل محاكمة عقلية تتجاوز عمليا إطار المجتمع البورجوازي هي في نظر التحريفية وهم وطوبائية.
ولهذا، وهنا تكمن نقطتنا الخامسة، تتبنى التحريفية ما يسمى بالسياسة الواقعية. فهي تضحي دوما بالمصالح الحقيقية لمجموع الطبقة العاملة وتوجه تهمة الطوبائية إلى كل دفاع متماسك عن هذه المصالح) على مذبح الدفاع عن المصالح المباشرة لبعض الفئات. وهذه الملاحظات القليلة كافية لنتبين بوضوح أن التحريفية ما أمكنها أن تصبح تيارا حقيقيا من تيارات الحركة العاملة إلا لأن تطور الرأسمالية الجديد قد أفسح المجال بصورة مؤقتة أمام بعض فئات الطبقة العاملة للحصول بنتيجة هذا الوضع على بعض المكاسب الاقتصادية، وإلا لأن الشكل التنظيمي للأحزاب العمالية يضمن لهذه الفئات ولممثليها الفكريين نفوذا أكبر من نفوذ جماهير البروليتاريا العريضة التي ليست هي ثورية إلا غريزيا وعلى نحو مبهم وملتبس.
إن الصفة الجامعة بين جميع التيارات الانتهازية هي أنها لا تنظر أبدا إلى الأحداث من وجهة نظر البروليتاريا، وتسقط بالتالي في نزعة سياسية واقعية انتقائية لا تاريخية وغير جدلية. وهذا ما يوحّد بين تصوراتها المختلفة عن الحرب، ويظهرها جميعا بلا استثناء كنتيجة حتمية لانتهازيتها السابقة. والذيلية اللامشروطة التي تميز موقف الجناح اليميني إزاء القوى الإمبريالية في قطره القومي الخاص هي النتيجة العضوية لوجهة النظر التي تجعل من البورجوازية ـ وإن مع بعض التحفظات في البداية ـ الطبقة القائدة لتطور التاريخ والتي تحث البروليتاريا على دعم «دور البورجوازية التقدمي». وعندما يصف كاوتسكي «الأممية» بأنها مجرد أداة للسلم لا تصلح للاستخدام في أوقات الحرب، فإنه لا يزيد شيئا على قول المنشفي الروسي تشيريفانين عندما راح يندب نفسه وحظه بعد الثورة الروسية الأولى: «إنه لمن الصعب إبان الحريق الثوري وفي اللحظة التي تقترب فيها الأهداف الثورية كل الاقتراب من إمكانية إنجازها شق الطريق لتكتيك منشفي معقول»، الخ.
إن تيارات الانتهازية يتمايز بعضها عن بعض تبعا للفئات البورجوازية التي تحاول الاعتماد عليها والتي تسعى إلى جر البروليتاريا في ركابها. فالجناح اليميني من الانتهازية يعلق آماله على الصناعة الثقيلة والرأسمال المصرفي. وفي هذه الحال يعترف اعترافا غير مشروط بالإمبريالية على أنها ضرورية، ويزعم أن البروليتاريا يجب أن تضمن تحقيق مصالحها في الحرب الإمبريالية وفي عظمة أمتها وانتصارها. وفي حالات أخرى تسعى الانتهازية إلى التحالف مع تلك الفئات من البورجوازية التي تجد نفسها بالتأكيد مرغمة على المساهمة في التطور ولكن التي تشعر بأنها مبعدة إلى المرتبة الثانية. وهذه الفئات تتبع عمليا الإمبريالية (ولا معدى لها من أن تتبعها) ولكنها تتذمر من هذه العبودية و«تتمنى» أن تأخذ الأمور مجرى آخر. ولهذا السبب تطمح إلى عودة السلام والتبادل الحر والظروف «العادية»، ولكنها تظل عاجزة مع ذلك عن الظهور بمظهر الخصم الفعال للإمبريالية بل على العكس من ذلك، فهي لا تخوض معركة لا جدوى منها أصلا إلا لتكون لها حصتها في الغنيمة الإمبريالية (أقسام من الصناعة الخفيفة، البورجوازية الصغيرة، الخ). ومن خلال هذا المنظور تبدو الإمبريالية وكأنها حدث «طارئ» و«عرض عارض» وكأنها تسعى إلى تدبير حل سلمي والى تجميد التعارضات. وفي هذه الحال لا يعود المطلوب من البروليتاريا، التي يرغب وسط الحزب الاشتراكي-الديموقراطي في أن يشدها إلى ركاب تلك الفئات الاجتماعية، أن تناضل بصورة فعالة ونشيطة ضد الحرب (ولكن عدم النضال ضد الحرب يعني عمليا المساهمة فيها)، بل أن تكتفي بإعلان ضرورة سلم «عادل»، الخ.
إن «الأممية» هي التعبير التنظيمي عن وحدة مصالح البروليتاريا العالمية قاطبة. ولقد كفت «الأممية» عمليا عن الوجود من اللحظة التي تم فيها الاعتراف نظريا بإمكانية دخول العمال في صراع فيما بينهم لخدمة البورجوازية. كما أنه لم يعد في الإمكان تقويم هذه «الأممية» وإعادتها إلى الطريق القويم وإحياؤها من اللحظة التي اتضح فيها أن قتال العمال الدموي ضد العمال الآخرين تبعا لمصالح الدول الإمبريالية المتنافسة هو النتيجة الحتمية للسلوك الذي كانت العناصر المهيمنة على «الأممية» قد سلكته حتى ذلك الحين. والاعتراف بالانتهازية بوصفها تيارا محددا يعني أنها العدو الطبقي للبروليتاريا داخل المعسكر العمالي بالذات. وعلى هذا فإن طرد الانتهازية من الحركة العاملة هو الشرط الأول الذي لا غنى عنه لخوض كفاح ناجح ضد البورجوازية. ومن هنا فإن تهيئة الثورة البروليتارية تقتضي بصورة مطلقة أن يتحرر العمال من ذلك التأثير الضار من وجهة النظر الفكرية والتنظيمية. ولما كان هذا النضال هو على وجه التحديد نضال طبقتهم برمتها ضد البورجوازية العالمية، فإن النتيجة الضرورية التي يجب أن تنجم عن الكفاح ضد الانتهازية كتيار هي إنشاء «أممية» جديدة بروليتارية وثورية.
إن تمرغ «الأممية» القديمة في مستنقع الانتهازية هو نتيجة مرحلة لم يكن طابعها الثوري بارزا سافرا. وانهيار الأممية القديمة وضرورة قيام أممية جديدة هما إشارة إلى ابتداء مرحلة حتمية من الحروب الأهلية. ولكن هذا لا يعني أن القتال يجب أن يبدأ من الآن وفي كل يوم حول المتاريس، وإنما يعني أن هذه الضرورة يمكن أن تطرح نفسها وأن تبرز إلى حيز الوجود ابتداء من الغد وفي كل لحظة، وأن التاريخ قد وضع ـ باختصار ـ الحرب الأهلية على جدول الأعمال. والحزب البروليتاري، وكم بالأحرى الأممية البروليتارية، لا يمكن أن يكونا قابلين للحياة إلا إذا اعترفا اعترافا صريحا بهذه الضرورة وعقدا العزم على تهيئة البروليتاريا لهذه الضرورة ولنتائجها على المستويات المعنوية والمادية، النظرية والتنظيمية.
ونقطة انطلاق هذه التهيئة يجب أن تكون تفهم طابع تلك المرحلة ويوم تعترف الطبقة العاملة بالحرب العالمية كنتيجة حتمية لتطور الرأسمالية الإمبريالي، ويوم تفهم أن الحرب الأهلية هي المقاومة الوحيدة الممكنة للإبادة التدريجية التي تواجهها من أجل خدمة البورجوازية، يومذاك فقط يمكن أن يبدأ الإعداد المادي والتنظيمي لهذه المقاومة. ويوم تصبح هذه المقاومة فعلية، يتحول الغليان الأصم لجميع المضطهدين إلى تحالف مع البروليتاريا المناضلة في سبيل تحررها. فعلى البروليتاريا إذن أن تمتلك قبل كل شيء وعيا طبقيا صحيحا ومتجسدا تجسدا ماديا ملموسا، وعيا خاصا بها ومميزا لها حتى يكون في وسعها بواسطته أن تتولى قيادة الكفاح التحريري الحقيقي، أعني الثورة العالمية الحقيقية. والأممية التي ولدت من هذا النضال هي بالتالي إعادة توحيد للعناصر الثورية الأصيلة من الطبقة العاملة، من أجل الكفاح وعلى أرض نظرية صلبة واضحة. ولكنها في الوقت نفسه جهاز ومركز النضال التحرري للمضطهدين كافة في العالم قاطبة. إنها الحزب البلشفي، التصور اللينيني عن الحزب الموضوع برسم العالم قاطبة. وكما أن الحرب العالمية قد أظهرت، من خلال مجهر المجزرة الهائلة على نطاق الكرة الأرضية بأسرها، قوى الرأسمالية الآفلة وإمكانيات النضال ضدها، كذلك سبق للينين أن تبينها بوضوح كبير من خلال النموذج المصغر للرأسمالية الروسية الوليدة ومن خلال إمكانيات الثورة الروسية.
——————————————————————————–

5 – الدّولـــة سلاحــــاً
تتجلى الماهية الثورية لعصر من العصور على أوضح ما يكون عندما يتجاوز صراع الأحزاب والطبقات النطاق التنظيمي لدولة محددة ويشرع بنسف حدودها وبتخطيها. وهذا الصراع يأخذ من جهة أولى شكل نضال من أجل سلطة الدولة، وتساهم الدولة نفسها من جهة ثانية في هذا الصراع رسميا. وهذا لا يعني أن الصراع موجَّه ضد الدولة فحسب، بل يعني أيضا أن الدولة نفسها تظهر على حقيقتها كسلاح في الصراع الطبقي، كأداة رئيسية من الأدوات المستخدمة في الحفاظ على الهيمنة الطبقية.
لقد نوَّه ماركس وإنجلز باستمرار بطابع الدولة هذا وقاما بتحليله من خلال جميع ارتباطاته بتطور التاريخ وبالثورة البروليتارية. لقد وضع ماركس وإنجلز من خلال صيغة واضحة كل الوضوح لا التباس فيها أُسس نظرية الدولة في إطار المادية التاريخية. ولكن ههنا على وجه التحديد ابتعدت الانتهازية أكثر ما يكون الابتعاد وبتصميم عن ماركس وإنجلز. ذلك أنه كان من الممكن في أي مجال آخر تصوير «إعادة النظر» في النظريات الاقتصادية الخصوصية على أن مبدأها يتفق مع ماهية المنهج الماركسي بالذات (كما فعل برنشتاين)، أو إضفاء اتجاه ميكانيكي وجبري وغير جدلي وغير ثوري معا على المذاهب الاقتصادية التي ما تزال تحتفظ بورقة تين «الأرثوذكسية» [17] (كما فعل كاوتسكي). ولكن مجرد إثارة هذه المشكلات التي كان ماركس وإنجلز يعتبرانها أُسس نظريتهما عن الدولة يعدل الاعتراف بآنية الثورة البروليتارية وبطابعها الراهن. وانتهازية جميع التيارات السائدة في الأممية الثانية تتجلى قبل كل شيء وعلى أوضح ما يكون في أن أيّا منها لم يهتم اهتماما جدّيا بمشكلة الدولة. وهنا على وجه التحديد، عند نقطة التصالب هذه، تتلاشى الفروق بين كاوتسكي وبرنشتاين. فجميعهم بلا استثناء قبلوا بكل بساطة بالدولة البورجوازية. وعندما وجهوا النقد إليها، فهذا فقط ليكافحوا بعض الأشكال الظاهرية والضّارّة بالبروليتاريا من الدولة. ولقد ركزوا اهتمامهم على الدولة من زاوية المصالح المباشرة الخصوصية، ولم يحللوا قط ماهيتها ويقيموها بدلالة مجمل مصالح الطبقة العاملة. وإذا كان الجناح اليساري من الأممية الثانية قد برهن على مثل هذا النقص في النضج والوضوح، فهذا لأنه عجز عن طرح مشكلة الدولة طرحا واضحا. ولقد شارف أحيانا على طرح مشكلة الثورة ومشكلة النضال ضد الدولة، ولكنه لبث عاجزا عن طرح المسألة عينيا ـ حتى على الصعيد النظري المحض ـ وبالتالي عن بيان نتائجها العملية في الواقع التاريخي الراهن.
وهنا أيضا كان لينين الوحيد الذي ارتفع من جديد إلى المستوى النظري للتصور الماركسي، تصور ماركس بالذات، والى نقاء الموقف البروليتاري تجاه مشكلة الدولة. وحتى إذا لم تتعدّ مساهمته حدود هذا، فإنها تشكل في حدّ ذاتها نتيجة نظرية رفيعة المستوى. ولكن لينين بإعادة توكيده النظرية الماركسية عن الدولة لم يجدد فلسفيا المذهب الأولي ولا مبادئه الحقيقية عن طريق تنظيمها وتنهيجها فلسفيا، بل نقل ذلك المذهب إلى صعيد ما هو عيني وجسّده عينيا في الواقع الراهن العملي. لقد رأى لينين وطرح مسألة الدولة كمسألة راهنة من مسائل البروليتاريا المناضلة. أي أنه أخذ على عاتقه طرحها طرحا عينيا حاسما. ذلك أنه إذا كانت قد أتيحت للانتهازيين موضوعيا إمكانية تشويه نظرية المادية التاريخية عن الدولة، تلك النظرية الواضحة الصافية مع ذلك صفاء ماء النبع، فهذا لأنها لم تكن تعدو قبل لينين أن تكون أكثر من نظرية عامة، تفسير تاريخي، اقتصادي، فلسفي، الخ، لماهية الدولة. ولا شك في أن ماركس وإنجلز قد فسّرا، انطلاقا من ظاهرات عصرهما الثورية العينية، التقدم الواقعي للفكرة البروليتارية عن الدولة (الكومونة)، ولا شك أيضا في أنهما نوَّها بالأخطاء التي تمثلها النظريات المغلوطة عن الدولة بالنسبة إلى قيادة النضال الطبقي البروليتاري (نقد برنامج غوتا). ولكن أقرب تلاميذهما وخيرة قادة ذلك العصر لم يفهموا هم أنفسهم العلاقة القائمة بين مشكلة الدولة وبين نشاطهم اليومي المباشر. ولقد كان لا بد من توفر عبقرية نظرية مثل عبقرية ماركس وإنجلز لإدراك صلة هذا الواقع ـ الراهن فقط من خلال رؤية شمولية للأشياء ـ بالنضالات اليومية الصغيرة. وغني عن البيان أن البروليتاريا كانت أقل قدرة من أي كان آخر على ربط هذه المشكلة الجوهرية ربطا عضويا بالمشكلات المباشرة للنضال اليومي. ولقد راحت هذه المشكلة تأخذ أكثر فأكثر صفة »الهدف النهائي« الذي لا حل له إلا في المستقبل. ولقد كان لينين هو الوحيد أيضا الذي حوّل نظريا هذا »المستقبل« إلى حاضر. وإنما بدءا من اللحظة التي باتت فيها مسألة الدولة تطرح كمشكلة راهنة، أمكن للبروليتاريا ألا تعود تنظر إلى الدولة الرأسمالية عينيا على أنها عالمها المحيط الطبيعي والثابت، على أنها النظام الاجتماعي الوحيد الممكن لوجودها الراهن. واتخاذ مثل هذا الموقف إزاء الدولة البورجوازية هو وحده الذي يحرر البروليتاريا من سبق الظن النظري إزاء الدولة ويجعل من موقفها تجاهها مجرد مسألة تكتيكية. فمن الواضح على سبيل المثال أن وراء تكتيك الشرعية بأي ثمن ووراء رومانسية اللاشرعية على حد سواء يختبئ نفس غياب استقلال الفكر النظري إزاء الدولة البورجوازية. إذ أن الدولة البورجوازية لا ينظر إليها في كلتا الحالتين على أنها أداة كفاح طبقي للبورجوازية، أداة ينبغي أن يحسب لها حساب لما تمثله من قوة واقعية، ولكن بوصفها أداة لا أكثر، أداة لا يتعدّى احترامها المؤقت أن يكون أكثر من مجرد مسألة منفعة.
ولكن تحليل لينين للدولة كسلاح من أسلحة النضال الطبقي ينقل المسألة إلى صعيد أكثر عينية أيضا. فلينين لا يستخلص النتائج العملية (الإيديولوجية، التكتيكية، الخ) المباشرة من معرفة تاريخية صحيحة ودقيقة بالدولة البورجوازية فحسب، بل يرسم أيضا عينيا ومن خلال الارتباط العضوي بسائر أدوات نضال البروليتاريا الهيكل الأولي للدولة البروليتارية. وقد اتضح اليوم أن التقسيم التقليدي للحركة العاملة (الحزب، النقابة، التعاونية) غير كافٍ لكفاح البروليتاريا الثوري، وبات من الضروري خلق أجهزة قادرة على جمع صفوف البروليتاريا قاطبة، بل أيضا على جمع صفوف الجماهير العريضة الواسعة لجميع المستغَلين في المجتمع الرأسمالي (الفلاحين والجنود) لجرّهم إلى المعركة. بين أن هذه الأجهزة، وأعني السوفييتات، هي في طبيعتها بالذات، وحتى في إطار المجتمع البورجوازي، أجهزة البروليتاريا المؤسسة لنفسها والمنظمة لصفوفها في طبقة متمايزة. وهكذا تكون الثورة قد وُضعت في جدول الأعمال. وكما يقول ماركس، فإن »تنظيم العناصر الثورية تنظيما طبقيا يفترض اكتمال وجود جميع القوى المنتجة التي ما يزال في وسعها أن تتطور في إطار المجتمع القديم«.
ولتنظيم مجموع الطبقة العاملة هذا لا بد أن يخوض ـ أشاء ذلك أم أبى ـ الكفاح ضد جهاز دولة البورجوازية. وليس في الأمر من خيار: فإما أن تطيح المجالس العمالية بتنظيم جهاز الدولة البورجوازي، وإما أن يتمكن هذا الجهاز من تزييف المجالس ومن تحويلها إلى مجرد منظمات شكلية مقضي عليها بالتلاشي والفناء. وبعبارة أخرى، إما أن تفلح البورجوازية في سحق الحركات الجماهيرية من خلال عملها المناهض للثورة وفي إعادة الأمور إلى نصابها «الطبيعي» وتوطيد «النظام»، وإما أن ينشأ عن المجالس والمنظمات النضالية للبروليتاريا تنظيم هيمنة البروليتاريا، جهاز دولتها الذي هو على وجه التحديد منظمة للصراع الطبقي. ومن هنا أماطت المجالس العمالية اللثام، منذ أن ظهرت في عام 1905 في أشكالها البدائية، عن طابعها المميز هذا: إنها حكومة مضادة. وفي حين أن الأجهزة الأخرى لصراع الطبقات تتكيف تكتيكيا مع عصر تأخذ فيه سيطرة البورجوازية طابعا صريحا سافرا (أي تستطيع أن تقوم في هذه الشروط بالذات بعمل ثوري)، فإن من طبيعة المجلس العمالي بالمقابل أن يكون على صلة سلطوية مزدوجة بالدولة البورجوازية وفي حالة تنافس معها. ومن هنا، وعندما اعترف مارتوف بالمجالس العمالية كأجهزة كفاحية وأنكر في الوقت نفسه رسالتها في أن تصبح جهاز دولة، فإنه يكون قد أسقط من النظرية الثورة بالذات، أي استيلاء البروليتاريا الفعلي على السلطة. وبالمقابل، وعندما يفترض بعض النظريين المتطرفين في نزعتهم اليسارية أن المجالس العمالية هي تنظيم طبقي دائم ويعلنون عن رغبتهم في أن تحل محل الحزب والنقابة، فإنهم يسفرون القناع عن أنهم لم يفهموا الفارق بين الوضع الثوري والوضع غير الثوري، ولا الدور الأصيل المتميز للمجالس العمالية. إنهم لا يعلمون أن مجرّد الاعتراف بالإمكانية العينية للمجالس العمالية أمر يتجاوز إطار المجتمع البورجوازي ويفتح الآفاق للثورة البروليتارية، وأن مجرّد وجود المجالس العمالية يعني أساسا ـ هذا إذا لم تكن المسألة مهزلة ـ أن النضال الحقيقي في سبيل سلطة الدولة قد بدأ وأن الحرب الأهلية قد أصبحت حقيقة واقعة.
إن المجلس العمالي بوصفه جهاز دولة يعني الدولة كسلاح للنضال الطبقي البروليتاري. وإذا كانت البروليتاريا تناضل ضد الهيمنة الطبقية للبورجوازية وإذا كانت تسعى إلى إقامة مجتمع لا طبقي، فإن الانتهازية بتصوراتها غير الجدلية وبالتالي اللاتاريخية واللاثورية لم تستخلص من واقع نضال البروليتاريا هذا سوى استنتاج يقول بأن من واجب البروليتاريا أن تكون، بوصفها خصما لهيمنة البورجوازية الطبقية، خصما أيضا لكل هيمنة طبقية أخرى. ومن هنا تخلص الانتهازية إلى القول بأن الأشكال الخاصة لهيمنة البروليتاريا يجب ألا تكون في حال من الأحوال أجهزة هيمنة طبقية، أجهزة قمع. والحقيقة أن مثل هذا الرأي لا يعدو أن يكون طوبائيا إذا نظرنا إليه بصورة مجردة، لأن هيمنة البروليتاريا غير قابلة مطلقا لأن تتحقق على تلك الصورة. ولكن ذلك الرأي هو بمثابة استسلام إيديولوجي أمام البورجوازية إذا ما نظرنا إليه نظرة عينية وحاولنا تطبيقه على الوضع الراهن. فالديموقراطية التي هي أكمل أشكال هيمنة البورجوازية تبدو في نظر التصور الانتهازي شكلا أوليا للديموقراطية البروليتارية، بل تصبح في أحيان كثيرة هي نفسها الديموقراطية البروليتارية التي لا يعود لها من مهمة غير أن تسعى إلى اكتساب غالبية السكان إلى «المثل العليا» للديموقراطية والاشتراكية عن طريق تحريض سلمي. وعلى هذا فإن الانتقال من الديموقراطية البورجوازية إلى الديموقراطية البروليتارية ليس في نظر الانتهازية انتقالا ثوريا بالضرورة. والدفاع الثوري عن الديموقراطية ضد الرجعية الاجتماعية لا يصبح واجبا إلا في حالات استثنائية (الحق أن زيف هذا الفصل الميكانيكي النزعة بين الثورة البروليتارية والبورجوازية وطابعه المناهض للثورة يتجليان على أوضح ما يكون في امتناع الاشتراكية-الديموقراطية عن مقاومة الرجعية الفاشية مقاومة جدية وعن الدفاع عن الديموقراطية بوسائل ثورية).
إن النتيجة الحتمية لمثل ذلك التصور ليست إقصاء الثورة عن التطور التاريخي فحسب، وليست تصوير الثورة على أنها سلسلة من الانتقالات الخرقاء أو الحاذقة فحسب، بل أيضا تمويه الطابع الطبقي البورجوازي للديموقراطية وحجبه عن أنظار البروليتاريا. بيد أن الخداع ينبع قبل كل شيء من التصور غير الجدلي عن الغالبية. وبالفعل، وما دامت هيمنة الطبقة العاملة تمثل، بحكم طبيعتها بالذات، مصالح الغالبية العظمى من السكان، فإن الكثيرين من العمال يتوهمون أن الديموقراطية الشكلية الخالصة التي يكتسب فيها صوت كل مواطن القيمة ذاتها هي خير أداة للتعبير والدفاع عن مصالح الجميع. ولكن ما يغيب عن الأذهان في هذه الحال هو التفصيل البسيط ـ البسيط ! ـ التالي وأعني أن البشر ليسوا أفرادا مجردين، مواطنين مجردين، ذرات معزولة في فلك دولة محددة، وإنما هم على العكس وبلا استثناء بشر عينيون يشغلون مكانا محددا في الإنتاج الاجتماعي وتتحدد كينونتهم الاجتماعية (وبالتالي فكرهم) انطلاقا من ذلك الوضع. والديموقراطية الخالصة للمجتمع البورجوازي تستبعد هذا التوسط بربطها الفرد المجرد مباشرة بالكل الذي تمثله الدولة والذي يبدو هو الآخر مجردا من هذه الزاوية. وقد بات المجتمع البورجوازي، بحكم الطابع الشكلي للديموقراطية الخالصة، مسحوقا مفتتا من الزاوية السياسية وبات العمال مذرّرين، وبالتالي مشلولين. وهذا ليس مجرد امتياز للبورجوازية، بل هو الشرط الحاسم على وجه التحديد لسيطرتها الطبقية.
ذلك أن كل سيطرة طبقية مهما طال أمد اعتمادها على القوة لا تستطيع أن تصمد إلى ما لا نهاية بالاستناد إلى العنف وحده. ولقد سبق لتاليران أن قال «أنه من الممكن فعل كل شيء بواسطة الحراب، ولكن من غير الممكن الجلوس فوقها». وكل سيطرة لحساب الأقلية تكون منظمة اجتماعيا على نحو يركز الطبقة السائدة ويمنحها القدرة على العمل الموحد وبالتالي يحطم تنظيم الطبقات المضطهدة ويفتتها ويبعثرها. ويجب ألا يغيب عن أنظارنا أن الغالبية الساحقة من السكان في ظل هيمنة الأقلية، أي هيمنة البورجوازية الحديثة، لا تنتمي إلى أي من الطبقات الحاسمة في الصراع الطبقي، لا إلى البروليتاريا ولا إلى البورجوازية، وأن المهمة الاجتماعية للديموقراطية الخالصة، المهمة المنسجمة مع مصالح البورجوازية الطبقية، هي بالتالي ضمان قيادة البورجوازية وتوجيهها لتلك الفئات الوسطية (وكذلك، بالطبع، تحطيم التنظيم الإيديولوجي للبروليتاريا. فكلما تقادم العهد بالديموقراطية في بلد من البلدان، وكلما تطورت تطورا صافيا خالصا ازدادت أهمية تحطيم التنظيم الإيديولوجي ذاك، وهذا ما تمكن ملاحظته في إنكلترا وأميركا). وبديهي أن الديموقراطية السياسية هي أيضا نقطة الذروة في نظام اجتماعي تتمثل عناصره الأخرى فيما يلي: الانفصال الإيديولوجي بين الاقتصاد والسياسة، إنشاء جهاز دولة بيروقراطي يوجد مصلحة مادية ومعنوية لقسم كبير من البورجوازية الصغيرة في تأبيد الدولة وتخليدها، نظام الأحزاب البورجوازية، الصحافة، المدرسة، الدين، الخ. والهدف المشترك لجميع هذه العناصر، من خلال هذا التوزيع الواعي بهذا القدر أو ذاك للمهام، هو الحيلولة دون ولادة أيديولوجيا مستقلة في صفوف الطبقات المضطهدة من السكان، إيديولوجيا تعبر عن المصالح الذاتية المستقلة لهذه الطبقات. هدفها هو أن تربط بالدولة المجرّدة المتربعة على عرشها فوق الطبقات أعضاء هذه الطبقات بوصفهم ذرات منعزلة، أفرادا مواطنين، الخ. وهدفها أخيرا تحطيم تنظيم هذه الطبقات من حيث أنها طبقات، وتحويلها إلى مجرّد بيادق لا حول لها ولا قوة، بيادق يسهل على البورجوازية تحريكها كيفما شاءت.
إن تفهم دور المجالس (مجالس العمال والفلاحين والجنود) بوصفها قوة دولة البروليتاريا يعني محاولة البروليتاريا بوصفها طبقة قائدة للثورة أن تناضل وتقاوم بعكس تيار صيرورة تحطيم التنظيم تلك. فعليها قبل كل شيء أن تؤسس نفسها بنفسها في طبقة. وعليها أن تنظم بالتوازي مع هذا العناصر النشيطة الفعالة من الفئات الوسطية المتمرّدة غريزيا على هيمنة البورجوازية. وعليها في الوقت نفسه أن تحطم نفوذ البورجوازية المادي والإيديولوجي على سائر أجزاء تلك الطبقات. وقد أدرك بعض الانتهازيين الذين يتمتعون بصحو فكري أكبر من أمثال أوتو باور أن المعنى الاجتماعي لدكتاتورية البروليتاريا ولدكتاتورية المجالس يكمن جوهرا وأساسا فيما يلي: تجريد البورجوازية جذريا من إمكانية القيادة الإيديولوجية لتلك الطبقات ولا سيما الفلاحين، وقصر تلك القيادة على البروليتاريا وحدها إبان المرحلة الانتقالية. سحق البورجوازية، تدمير جهاز دولتها، إبادة صحافتها، الخ، تلك هي الضرورات الحيوية للثورة البروليتارية، لأن البورجوازية بعد هزائمها الأولى في الصراع على سلطة الدولة لا تنكص البتة وبأي صورة من الصور عن محاولة استعادة دورها القيادي، الاقتصادي والسياسي على حد سواء، وتظل لحقبة طويلة من الزمن طبقة في غاية القوة، حتى في سياق صراع طبقي مستمر في شروط مختلفة كل الاختلاف.
إن البروليتاريا إذن تتابع بمساعدة النظام السوفياتي كدولة نفس النضال الذي خاضته فيما مضى ضد سلطة الدولة الرأسمالية. ذلك أن عليها أن تبيد البورجوازية اقتصاديا، وتعزلها سياسيا، وتفتُّ في عضدها وتبعثر قواها، وتخضعها أيديولوجيا. ولكن عليها في الوقت نفسه أن تصبح بالنسبة إلى جميع الفئات الاجتماعية التي أخرجتها من دائرة نفوذ البورجوازية دليلا ومرشدا إلى الحرية. وبعبارة أخرى، لا يكفي أن تناضل البروليتاريا موضوعيا من أجل مصالح سائر الطبقات المستغَلة، بل ينبغي أيضا أن تستغل شكل الدولة الخاص بها في تجاوز لاأبالية تلك الفئات وخمولها وتفتتها بواسطة التربية والتثقيف، وفي تربيتها على روح العمل والمساهمة المستقلة في حياة الدولة. ولعل أنبل مهام النظام السوفياتي أن يعيد ربط آنات الحياة الاجتماعية التي تمزقها الرأسمالية. وحيثما كان هذا التمزق ماثلا في وعي الطبقات المضطهَدة فحسب، توجب الأخذ بيدها لوعي الارتباط بين تلك الآنات. فالنظام السوفياتي على سبيل المثال يحقق وحدة لا تنفصم بين الاقتصاد والسياسة. وبذلك يعيد ربط وجود البشر الراهن ومصالحهم اليومية المباشرة، الخ، بمسائل المجموع الأساسية. وعلى صعيد الواقع الموضوعي يشيد الوحدة من جديد حيث حققت مصالح البورجوازية الطبقية «تقسيم العمل»، وبالدرجة الأولى الوحدة بين «جهاز السيطرة» (الجيش، الشرطة، الإدارة، العدالة، الخ) وبين «الشعب». والفلاحون والعمال المسلحون هم، بوصفهم قوة دولة، نتاج نضال السوفييتات وشرط وجودها في آن واحد. فالنظام السوفياتي يسعى في كل مكان إلى ربط نشاط البشر بالمسائل العامة كمسائل الدولة والاقتصاد والثقافة الخ، مع حرصه في الوقت نفسه على ألا تصبح إدارة جميع هذه المسائل امتيازا لفئة مغلقة، منعزلة عن مجمل حياة المجتمع، وباختصار بيروقراطية. والنظام السوفياتي بوصفه دولة بروليتارية عامل حاسم في تنظيم البروليتاريا وتأسيسها في طبقة، وهذا في الوقت الذي يأخذ فيه بيد المجتمع لوعي العلاقة الواقعية بين جميع آنات الحياة الاجتماعية (وفي مرحلة لاحقة متقدمة عن طريق إعادة توحيد موضوعية للعناصر المنفصلة اليوم موضوعيا، وعلى سبيل المثال المدينة والريف، العمل الفكري واليدوي، الخ). وما كان مجرد طاقة وإمكانية لدى البروليتاريا في ظل المجتمع الرأسمالي يرتفع بالتالي إلى مستوى الوجود الفعلي، باعتبار أن قدرة البروليتاريا الإنتاجية الحقيقية لا يمكن أن تستيقظ إلا بعد الاستيلاء على سلطة الدولة. ولكن ما ينطبق على البروليتاريا يسري أيضا على سائر الفئات المضطهَدة في المجتمع الرأسمالي البورجوازي. فهذه الفئات لا تستطيع هي الأخرى أن تتطور وتحيا إلا في هذا المجموع، مع فارق وحيد وهو أنها تظل مقودة في ظل نظام الدولة الجديد هذا أيضا. ولكن إذا كانت لا تستطيع في ظل الرأسمالية، وبحكم كونها مقودة، أن تعي انحلالها الاقتصادي والاجتماعي الذاتي واستغلالها واضطهادها، فإنها تستطيع بالمقابل الآن ـ وتحت القيادة البروليتارية ـ أن تحيا تبعا لمصالحها الذاتية وأن تمارس في الوقت نفسه كل ما فيها من قدرة وطاقة كانتا ملجومتين ومبتورتين فيما مضى. إذن فتلك الفئات ليست مقودة إلا بمقدار ما أن البروليتاريا، الطبقة القائدة للثورة، تحدد إطار ذلك التطور واتجاهه.
إن ثمة فارقا كبيرا من وجهة النظر المادية بين أن تكون الفئات الوسطية غير البروليتارية مقودة في ظل الدولة البروليتارية أو في إطار المجتمع البورجوازي. ولكن هناك علاوة على ذلك فارقا شكليا وماهويا يتمثل في أن الدولة البروليتارية هي أول دولة طبقية في التاريخ تعترف جهارا وبلا رياء بأنها دولة طبقية، جهاز قمع، أداة لصراع الطبقات. وهذه الصراحة المطلقة وهذه المكاشفة الصريحة هما الشرط الذي لا بدّ منه لقيام تفاهم حقيقي بين البروليتاريا وسائر فئات المجتمع. وهما علاوة على ذلك وفي المقام الأول أداة بالغة الأهمية لتربية البروليتاريا نفسها بنفسها. فبقدر ما كان من الضروري مطلق الضرورة أن تعي البروليتاريا أنها دخلت في مرحلة النضالات الثورية الحاسمة وأن النضال في سبيل السلطة وفي سبيل قيادة المجتمع قد احتدم، يصبح من الخطر كل الخطر أن تأخذ هذه الحقيقة شكلا متصلبا متيبسا بنتيجة انعدام التمحيص الجدلي. إذ أن من الأخطار الداهمة أن تتصوّر البروليتاريا، في الوقت الذي تحرر فيه نفسها من أيديولوجيا النزعة المسالمة في صراع الطبقات وفي الوقت الذي تعي فيه ضرورة العنف ودلالته التاريخية، أن جميع مشكلات سيطرة البروليتاريا يجب أن تسوى في جميع الظروف بواسطة العنف. ولكن ما هو أخطر من ذلك أيضا هو أن يخطر في بال البروليتاريا أن صراع الطبقات ينتهي مع الاستيلاء على سلطة الدولة أو أنه يتوقف على الأقل. فعلى البروليتاريا أن تفهم أن الاستيلاء على سلطة الدولة ليس سوى مرحلة في ذلك الصراع. وعلى هذا فإن الصراع بعد الاستيلاء على سلطة الدولة يزداد حدّة وضراوة، وليس في وسع أحد البتة أن يزعم أن ميزان القوى قد رجحت كفته بشكل فوري وحاسم لصالح البروليتاريا. ولقد كان لينين يردد بلا تعب أو نصب أن البورجوازية تظل أقوى الطبقات حتى بداية الجمهورية السوفياتية، وحتى بعد مصادرة ملكيتها اقتصاديا وفرض الاضطهاد السياسي عليها. ولكن ميزان القوى يتعدّل بمقدار ما تفوز البروليتاريا بسلاح قوي جديد من أسلحة نضالها الطبقي: الدولة. وصحيح أن مجرد الاستيلاء على سلطة الدولة لا يؤدي فورا وبصورة ميكانيكية إلى إبراز قيمة ذلك السلاح والى تحقيق قدرته على شلّ البورجوازية وعزلها وإبادتها، والى اكتساب تأييد سائر فئات المجتمع وتثقيفها وتربيتها لتمكينها من المساهمة في دولة العمال والفلاحين، والى تنظيم البروليتاريا نفسها لتحويلها إلى طبقة قيادية حقا وفعلا، وصحيح أيضا أن الدولة لا تتطور بالحتم والضرورة كوسيلة للنضال انطلاقا من واقعة الاستيلاء على السلطة وحدها. ولكن لا ينبغي أن ننسى لحظة واحدة أن قيمة الدولة كسلاح من أسلحة البروليتاريا منوطة بما ستفعله البروليتاريا بها وبقدرتها على تنفيذ مشيئتها تلك.
إن آنية الثورة تترجم بالنسبة إلى البروليتاريا في آنية مشكلة الدولة. وهذا ما يطرح في الوقت نفسه مشكلة الاشتراكية بالذات التي بعد أن كانت منظورا بعيدا، هدفا نهائيا، تصبح بالنسبة إلى البروليتاريا مسألة راهنة مباشرة. وإمكانية تحقيق الاشتراكية في مستقبل قريب ملموس هي بدورها علاقة جدلية، وقد تعرض البروليتاريا نفسها لأجسم الأخطار وأوهاها إذا أولت تأويلا ميكانيكيا وطوبائيا إمكانية تحقيق الاشتراكية الوشيك على أنها الاشتراكية وقد تحققت فعلا بمجرد الاستيلاء على السلطة (مصادرة الرأسماليين والتأميمات والتشريك الخ). وقد حلل ماركس بنفاذ بصيرة خارقة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وأشار إلى مختلف أشكال البنى البورجوازية التي لا سبيل إلى تصفيتها تدريجيا إلا من خلال تطور طويل النفس. وقد رسم لينين بأكبر قدر ممكن من الوضوح الخط الفاصل عن الطوبائية عندما قال: «ما من شيوعي، على ما أعتقد، قد مارى في أن تعبير جمهورية السوفييتات الاشتراكية يعني تصميم القوة السوفياتية على تحقيق الانتقال إلى الاشتراكية ولا يعني البتة اعتبار الشروط الاقتصادية القائمة اشتراكية». فآنية الثورة تعني إذن أن الاشتراكية مسألة مطروحة على جدول أعمال الطبقة العاملة، ولكن فقط من حيث أنه يتوجب عليها أن تناضل يوميا في سبيل تحقيق شروط الاشتراكية ومن حيث أن بعض التدابير العينية اليومية هي في حقيقتها خطى عينية ملموسة في سبيل تحقيقها.
وحول هذه النقطة على وجه التحديد تميط الانتهازية اللثام في نقدها للعلاقات بين السوفييتات والاشتراكية عن انتقالها بصفة نهائية إلى معسكر البورجوازية، إلى معسكر أعداء البروليتاريا الطبقيين. فالانتهازية من جهة أولى تعتبر جميع التنازلات الظاهرية التي تقدمها البورجوازية المذعورة والمختلة التنظيم مؤقتا للبروليتاريا لتستعيدها عندما تسنح أول فرصة، تعتبرها خطى فعلية نحو الاشتراكية (لنضع نصب أعيننا مثال «لجان التشريك» التي أنشئت في عامي 1918-1919 في ألمانيا والنمسا، والتي تمت تصفيتها منذ أمد بعيد). وهي من الجهة الأخرى تسخر من الجمهورية السوفياتية لأنها لا تحقق الاشتراكية فورا وفعلا، ولأنها لا تقوم، من خلال الأشكال البروليتارية وتحت القيادة البروليتارية، إلا بثورة بورجوازية («روسيا جمهورية الفلاحين»، «بعث الرأسمالية»، الخ). وفي كلتا الحالتين يتضح أن العدو الحقيقي الذي تتوجب مكافحته في نظر الانتهازيين من كل الأشكال والأنواع هو على وجه التحديد الثورة البروليتارية بالذات. وهذا ليس في الواقع سوى التطور المنطقي المحتوم للموقف الذي وقفوه من الحرب الإمبريالية. ولكن لينين يتابع هو الآخر نقده الذي بدأه قبل الحرب وأثناءها عندما يعتبر الانتهازيين في الجمهورية السوفياتية أعداء فعليين للطبقة العاملة. فالانتهازية تشكل هي أيضا جزءا من البورجوازية التي ينبغي تدمير جهازها المادي والمعنوي والتي يتوجب على الدكتاتورية البروليتارية أن تحطم تنظيم بنيتها حتى لا يمتد نفوذها إلى الفئات الاجتماعية التي يقضي عليها وضعها الطبقي الموضوعي بعدم الاستقرار سياسيا. وآنية الاشتراكية تجعل هذا الصراع أشد حدة بما لا يقاس مما كان عليه في أيام النقاش حول أطروحات برنشتاين على سبيل المثال. والدولة التي هي سلاح البروليتاريا بهدف الكفاح من أجل الاشتراكية وقمع البورجوازية هي في الوقت نفسه سلاح لاستئصال الخطر الانتهازي المهدد لنضال البروليتاريا الطبقي الذي ينبغي أن يستمر بقدر متماثل من العنف في ظل دكتاتورية الطبقة العاملة.
——————————————————————————–

6 – السيـاسـة الواقعيــة الثوريــة
تستولي البروليتاريا على السلطة وتشيد دكتاتوريتها الثورية، وهذا يعني أن تحقيق الاشتراكية أصبح مسألة مطروحة على جدول الأعمال. وهذه مشكلة تواجهها البروليتاريا بأقل درجة من الاستعداد الإيديولوجي لأن سياسة الاشتراكية-الديموقراطية «الواقعية» التي عالجت دوما المسائل اليومية على أنها مجرّد مسائل يومية لا صلة لها بالتطور الإجمالي ولا علاقة لها بالمشكلات النهائية لصراع الطبقات، وبالتالي من غير أن تتجاوز البتة بصورة فعلية وعينية أفق المجتمع البورجوازي، أقول لأن سياسة الاشتراكية-الديموقراطية تلك التي تصف نفسها بأنها «واقعية» قد أضفت من جديد طابعا طوبائيا على الاشتراكية في نظر العمال. والانفصال بين الهدف النهائي والحركة لا يزيف الرؤية الصحيحة للهدف النهائي وللحركة فحسب [18]، ولكنه يحول في الوقت نفسه الهدف النهائي إلى هدف طوبائي ويتخذ هذا التراجع نحو الطوبائية أشكالا بالغة التنوع. وهو يتترجم قبل كل شيء في أن الاشتراكية لا تبدو في نظر الطوبائيين صيرورة وتطورا بل حالة كائنة. وبعبارة أخرى، إنهم لا يحللون مشكلات الاشتراكية عندما يطرحونها إلا من زاوية المسائل الاقتصادية والثقافية الخ، أو من زاوية الحلول التكنيكية المناسبة التي تكون ممكنة عندما تكون الاشتراكية قد دخلت في مرحلة التحقيق العملي. ولكنهم لا يثيرون من قريب أو بعيد مسألة معرفة ما إذا كان مثل ذاك الوضع ممكنا اجتماعيا، ولا مسألة معرفة كيفية الوصول إليه، ولا مسألة معرفة ما إذا كان مثل هذا الوضع متحققا اجتماعيا، ولا مسألة العلاقات الطبقية والأشكال الاقتصادية التي تواجهها البروليتاريا في اللحظة التاريخية التي تتصدّى فيها لمهمة تحقيق الاشتراكية (تماما كما أن فورييه قد درس في حينه بنفاذ بصيرة كيفية تنظيم المشاعة المجتمعية ولكن من غير أن يتمكن من تبيان الطريق العيني إلى تحقيقها). إذن فالمذهب الانتقائي الانتهازي، أي إلغاء الجدل في منهج الفكر الاشتراكي، يسلخ الاشتراكية عن صيرورة الصراع الطبقي التاريخية. ولهذا فإن أولئك الذين انتقلت إليهم عدوى ذلك الفكر السامة مرغمون بالضرورة على تصور مقدمات تحقيق الاشتراكية ومشكلات هذا التحقيق من خلال منظور مشوّه. ويتمادى هذا الموقف في الخطأ إلى درجة ينسحب معها هذا الأخير لا على فكر الانتهازيين الذين تظل الاشتراكية بالنسبة إليهم هدفا بعيدا دوما فحسب، بل يقود أيضا ثوريين صادقين إلى تصورات مغلوطة. وقد استطاع هؤلاء الأخيرون، وهم يشكلون القسم الأكبر من يسار الأممية الثانية، أن يروا الصيرورة الثورية ذاتها، والنضال في سبيل السلطة كصيرورة، من خلال ارتباطهما بالمسائل العملية اليومية، ولكنهم عجزوا عن أن يدمجوا أيضا بهذا المجموع وضع البروليتاريا بعد الاستيلاء على السلطة والمشكلات العينية الناجمة عن هذا الوضع. ومن هنا فقد أصبحوا هنا أيضا طوبائيين.
إن الواقعية المرموقة المدهشة التي عالج بها لينين جميع مشكلات الاشتراكية إبان دكتاتورية البروليتاريا والتي أكسبته إعجاب خصومه البورجوازيين والبورجوازيين الصغار بالذات ليست إذن سوى التطبيق المنطقي للماركسية، لنمط التفكير التاريخي-الجدلي على مشكلات الاشتراكية التي أمست مشكلات راهنة. ونادرا ما يشير لينين في كتاباته وأقواله ـ شأنه شأن ماركس في مؤلفاته ـ إلى الاشتراكية كحقيقة واقعة، ولكنه كثيرا ما يتكلم بالمقابل عن الخطوات التي يمكن أن تفضي إلى تحقيقها. ذلك أنه يستحيل علينا أن نتخيل عينيا الاشتراكية في تفاصيلها كحقيقة واقعة. ومهما تكن أهمية المعرفة الصحيحة نظريا لبنية الاشتراكية الأساسية، فإن هذه المعرفة تستمد معناها الحقيقي من حيث أنها تشكل معيارا لقياس صحة الخطوات التي نخطوها باتجاه الاشتراكية. والمعرفة العينية بالاشتراكية هي، كالاشتراكية ذاتها، نتيجة النضال المخاض في سبيل الوصول إليها، وهي لا تسلس قيادها لنا إلا في النضال في سبيل الاشتراكية وعن طريقه. وكل محاولة للوصول إلى معرفة الاشتراكية عن غير طريق علاقات هذه المعرفة الجدلية المتبادلة مع المشكلات اليومية لصراع الطبقات تجعل من تلك المعرفة نوعا من الميتافيزيقا، من الطوبائية، شيئا ما تأمليا وغير عملي البتة.
إن واقعية لينين، سياسته الواقعية هي إذن بمثابة تصفية نهائية لكل نزعة طوبائية، إنجاز عيني لفحوى برنامج ماركس. وبعبارة أخرى، إنها النظرية وقد استحالت عملية، نظرية الممارسة. وقد فعل لينين بمشكلة الاشتراكية نفس ما فعله بمشكلة الدولة. فقد حرّرها من العزلة الميتافيزيقية التي كانت تتعثر فيها حتى ذلك الحين، ومن التبرجز الصغير، ليضعها في سياق مجمل مشكلات الصراع الطبقي. وقد اختبر وجرّب على مستوى الحياة العينية للتطور التاريخي الإشارات العبقرية التي تركها ماركس لنا في «نقد برنامج غوتا» وفي غيره من المؤلفات، وأضفى عليها من خلال التماس مع الواقع التاريخي صفة أكثر عينية واكتمالا مما كان يمكن فعله في عصر ماركس، وحتى بالنسبة إلى عبقرية كعبقرية ماركس.
وعلى هذا فإن مشكلات الاشتراكية هي مشكلات البنية الاقتصادية والعلاقات الطبقية لحظة استيلاء البروليتاريا على سلطة الدولة. وهي مشكلات ناجمة بصورة مباشرة عن الشروط التي تشيد فيها البروليتاريا دكتاتوريتها. ومن هنا فإنه من غير الممكن فهمها ولا حلها إلا في إطار هذه المشكلات. ولكنها تحتوي ـ لنفس السبب دوما ـ على عنصر مبدئي جديد بالنسبة إلى هذا الوضع وبالنسبة إلى سائر الأوضاع السابقة. وصحيح أن جميع عناصر هذه المشكلات ناجمة في الواقع عن الماضي، ولكن علاقتها بالمحافظة على سيطرة البروليتاريا وبتعزيز هذه السيطرة وتدعيمها تولّد مشكلات جديدة ما كان من الممكن أن توجد لدى ماركس ولا في سائر النظريات السالفة، ولا يمكن فهمها وحلها إلا في إطار هذا الوضع المستجد.
والحق إن سياسة لينين الواقعية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أسسها ومظهرها الإجمالي، تتكشف عن أنها ذروة الجدل المادي. فهي من جهة أولى تحليل للوضع القائم، للبنية الاقتصادية والعلاقات الاقتصادية، تحليل يتميز بالإضافة إلى ماركسيته بالبساطة والتقشف والتغلغل العميق في الواقع العيني. وهي من الجهة الثانية وعي لجميع المظاهر الجديدة في هذا الوضع، وعي صافٍ لا يشوهه أي ادعاء نظري وأي رغبة طوبائية. ولكن هذا المطلب البسيط ظاهريا والناجم فعليا عن ماهية الجدل المادي ـ الذي هو في الحقيقة نظرية للتاريخ ـ ليس سهل التلبية. فعادات تفكير الرأسمالية قد رسخت لدى البشر، ولا سيما العلماء منهم، الميل إلى عدم تفسير الظاهرة الجديدة إلا من وجهة نظر الماضي وحده، والى عدم تفسير واقع اليوم إلا انطلاقا من واقع الأمس (وما طوبائية الثوريين إلا محاولة للتملص من هذا الميل بأسهل الطرق وللانتقال دفعة واحدة إلى عالم جديد كل الجدة بدلا من اعتماد الجدل لفهم الظهور الجدلي للجديد انطلاقا من القديم). ولقد كان لينين يقول: «لهذا فإن الكثيرين قد ضللتهم رأسمالية الدولة. وحتى نقي أنفسنا من الضلال ينبغي أن نفكر دوما بهذا الشيء الأساسي وهو أن رأسمالية الدولة في شكلها الذي نعرفها به الآن لم يجر تحليلها في أي نظرية وفي أي أدب، وهذا لأن جميع المفاهيم المرتبطة باسمها تحيلنا إلى قوة البورجوازية في المجتمع الرأسمالي. ونحن لدينا دولة رأسمالية خرجت عن طريق الرأسمالية ولما تدخل بعد في الطريق الجديد».
ولكن ما السياق العيني والواقعي الذي شرعت فيه البروليتاريا الروسية بتحقيق الاشتراكية بعد أن فرضت نفسها كطبقة سائدة مسيطرة؟ لقد كانت تواجه قبل كل شيء رأسمالية احتكارية متطورة نسبيا ومتداعية على إثر الحرب العالمية، وهذا في بلد زراعي متأخر لم تستطع طبقته الفلاحية أن تحرر نفسها من أغلال المخلفات الإقطاعية إلا بالتعاضد مع الثورة البروليتارية. كما كانت تواجه، خارج روسيا، عالما رأسماليا معاديا يحدق بها من كل جانب ويعقد العزم على الانقضاض بكل الوسائل التي يملكها على الدولة العمالية والفلاحية الجديدة. ولقد كان ذلك العالم يملك ما فيه الكفاية من القوة لسحق هذه الدولة عسكريا أو اقتصاديا لو لم يكن منقسما عميق الانقسام على نفسه بحكم تفاقم حدة التناقضات الرأسمالية الإمبريالية، الأمر الذي كان يتيح للبروليتاريا فرصا متجددة باستمرار لاستغلال تلك المزاحمات والمنافسات لصالحها (بديهي أننا لم نشر هنا إلا بشكل أولي وعام للغاية إلى هاتين المجموعتين من المشكلات الأساسية، ولكن حجم هذا الكتاب لا يسمح لنا بأن نتطرق إليهما بمزيد من التفصيل).
إن الأسس المادية للاشتراكية بوصفها شكلا اقتصاديا أعلى وبديلا عن الرأسمالية لا يمكن أن تكون سوى إعادة تنظيم وتطوير متقدم للصناعة وتكييف هذه الصناعة مع حاجات الطبقات الكادحة وتحويلها باتجاه حياة أصح وأكمل (إلغاء التعارض بين المدينة والريف والتعارض بين العمل الفكري والعمل اليدوي الخ). وحالة شروط الاشتراكية المادية تلك تشترط أيضا إمكانيات وطرق تحقيق الاشتراكية. وقد حدد لينين بوضوح منذ عام 1917، وقبل الاستيلاء على سلطة الدولة، الوضع الاقتصادي وما يترتب عليه من مهام بالنسبة إلى البروليتاريا: «إن جدل التاريخ يكمن على وجه التحديد فيما يلي: فالحرب بتعجيلها بتحول الرأسمالية الاحتكارية إلى رأسمالية دولة احتكارية تقرّب الإنسانية من الاشتراكية. إن الحرب الإمبريالية هي عشية الثورة الاشتراكية. وليس ذلك لأن الحرب تبعث على التمرّد البروليتاري بحكم أهوالها وفظاعاتها ـ إذ لا يمكن لأي تمرّد مهما يكن أن يخلق الاشتراكية إذا لم تكن الشروط الاقتصادية ناضجة ـ بل أيضا لأن رأسمالية الدولة الاحتكارية هي تهيئة مادية مدهشة للاشتراكية، باب المدخل إلى الاشتراكية، ولأنها على المستوى التاريخي المرحلة التي لا يعود بينها وبين المرحلة التي تليها، أي الاشتراكية، مراحل انتقالية أخرى». وعلى هذا فإن «الاشتراكية ليست شيئا آخر سوى احتكار الدولة الرأسمالي المنظم لصالح الشعب بأسره، وهي من هذه الزاوية لا تعود احتكارا رأسماليا». ويضيف في مستهل عام 1918: «إن رأسمالية الدولة تعني خطوة إلى الأمام في الشروط الراهنة لجمهوريتنا السوفياتية. وإذا ما أتيح لنا أن نشيد رأسمالية الدولة في بلادنا في مدى ستة أشهر على سبيل المثال، فإننا سنكون قد حققنا نجاحا كبيرا وأوجدنا ضمانة لا يرقى إليها شك في أن الاشتراكية ستتوطد عندنا نهائيا في غضون عام من الزمن وستصبح منيعة لا تقهر».
ولقد كان لا بدّ من الاستشهاد بهذه المقاطع من كتابات لينين بحذافيرها لندحض الأسطورة الاشتراكية-الديموقراطية والبورجوازية الواسعة الانتشار التي تزعم أن لينين بعد فشل المحاولة «الماركسية المذهبية» لبناء الشيوعية «دفعة واحدة» قد تراجع عن الخط المبدئي لسياسته وقبل بنوع من التسوية أو الحل الوسط بدافع من ذكائه «الواقعي النزعة». بيد أن الحقيقة التاريخية تختلف كل الاختلاف. فشيوعية الحرب المزعومة التي وصفها لينين بأنها «تدبير مؤقت مشروط بالحرب الأهلية والدمار» والتي «لم تكن سياسة متناسبة مع المهام الاقتصادية للبروليتاريا» و«ما كان من الممكن أن تكون كذلك»، كانت في الواقع انحرافا عن الخط الذي كان يجب أن يسير عليه التطور نحو الاشتراكية تبعا لتنبؤات لينين النظرية. وصحيح أن شيوعية الحرب كانت تدبيرا مشروطا بالحرب الأهلية في الداخل وفي الخارج، وبالتالي حتميا، وفي الوقت نفسه مؤقتا. ولكن لينين كان يرى أن البروليتاريا ستعرض نفسها إلى أدهى الفواجع إذا ما تجاهلت طابع شيوعية الحرب هذا واعتبرتها ـ كما فعل العديد من الثوريين الصادقين ممن لم يكونوا على مستوى لينين نظريا ـ خطوة حقيقية تمّ خطوها باتجاه الاشتراكية.
إذن ليست المسألة مسألة درجة الطابع الاشتراكي الذي تتكشف عنه الأشكال الخارجية للحياة الاقتصادية، وإنما هي، وبصورة مانعة، مسألة درجة سيطرة البروليتاريا الفعلية على ذلك الجهاز الاقتصادي الذي استولت عليه مع استيلائها على السلطة والذي هو في الوقت نفسه أساس وجودها الاجتماعي، أقصد الصناعة الكبيرة. وبديهي أن سيطرة البروليتاريا على ذلك الجهاز يجب أن تخدم فعلا أهدافها الطبقية. ومهما تبدل سياق هذه الأهداف الطبقية ومهما تبدلت بالتالي وسائل تحقيقها، فإن أساسها العام يجب أن يبقى هو هو، وأعني به متابعة صراع الطبقات بمساعدة الفئات الاجتماعية الوسطية وغير المستقرة (ولا سيما الفلاحين) على الجبهة الحاسمة، أي ضد البورجوازية. ومن وجهة النظر هذه يجب ألا ننسى أبدا أن البروليتاريا تظل ـ وستظل لحقبة طويلة من الزمن ـ أوهن الطبقات وأضعفها بالرغم من انتصارها الأولي، وهذا إلى أن تنتصر الثورة على الصعيد العالمي. إذن فمن الواجب أن يسير نضالها الاقتصادي في اتجاهين رئيسيين: أن تحول من جهة أولى بأسرع ما يمكن وبأكمل ما يمكن دون تدمير الحرب والحرب الأهلية للصناعة الكبيرة، لأن البروليتاريا سيكون مآلها الهلاك كطبقة بدون الصناعة الكبيرة، وأن تسوي من الجهة الثانية جميع مشكلات الإنتاج والتوزيع بصورة تبقى معها الطبقة الفلاحية، التي أصبحت حليفة البروليتاريا بنتيجة الحل الثوري للمسألة الزراعية، وفية لهذا التحالف بفضل أوسع تلبية ممكنة لمطالبها المادية. ووسائل تحقيق هذه الأهداف تختلف تبعا لاختلاف الظروف. ولكن التحقيق المتدرج لهذه الأهداف هو الطريق الوحيد الممكن لاستمرار سيطرة البروليتاريا وللحفاظ على مقدمات الاشتراكية.
إذن فالصراع الطبقي بين البورجوازية والبروليتاريا يستمر بعنف متماثل على جبهة الاقتصاد الداخلي. والمشروع الصغير، الذي لا مراء في أن من الطوبائية الرغبة في إلغائه و«تشريكه» في تلك المرحلة، «ينتج بلا انقطاع الرأسمالية والبورجوازية، يوميا وبلا كلل، بصورة بدائية وبأعداد كثيفة». والمهم ههنا هو لمن ستكون الغلبة في هذا السباق؟ أللبورجوازية التي تعيد ترميم صفوفها وحشد قواها من جديد أم للصناعة الكبيرة المدولة والخاضعة لرقابة البروليتاريا. وعلى البروليتاريا أن تجازف بهذا التنافس حتى لا تجازف على المدى الطويل بانفكاك التحالف مع الفلاحين الصغار بنتيجة اختناق المشاريع الصغيرة والتجارة الخ. ثم إن البورجوازية تدخل أيضا المباراة والصراع في شكل رأسمال أجنبي وامتيازات للشركات الأجنبية الخ. وهنا يأخذ الموقف صفة المفارقة لأن تلك الحركة ـ مهما تكن نيّاتها ـ يمكن أن تصبح حليفة البروليتاريا في مظهرها الاقتصادي الموضوعي إذ تساهم في تعزيز القوة الاقتصادية للصناعة الكبيرة. وهكذا يولد «تحالف ضد عناصر المشروع الصغير». ولكن يتوجب بالمقابل مكافحة الميل الطبيعي للرأسمال الأجنبي إلى تحويل الدولة البروليتارية تدريجيا إلى مستعمرة رأسمالية، ومكافحته بقوة (ترخيص الاستثمارات الأجنبية، احتكار التجارة الخارجية، الخ).
ومن غير الممكن أن نرسم حتى الخطوط العريضة لسياسة لينين الاقتصادية بمساعدة هذه الملاحظات القليلة وحدها. وما نوّهنا به حتى الآن يجب ألا يعتبر أكثر من مثال تبسيطي يهدف إلى توضيح مبادئ سياسة لينين وأسسها النظرية. وهذه المبادئ تتلخص فيما يلي: الحفاظ بأي ثمن على سيطرة البروليتاريا في عالم يعجّ بالأعداء السافرين أو المستترين وبالحلفاء المترددين. ولإن كان المبدأ الأساسي لسياسة لينين قبل الاستيلاء على السلطة هو أن يكتشف من خلال فوضى الميول الاجتماعية للرأسمالية الآفلة وتصالبها اللحظات القادرة على أن تجعل من البروليتاريا الطبقة السائدة والحاكمة في المجتمع إذا ما أحسنت هذه الأخيرة استغلالها، فإن لينين قد تمسّك طيلة حياته بهذا المبدأ بلا خور ولا تنازل. ولكنه تمسّك بهذا المبدأ، بدون أي تنازل أيضا، بوصفه مبدأ جدليا. وهذا بمعنى أن «مبدأ الجدل الماركسي يكمن في أن جميع حدود الطبيعة والتاريخ مشروطة ومتحركة في آن واحد، وفي أنه لا توجد ظاهرة واحدة لا يمكن أن تتحوّل في بعض الشروط إلى نقيضها». ولهذا فإن الجدل «يقتضي دراسة كاملة للظاهرة الاجتماعية المعنية من خلال تطورها، كما يستلزم إرجاع الآنات الخارجية والظاهرية إلى القوى الفاعلة الأساسية والى تطور القوى المنتجة والى صراع الطبقات». وعظمة لينين كمفكر جدلي تتجلى في أنه فهم على أصفى ما يكون الفهم المبادئ الأساسية للجدل وتطور القوى المنتجة وصراع الطبقات بدلالة ماهيتها العميقة، بصورة عينية، بلا ظنون مسبقة مجردة، ومن غير أن تشوّش الظواهر السطحية وضوح رؤيته، كما تتجلى في أنه ربط دوما مجمل الظواهر المدروسة بأساسها النهائي: العمل العيني للبشر العينيين (أي المشروطين بانتمائهم الطبقي) على أساس مصالحهم الطبقية الحقيقية. وإنما انطلاقا من هذا المبدأ تتداعى وتنهار خرافة «لينين=رجل السياسة الواقعي» و«سيد المساومات والتسويات»، ويتكشف الوجه الحقيقي للينين بوصفه المتابع المنطقي لجدل ماركس.
وينبغي قبل كل شيء تجريد مفهوم التسوية من كل معنى يجعل منها أسلوبا حاذقا، حيلة ماهرة، خدعة بارعة. ولقد كان لينين يقول: «إن الناس الذين يفهمون السياسة على أنها حذلقات بهلوانية تقارب أحيانا الخداع والمخاتلة لا بد أن يلقوا من جانبنا أعنف الرفض. فالطبقات لا يمكن أن تخدع». إذن فالتسوية لا تعني لدى لينين إلا ما يلي: تقييم الخطوط الواقعية لتطور الطبقات، (وكذلك تطور الأمم وعلى سبيل المثال الشعوب المضطهَدة) التي تسير في بعض الظروف، ولحقبة من الزمن، وبصدد بعض المسائل، في طريق مواز لمصالح البروليتاريا الحيوية، والتي يمكن بالتالي استغلال حركتها لصالح الطرفين معا.
بيد أن التسويات يمكن أن تكون أيضا شكلا من أشكال النضال الطبقي ضد العدو اللدود الأول للطبقة العاملة وأعني به البورجوازية (ومن قبيل ذلك، على سبيل المثال، علاقات روسيا السوفياتية مع الدول الإمبريالية). ولا يحجم نظريو الانتهازية عن التشبث بهذا الشكل الخاص من التسويات ليرفعوا من قدر لينين ـ أو ليحطوا منه ـ بوصفه «سياسيا واقعيا غير دوغمائي»، وليذروا الرماد في العيون في الوقت نفسه بصدد التسويات التي يتمرغون فيها. ولقد ألححنا فيما تقدم على خطل الحجة الأولى. وينبغي لنا إذا أردنا تقييم الحجة الثانية أن نأخذ بعين الاعتبار ـ كما هو واجب بالنسبة إلى أي مسألة من مسائل الجدل ـ الكلية التي تشكل المحيط العيني لكل تسوية. وهكذا تتجلى فورا حقيقة أن تسوية لينين وتسوية الانتهازيين تنطلقان من مقدمات متعارضة مطلق التعارض. فالتكتيك الاشتراكي-الديموقراطي يقوم أسواء كان معلنا أم لا شعوريا على أساس الابتعاد عن الثورة الحقيقية. فهو يفترض أن الشروط الموضوعية للثورة الاجتماعية لما تكتمل بعد، وأن البروليتاريا لما تنضج بعد أيديولوجيا للقيام بالثورة، وأن الحزب والنقابات ما تزال أضعف مما ينبغي، الخ. ولهذا السبب يتوجب على الحزب أن يعقد تسويات مع البورجوازية. وكلما اكتملت الشروط الأولية الذاتية والموضوعية للثورة الاجتماعية، أمكن للبروليتاريا أن تحقق أهدافها الطبقية بصورة «أكثر نقاء». وبذلك تأخذ التسوية على الصعيد العملي، وفي غالب الأحيان، ظاهر نزعة «جذرية» متصلبة وتشبث «طهراني» بالمبادئ بالنسبة إلى «الأهداف النهائية» (بديهي أننا لا نستطيع في هذا السياق أن نأخذ بعين الاعتبار تلك النظريات الاشتراكية-الديموقراطية التي تحسب نفسها، بصورة من الصور، ملزمة بالتمسك بنظرية الصراع الطبقي. وبالمقابل فإن التسوية لا تعود تسوية البتة بالنسبة إلى سائر النظريات الانتهازية بل تصبح التعاون الطبيعي بين شتى الفئات الاجتماعية-المهنية لصالح المجتمع).
أما بالنسبة إلى لينين فإن التسوية هي على النقيض من ذلك نتيجة مباشرة ومنطقية لآنية الثورة. وإذا كان الطابع الأساسي للعصر كله هو آنية الثورة، وإذا كان من الممكن أن يحدث هذا التطور في كل لحظة (في أي قطر خاص كما على الصعيد العالمي) من دون أن تكون هناك إمكانية لتحديد هذه اللحظة مسبقا أو للتنبؤ بها، وإذا كان الطابع الثوري لعصرنا كله يتجلى في الانحلال التدريجي للمجتمع البورجوازي (والنتيجة الضرورية لهذا هي أن الميول الأكثر تنافرا تتلاقى وتتداخل بصورة دائمة)، فإن هذا كله يعني بالبداهة أن البروليتاريا لا تستطيع أن تبدأ ثورتها وتنجزها في «أنسب» الشروط التي تختارها هي، وأنه ينبغي عليها بالتالي أن تستغل، مهما تنوعت الظروف، كل ميل قابل لأن يمهد الطريق، ولو بصورة مؤقتة، أمام الثورة، أو قابل على الأقل لأن يضعف أعداءها. وقد أثبتنا فيما تقدم بعض الاستشهادات من كتابات لينين التي تميط اللثام عن مدى ابتعاده عن الأوهام ـ حتى قبل الاستيلاء على السلطة ـ فيما يتعلق بسرعة بناء الاشتراكية ووتيرة تحقيقها. والعبارات التالية، المستخلصة من أحد مقالاته الأخيرة المكتوبة بعد مرحلة «التسويات»، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أيضا أن ذلك التوقع لم يكن يعني بالنسبة إليه إرجاء النشاط الثوري: «لقد كتب نابليون: نزج أنفسنا ثم نرى. والترجمة الحرة لهذا القول تعني: علينا أولا أن نخوض المعركة جديا ثم نرى النتيجة بعد ذلك. وهكذا خضنا المعركة الجدية الأولى في تشرين الأول 1917، ثم ظهرت لنا بعض التفاصيل بوضوح (بديهي أنها لا تعدو أن تكون أكثر من تفاصيل من وجهة نظر التاريخ العالمي) مثل صلح بريست-ليتوفسك أو السياسة الاقتصادية الجديدة». إذن فالنظرية والتكتيك اللينينيان عن التسوية ليسا سوى النتيجة العينية والمنطقية للتصور التاريخي الماركسي-الجدلي الذي يقول بأن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكن ليس في الظروف التي يختارونها بأنفسهم. نتيجة للتصور الذي ينص على أن التاريخ ينتج الجديد دوما، وعلى أن الآنات التاريخية، التي هي بمثابة تلاقٍ وتصالب مؤقت للميول، لا تكرر نفسها أبدا في شكل واحد، وعلى أن بعض الميول التي يمكن استغلالها اليوم لصالح الثورة يمكن أن تلحق بها غدا أفدح الضرر والعكس بالعكس. وهكذا فإن ما أراد لينين اقتراحه على المناشفة والاشتراكيين-الثوريين في 1 أيلول 1917 كان تسوية، عملا مشتركا، لصالح الشعار البلشفي القديم: «كل السلطة للسوفييتات». ولكن لينين كتب منذ 17 أيلول: «الحق أنه قد فات الأوان لاقتراح تسوية. ولعل الأيام القلائل التي كان فيها التطور السلمي ما يزال ممكنا قد ولت إلى الأبد. وبالفعل، إن كل الدلائل تشير إلى أنها قد ولت». ولسنا بحاجة إلى أن نذكر أن لينين قد طبق هذه النظرية في بريست-ليتوفسك وبصدد منح الامتيازات للشركات الأجنبية الخ.
وفي النضال النظري الذي خاضه لينين ضد الجناح اليساري من حزبه بالذات (بعد الثورة الأولى وبعد صلح بريست-ليتوفسك في الإطار الروسي وفي عامي 1920-1921 في الإطار الأوروبي) يتبين لنا بمزيد من الوضوح مدى اعتماد لينين في نظريته عن التسوية على تصوره الأساسي عن آنية الثورة. ففي جميع تلك المساجلات كان شعار الجذريين اليساريين رفض كل تسوية لأسباب مبدئية. وجدال لينين ضدهم يهدف في جوهره إلى أن يقيم البرهان على أن رفض كل تسوية يعني تجنب النضالات الحاسمة وعلى أن هذا التصور يدلل على الانهزامية تجاه الثورة. ذلك أن الوضع الثوري الحقيقي ـ وهنا تكمن بالنسبة إلى لينين سمة عصرنا المميزة ـ يتترجم قبل كل شيء في أنه لا يمكن أن يوجد مجال للصراع الطبقي من غير أن توجد معه إمكانيات ثورية (أو مضادة للثورة). وعلى هذا فإن الثوري الحقيقي، الثوري الذي يعلم أننا نعيش في عصر ثوري ويستخلص من ذلك النتائج العملية، يجب أن ينظر دوما إلى كلية الواقع التاريخي-الاجتماعي من وجهة النظر تلك، وأن يأخذ بعين الاعتبار، وهذا لصالح الثورة، كل حدث، أكبرَ أم صغر، أعظمَ أم هان، أكان عاديا أم خارقا للعادة، بدلالة أهميته بالنسبة إلى الثورة وبدلالة هذه الأهمية وحدها. وعندما يصف لينين أحيانا الجذرية اليسارية بأنها انتهازية يسارية، فإنه يدلل على فهمه العميق السديد لطبيعة المنظورات التاريخية المشتركة بين هذين التيارين المتعارضين في الأساس أشد التعارض. ذلك أن المنظور المشترك بين هذين التيارين الذين يرفض أولهما كل تسوية ويرى ثانيهما في التسوية مبدأ «السياسة الواقعية» التي يعارض بها «التشبث المتشنج بالمبادئ الدوغمائية»، هو التشاؤم بصدد آنية الثورة ووشكانها. والطريقة التي ينبذ بها لينين كلا الاتجاهين معا انطلاقا من المبدأ نفسه تظهر أن التسوية لدى لينين ولدى الانتهازيين تشير، على الرغم من أن لها اسما واحدا، إلى واقع مختلف كل الاختلاف وتنطوي على تصور مختلف كل الاختلاف لدى كلا الطرفين.
والتفهم الصحيح لما يعنيه لينين بالتسوية وللطريقة التي أسس بها نظريا تكتيك التسوية ليس شرطا بالغ الأهمية لفهم منهجه فهما دقيقا فحسب، بل يمثل أيضا خطوة ذات مدى عملي بعيد الشأو. فالتسوية ليست ممكنة في نظر لينين إلا من خلال التفاعل الجدلي مع التمسك الحازم بمبادئ الماركسية ومنهجها. وهكذا تظهر باستمرار في قلب التسوية بالذات المرحلة التالية الواقعية التي ستفضي إلى تحقيق نظرية الماركسية. وكما أن هذه النظرية وهذا التكتيك يتميزان صارم التميز عن التشبث المتشنج والميكانيكي بالمبادئ «الصافية»، كذلك فإنهما يبتعدان بالضرورة عن كل «سياسة واقعية» تبسيطية لا تعتمد المبدئية. وبعبارة أخرى لا يكفي في نظر لينين أن يجري تعرّف وتقييم الموقف العيني الذي يتوجب العمل في سياقه، وعلاقات القوة العينية التي تحدد التسوية، وميل التطور الضروري للحركة العاملة الشارط لاتجاهها، ولكنه يقدّر أن من الأخطار العملية الداهمة التي تهدد الحركة العاملة أن يبقى مثل ذلك التفهم الصحيح للواقع خارج إطار المعرفة العامة الصحيحة للصيرورة التاريخية بمجملها. وهكذا استصوب السلوك العملي للشيوعيين الألمان تجاه «الحكومة العمالية» التي طُرح موضوع تكوينها بعد إحباط انقلاب «كاب»، ولكنه وجه لاذع لومه إلى استناد هذا التكتيك الصحيح في ذاته إلى منظور تاريخي مغلوط نظريا لأنه مبني على عدد لا حصر له من الأوهام الديموقراطية.
إن الاتحاد الجدلي الصحيح بين العام والخاص، وتعرف العام (أي الميل الأساسي للتاريخ) من خلال الخاص (من خلال الوضع الخاص) وبالتالي كنتيجة لتجسد النظرية تجسدا عينيا، يشكلان الفكرة الأساسية في نظرية التسويات تلك. وأولئك الذين لا يرون في لينين سوى «سياسي واقعي» ذكي، بل عبقري أحيانا، هم في الواقع أجهل الجهلة بماهية منهجه. ولكن الأجهل منهم أيضا هم أولئك الذين يصورون لأنفسهم أنهم واجدون في قرارات لينين صيغا سحرية قابلة للتطبيق في كل مكان ومفاتيح لحل عملي صحيح لكل مشكلة. والحق أن لينين لم يضع قط «قواعد عامة» قابلة للتطبيق على عدد من الحالات. و«حقائقه» هي نتيجة للتحليل العيني للموقف العيني على ضوء التصور الجدلي للتاريخ. وإذا ما «عممنا» بصورة ميكانيكية مبادهاته وقراراته، لم نصل إلا إلى كاريكاتور اللينينية، أي إلى صيغة مبتذلة من اللينينية. وهذا ما كان شأن الشيوعيين المجريين الذين سعوا في صيف 1919 إلى تقليد صلح بريست-ليتوفسك بحذافيره في ردهم على مذكرة كليمنصوا دونما اعتبار لتبدل طبيعة الموقف. وهذا ما حذر منه ماركس عندما أنحى باللائمة الشديدة على لاسال: «إن المنهج الجدلي يطبق تطبيقا خاطئا. فهيغل لم يطلق قط اسم الجدل على إدراج مجموعة من الحالات تحت مبدأ عام».
وإذا كان من الواجب أن تؤخذ بعين الاعتبار جميع الميول الماثلة في كل موقف عيني، فهذا لا يعني أن من الواجب أيضا اعتبارها على قدر واحد من الأهمية في القرارات. بل على النقيض من ذلك! فلكل موقف مشكلة مركزية، والقرار الواجب اتخاذه في صدده يتعلق لا بسائر المسائل المصاحبة له فحسب بل أيضا بالتطور اللاحق لجميع الميول الاجتماعية في المستقبل. ولقد كان لينين يقول: «علينا أن نعرف كيف نمسك في كل لحظة بتلك الحلقة المحددة من السلسلة التي ينبغي أن نتشبث بها بكل قوانا حتى نستطيع السيطرة على السلسلة كلها وحتى نهيئ الانتقال إلى الحلقة التالية. وفي هذه الحال لا يكون تعاقب الحلقات وشكلها وتسلسلها واختلافها في سلسلة الأحداث التاريخية بسيطا ومجرّدا من المعنى والدلالة كما هو شأن السلاسل العادية التي يصنعها الحداد». ولا يمكن أن نتوصل إلى تحديد تلك اللحظة من الحياة الاجتماعية التي تكتسب مثل تلك الأهمية إلا انطلاقا من الجدل الماركسي، من التحليل العيني للموقف العيني. والخيط الهادي الذي يتيح لنا أن نتوصل إليها هو الرؤية الثورية للمجتمع بصفته كلية في سبيلها إلى التطور. ذلك أن الحلقة الحاسمة بصورة مؤقتة في السلسلة لا تكتسب أهميتها إلا من خلال ارتباطها بالكل، والإمساك بتلك الحلقة ضروري لأنه السبيل الوحيد للإمساك بالكل. وينوِّه لينين بصورة عينية وخاصة بهذه المشكلة في إحدى مقالاته الأخيرة التي يتحدث فيها عن التعاونيات ويشير إلى أن «العديد من العناصر التي كانت تبدو خيالية أو حتى ذات رائحة رومانسية كريهة في أحلام المتعاونين القدامى قد أصبحت حقيقة واقعة لا سبيل إلى نكرانها». وهو يقول: «الحق أنه لم يتبق علينا سوى شيء واحد يجب أن نفعله، وهو أن نرفع المستوى الحضاري لسكاننا بحيث يفهمون كل الفوائد التي ستنجم عن مساهمة شخصية في التعاون ويندفعون في اتجاه مثل هذا التعاون. ليس علينا أن نفعل سوى هذا. ولسنا بحاجة اليوم إلى مناورات أخرى للانتقال إلى الاشتراكية. ولكن حتى يتحقق هذا، فلا مفر من انقلاب شامل في التطور الثقافي لمجمل الجماهير الشعبية». ولا يسعنا هنا مع الأسف أن نحلل المقال كله بتفاصيله، مع أن مثل هذا التحليل ـ وتحليل أي تعليمات تكتيكية للينين ـ كفيل بإظهار كيفية احتواء كل حلقة من حلقات السلسلة على الكل، وكفيل أيضا بأن يبين أن المعيار الدائم للسياسة الماركسية الحقيقية هو استنباط تلك الآنات من الصيرورة العامة وتركيز الحد الأقصى من الطاقة عليها، وهي الآنات التي تميط اللثام، في اللحظة المحددة، في المرحلة المحددة، ومن خلال كليتها العملية الواقعة تحت اللمس، عن علاقتها بالكل المتمثل في الآنية الراهنة والمشكلة المركزية للتطور اللاحق، وبالتالي بالنسبة إلى المستقبل. وغني عن البيان أن الإمساك بقوة بالحلقة التالية من السلسلة، بالحلقة الحاسمة، لا يعني أن تلك اللحظة يجب أن تفصل عن الكل وأن اللحظات الأخرى سيكون مصيرها الإهمال بسببها، وإنما يعني أن جميع اللحظات والآنات الأخرى يجب أن توضع موضع صلة بالمشكلة المركزية وأن تُفهم وتحل على هذا الأساس. ومن هنا فإن التصور اللينيني لا يضعف الارتباط بين جميع المشكلات فيما بينها، بل على العكس يدعمه ويعززه ويجسده عينيا.
إن تلك الآنات هي نتاج الصيرورة التاريخية، نتاج التطور الموضوعي للقوى المنتجة. وإنها لمسألة تخصّ البروليتاريا أن تكون هذه الأخيرة قادرة أو غير قادرة على فهم تلك الآنات وعلى الإمساك بها وبالتالي على التأثير على تطورها اللاحق. والأطروحة الماركسية الأساسية، التي أكدناها أكثر من مرة والتي تنصّ على أن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، تكتسب في عصر الثورة وبعد الاستيلاء على السلطة أهمية متعاظمة باستمرار حتى ولو لم يكن هناك مناص ـ وهذا بديهي ـ من توكيد التكملة الجدلية لتلك الأطروحة باعتبارها شرط صدقها وصحتها، أي توكيد أهمية الظروف التي ليست هي من اختيار البشر. وهذا يعني عمليا أن دور الحزب في الثورة ـ فكرة لينين الأساسية في عهد شبابه ـ أكبر وأهم أيضا في عصر الانتقال إلى الاشتراكية منه في المرحلة التمهيدية. ذلك أنه كلما تعاظم النفوذ الفعال للبروليتاريا من خلال تحديدها لمجرى التاريخ، كان لقراراتها تأثير أعظم على قدرها الذاتي ـ بالمعنى المستحب كما بالمعنى المرذول للكلمة ـ وعلى قدر الإنسانية قاطبة، وتعاظمت بالتالي الأهمية الحيوية للحفاظ على النقاء الكامل للبوصلة الوحيدة القادرة على توجيه وعي البروليتاريا الطبقي عبر أمواج ذلك الخضمّ المتلاطم من الظواهر وعلى تكوينه وتسليحه بمزيد من الوضوح دوما ليكون الدليل الأوحد في ساح الكفاح. وهذه الأهمية للدور الفعال تاريخيا للحزب البروليتاري تشكل فكرة أساسية في نظرية ـ وبالتالي في سياسة ـ لينين الذي لم يكفّ عن إبرازها وتوكيدها وعن الإلحاح على أهميتها في القرارات العملية. وهكذا قال في المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي في معرض هجومه على خصوم تطور رأسمالية الدولة: «إن رأسمالية الدولة هي تلك الرأسمالية التي سيكون في مقدورنا أن نضيق عليها الخناق وأن نحدّ من نفوذها. ورأسمالية الدولة هذه مرتبطة بالدولة، والدولة هي العمال، الجناح الأكثر تقدما من العمال، الطليعة. هذا ما نحن كائنوه… وما ستكونه رأسمالية الدولة تلك رهن بنا إذن».
ولهذا فإن كل مرحلة من مراحل التطور نحو الاشتراكية هي دوما، وبصورة حاسمة، مشكلة من مشكلات الحزب الداخلية أيضا. إنها إعادة توجيه للقوى وملاءمة لأجهزة الحزب مع مهمته الجديدة: التأثير على تطور المجتمع في الاتجاه الذي يمليه التحليل الصحيح والدقيق للكلية من وجهة نظر البروليتاريا الطبقية. وهذا هو السبب الذي من أجله يحتلّ الحزب المكانة العليا في هرم القوى المحددة لطبيعة الدولة السوفياتية. ولهذا السبب أيضا يشكل الحزب ـ باعتبار أن الثورة لا يمكن أن يكتب لها الظفر النهائي إلا على الصعيد العالمي وباعتبار أن البروليتاريا لا تستطيع أن تؤسس نفسها في طبقة بالمعنى الكامل للكلمة إلا بصفتها بروليتاريا عالمية ـ أقول لهذا السبب يشكل الحزب شعبة تابعة للأممية الشيوعية، جهاز الثورة البروليتارية الأعلى. وغني عن البيان أن التشنج الميكانيكي النزعة المميز لفكر جميع الانتهازيين والذيليين البورجوازيين الصغار سيرى دوما في مثل تلك الارتباطات تناقضات مستعصية لا حلّ لها. وهو لن يفهم في حال من الأحوال لماذا تمسك البلاشفة بعد «عودتهم إلى الرأسمالية» ببنية الحزب القديمة وبدكتاتوريته القديمة «المناوئة للديموقراطية». ولن يفهم لم َ لا تتخلى الأممية الشيوعية ولو للحظة واحدة عن الثورة العالمية، ولمَ تحاول تنظيم هذه الثورة وتهيئتها بكل الوسائل التي تملكها في الوقت الذي تسعى فيه دولة البروليتاريا الروسية إلى عقد الصلح مع الدول الإمبريالية لدفعها إلى المساهمة بقدر الإمكان في بناء روسيا اقتصاديا. كما أنه لن يفهم لماذا يتشبث الحزب بلا كلل وبكل تصميم بطابعه الداخلي المتين الصلب ولماذا يكرس كل ما يملك من وسائل لتعزيز بنيته الإيديولوجية والتنظيمية في الوقت الذي تسهر فيه السياسة الاقتصادية للجمهورية السوفياتية بقلق على عدم انفصام التحالف مع الفلاحين الفقراء ـ ذلك التحالف الذي تدين له بوجودها ـ وفي الوقت الذي تتحول فيه الجمهورية السوفياتية في أنظار الانتهازيين إلى دولة فلاحية في سبيلها إلى فقدان طابعها البروليتاري الخ. والحق أن التشنج الميكانيكي النزعة للفكر غير الجدلي عاجز عن أن يفهم أن تلك التناقضات هي تناقضات الواقع بالذات، تناقضات موضوعية للعصر الحاضر، وأن سياسة الحزب الشيوعي السوفياتي البلشفي، سياسة لينين غير متناقضة إلا بمقدار ما تبحث وتجد الأجوبة الصحيحة جدليا على التناقضات الموضوعية لوجودها الاجتماعي بالذات.
وهكذا فإن تحليل سياسة لينين يرجعنا دوما إلى أسس المنهج الجدلي. ونشاط لينين طوال حياته هو التطبيق المتماسك لجدل ماركس على الظاهرات الدائمة التبدل والدائمة التوليد لما هو جديد، وذلك في عصر انتقالي حافل. ولكن لما لم يكن الجدل مجرّد نظرية جاهزة قابلة للتطبيق ميكانيكيا على جميع ظاهرات الحياة، ولما لم يكن له في الوقت نفسه من وجود ـ كنظرية ـ إلا في ذلك التطبيق ومن خلاله، فقد أصبح المنهج الجدلي بعد ممارسة لينين أكثر تطورا وأوسع نطاقا وأشمل وأكمل نظريا من المنهج الجدلي الموروث عن ماركس وأنجلز.
إذن فمن المبرر تماما الكلام عن اللينينية كمرحلة جديدة في تطور الجدل المادي. فلينين لم يرجع للمذهب الماركسي صفاءه ونقاءه بعد عشرات السنوات من التمييع والتشويه على يد الماركسية المبتذلة فحسب، بل تابع أيضا تطوير المنهج بالذات ورفعه إلى مستوى أعلى من النضج والتطبيق العيني. وإذا كان من واجب الشيوعيين أن يتابعوا طريق لينين، فإن عملهم هذا لن يكون مثمرا إلا إذا سعوا إلى أن يكون لهم إزاء لينين نفس الموقف الذي كان له إزاء ماركس. وما يحدد شكل هذا الموقف ومضمونه هو تطور المجتمع والمشكلات والمهام التي تطرحها الصيرورة التاريخية على الماركسية، كما أن ما يحدد نجاحه هو مستوى الوعي الطبقي البروليتاري داخل حزب البروليتاريا القائد. واللينينية تعني أن نظرية المادية التاريخية قد اقتربت المزيد أيضا من نضالات البروليتاريا اليومية وأنها أصبحت أكثر عملية أيضا مما كان يمكن أن تكونه في عصر ماركس. وعلى هذا فإن التقاليد اللينينية لا يمكن أن تعني إلا الحفاظ ـ بلا تزييف ولا تيبيس ـ على وظيفة المادية التاريخية الحية المحيية، النامية المنمية معا. ولهذا ينبغي ـ نحن نكرر ذلك ـ أن يدرس الشيوعيون لينين كما درس لينين ماركس. ينبغي عليهم أن يدرسوه حتى يتعلموا كيف يستخدمون المنهج الجدلي، وحتى يتعلموا كيف يجدون الخاص في العام والعام في الخاص انطلاقا من التحليل العيني للموقف العيني، وكيف يجدون الرابطة التي تربط ما يستجد في الموقف بصيرورة التطور السابق، وكيف يكشفون الجديد المتولد باستمرار انطلاقا من قوانين التطور التاريخي، وكيف يكشفون في الكل الجزء وفي الجزء الكل، ولحظة العمل الفعلي في التطور الضروري، وفي العمل ذاته ارتباطه بضرورة الصيرورة التاريخية. إن اللينينية تعني مستوى لم يسبق قط الارتفاع إليه حتى الآن للفكر العيني المتنافي في طبيعته مع الدوغمائية والنزعة الميكانيكية والمتجه كليا نحو العمل التحويلي أي نحو الممارسة. وواجب اللينينيين هو الحفاظ على هذا المكسب. ولكن ليس من الممكن الحفاظ في الصيرورة التاريخية إلا على ما يتطور بصورة حية. وعلى هذا فإن الحفاظ على هذا النحو على التقاليد اللينينية هو اليوم أنبل مهام كل مناضل ينظر بعين الجد إلى المنهج الجدلي بوصفه سلاح نضال البروليتاريا الطبقي.
فلاديمير لينين- جورج لوكاش

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *