فلسطين التحرير والدولة العلمانية والمزاودة من اليسار- سلامة كيلة
26 فبراير، 2018
فلاديمير لينين جورج لوكاش
23 مارس، 2018
عرض جميع الموضوعات

هلوسات حول الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة- سلامة كيلة

هلوسات
حول الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة
أثار نشر وثيقة الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية واحدة، نقاشات هي في الغالب اتهامات وشتائم. وهو الأمر الذي يوضّح طبيعة الوعي (أو اللا وعي) الذي يحكم كل من تصرّف بهذه الطريقة بدل أن يناقش بشكل موضوعي، فيتجاوز التزوير والأحكام المعلَّبة، وأحكام القيمة.
بعد عادل سمارة، أيضاً محمود فنون ردح بما يكفي. ومحمود يأخذ مصادره من عادل الخبير في التزوير والتلفيق والكذب، ويتبنى منظور عادل، وحتى كلماته، بشكل يخجل. لكن محمود بدا ساذجاً مقابل عادل، ومبتدئ في الرد، لأنه ينقل بلا عقل، ويكرر دون فهم. ومن المخجل أن يكون عادل هو مصدر قادة وكادر في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
في كل الأحوال، سيظهر ردي هنا كتكملة، أو حتى كتكرار، على ردي على عادل.
أولاً، سأبدأ بما هو شخصي، فقط لتصحيح معلومات محمود التي نقلها عن عادل دون سؤال قيادات الجبهة الشعبية عن صحتها. فلست مجهولاً من قبل كل قياداتها، وأكنّ وداً للعديد منهم، ولشبابها الذي تفاعل معي دائماً. فأنا لا أسكن قطر، وحين حاولت قيادة الجبهة الاتصال بي كانت تعرف أين أسكن. وليس تكرار عادل سمارة لسكني في قطر ليغيّر من الأمر، لأنه يتقصد الإيحاء أكثر مما يتقصد الحقيقة، رغم أنه لا يقرأ موقفي من قطر وكل دول الخليج المعلن منذ زمن طويل، والمكرر حتى بما أكتب في “العربي الجديد”، لأن لدي رؤى لا أتنازل عنها، واعرف أنها تكلفني دائماً (وسأضع بعض مقالاتي التي تتعلق بالأمر في الهامش). لا أمتلك “عقلاً” يقسم العالم الى أبيض وأسود، أو: إما مع/ أو ضد، ولقد أعلنت مراراً أنني ضد كل النظم في الوطن العربي، ومنها النظام السوري الحبيب الى قلب عادل ومحمود، وهذا منذ زمن طويل. وهذا ما قادني الى السجن في دمشق.
ثم أنني خرجت من فلسطين للدراسة سنة 1973، وأصبحت مطلوباً للدولة الصهيونية سنة 1976 لأنني كنت أنتمي لحركة فتح. ولا شك أن كل الحديث عن انتمائي كما كرره محمود خاطئ، فلم أنتمي لحزب العمل الشيوعي بل انتميت لحركة التحرير الشعبية العربية التي كان ناجي علوش أمينها العام، واستقلت منها وأنا عضو مكتب سياسي فيها. ثم ظللت دون حزب نتيجة تقييمي النقدي لكل الأحزاب “اليسارية”. أما عن التروتسكية فهذا وهم عادل الذي كما يبدو جرى “استخراؤه” من قبل تروتسكيين تعاون معهم، وكان جزءاً منهم في مرحلة من حياته، لتصبح التروتسكية تهمة. لا أعتبر التروتسكية تهمة، ورأيي فيها مكرر في العديد من كتبي (مثلاً، توضيحات ضرورية حول الماركسية، الماركسية الجديدة)، وخلافي معها هو ذات الخلاف مع عادل، أي اعتبار أن الثورة هي ثورة اشتراكية. لي علاقات مع مجموعات تروتسكية وشيوعية وماوية وستالينية، رغم نقدي لكل هؤلاء. هل تريد معلومات أخرى؟ يمكن أن تسأل، أو تسأل قيادة الجبهة كذلك.
ثانياً،يبدو أن محمود ليس ملماً بالتاريخ، بما في ذلك تاريخ الجبهة الشعبية، لقد طرح حلّ الدولة العلمانية من قبل عصبة التحرر الوطني، وطرحها قادة نقابيون خلال زيارات لجان التحقيق قبل إقرار قرار التقسيم. وطرحت مرتبطة بتحرير فلسطين بعد هزيمة حزيران من قبل حركة فتح، ثم أصبحت جزءاً من برنامج الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الى الآن، رغم التركيز على الحل المرحلي، وكذلك كانت جزءاً من برنامج الجبهات الفلسطينية الأخرى قبل التحوّل الذي بدأ سنة 1974. حتى الميثاق الوطني المعدّل سنة 1968 فيتناول قبول اليهود الفلسطينيين.
أما عن موقف الجبهة الشعبية، فقد بات يتمحور حول الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وهذا يُطرح في إطار الحل المرحلي، لكنه طغى على الحل الاستراتيجي، وكانت موافقة الجبهة على اعلان الاستقلال الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1988 تؤكد ذلك، وتقرّ الاعتراف بالدولة الصهيونية، فهذا هو محتوى الاعلان. قبل ذلك كانت الجبهة تقرّ الحل المرحلي (منذ المؤتمر المنعقد سنة 1980) دون الاعتراف بالدولة الصهيونية، لكن موافقتها على اعلان الاستقلال تضمنت ذلك.
أما تحرير فلسطين فقد تراجع في برامج كل الفصائل الفلسطينية، وتمحور الخطاب حول الدولة المستقلة. ومن يدرس الأمر منذ أوسلو سيجد أن هذا الخطاب ظل يدور حول الدولة المستقلة، وأن تحرير فلسطين بات “خارج التداول”.
يبدو أن التاريخ بحاجة الى معرفة، هناك نقص معرفي.
ثالثاً، حول الوثيقة، محمود يجتزئ ويشوه في نصوص الوثيقة ثم يهاجم، هذا أسلوب سخيف، وينم عن تقصّد. لا بدّ من أن أوضح أن تمسكي بالدولة العلمانية الواحدة هو الذي فرض خلافي مع فتح ومع منظمة التحرير بكل فصائلها بعد أن انخرطت في مسار “الدولة المستقلة”. وكررته طيلة العقود الماضية. بالتالي ليس الأمر جديداً عليّ، وعلى الكثير ممن وقّع الوثيقة. يوآف الذي تتهجم عليه كان قيادياً في حركة أبناء البلد التي كان برنامجها يقوم على تحقيق الدولة العلمانية الواحدة، وآخرين كذلك. رغم أنه يمكن لمن توهّم في البدء بإمكانية حل الدولتين أن يتراجع عن ذلك وينخرط في مشروع الدولة العلمانية الواحدة. بالتالي ما نطرحه هو استمرار لمسار طويل كان يتناقض مع مسار منظمة التحرير الفلسطينية، وكان يشمل جزءاً من مناضلي الثورة الفلسطينية، الجزء الذي ظل متمسكاً بكل فلسطين “من النهر الى البحر”، والذي كان يرى الحل في الدولة الواحدة على أنقاض الدولة الصهيونية. وكان الشعار هو تحرير فلسطين واقامة الدولة العلمانية الديمقراطية.
هذا ما نعتقد أننا استمرار له، وما كتبت عنه طيلة عقود أربعة (كتاب، الأبعاد المستقبلية، المسألأة الفلسطينية، دولة ديمقراطية واحدة، والمسالة الفلسطينية من سراب حل الدولتين الى الدولة العلمانية الواحدة، والكثير من المقالات الأخرى التي ربما تكون بوزن محمود). وكان رفضي للحل المرحلي نابع من فهمي أنه سيقود الى كارثة، وأن الدوثة الصهيونية لن تتنازل عن أي جزء من فلسطين. بالتالي لم نطرح الوثيقة لأنه ظهر فشل حل الدولتين، بل لأن الإمكانية باتت أفضل بعد أن تلاشت الأوهام حول هذا الحل.
محمود يحاول “تفكيك” الوثيقة، لكنه يتوه في تفكيكه، فمرة يعتبر أن ما ورد في الوثيقة مستحيل التحقيق، حيث يؤكد أن “إسرائيل بأنياب فولاذية وتفتك بنا وبمن حولنا وتوسع وتعمق استيطانها فلا يجوز التصور كأن هذا تم فعلا ونبدأ في حصد الثمار”، و” إن ما يطرحونه ليفرضوه على إسرائيل يحتاج إلى نضال وحروب وانتصارات”، وأيضاً ” ان كل مايريدونه يمكن ان يتحقق بإرادة الله وحده. والله يقول ادعوني أستجب لكم !!!!”. وأخرى يعتبر أنه غطاء لأهداف أخرى، بالتالي يقرّ بأنه صحيح، حيث “إن سلامة كيلة ومن معه إنما يخدعون القاريء الساذج”. وثالثة يشتم، ويتهم ويشكك. في كل الأحوال نجده حين يناقش يجتزئ النصوص من جهة، ومن جهة أخرى لا يستطيع الربط بين مكوناتها. لهذا يمكن القول أنه ينطلق أصلاً من خلفية الاتهام والتشكيك، ويحاول البحث عما يساعده، لكنه لا يجد سوى التزوير سبيلاً الى ذلك. وأساس ما ينطلق منه هو أن الوثيقة لا تقوم على “تحرير فلسطين”، وبالتالي تقبل بوجود السيطرة “اليهودية”، فقط بعد أن يتخلى هؤلاء عن الصهيونية. هذا فهم سطحي ومشوَّه، ومضلل. فهو مثلاً يجتزئ النص التالي: ” نطرح منظورنا لتأسيس “الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية ‏واحدة”، حركة تهدف الى مشاركة الشعب الفلسطيني في كل فلسطين وفي الشتات في هذا النضال، وكذلك ‏مشاركة السكان اليهود الذين قدموا كمستوطنين وأولئك الذين وُلدوا في فلسطين… “، دون أن يكمله بالجملة التالية: ” في هذا النضال المشترك الهادف ‏الى تشكيل بديل شعبي يحمل مشروع الدولة العلمانية الديمقراطية، ويناضل بأشكال مختلفة من أجل إنهاء الدولة ‏الصهيونية، وإعادة بناء المجتمع والدولة على أسس واضحة”، التي يوردها تالياً وحدها لكي يتهكم على مسألة إنهاء الدولة الصهيونية، دون أن يربط ذلك بما سيرد من أشكال الصراع من أجل تحقيق ذلك. هنا هو يشيع العجز عن تحقيق ذلك. يقول: ” إذت لترتاح ضمائر القراء فحل الدولة الواحدة مبني على تفكيك دولة إسرائيل ! كلنا مع هذا التفكيك ولكن لا يجوز التعامل وكأن هذا الإفتراض البديهي قد تم فعلا . فإسرائيل بأنياب فولاذية وتفتك بنا وبمن حولنا وتوسع وتعمق استيطانها فلا يجوز التصور كأن هذا تم فعلا ونبدأ في حصد الثمار”. لم نقل بأن الأمر سهل، لهذا حاولنا تحديد أشكال الصراع الممكنة من أجل تحقيق ذلك، وانطلقنا من أن لنا دور في بناء الوعي والقوى لتحقيق ذلك. لكن محمود لا يفهم العلاقة بين طرح مشروع، وبين تحققه، لهذا ينتقل من طرح مسألة التفكيك بتحقق ذلك كإفتراض “بديهي”. هذه مشكلته، حيث أننا نطرح رؤية ونحدد آليات تحققها، كما يرد في الوثيقة.
هنا يضخّم محمود الأمر بقصد “التريقة”، لكنه يخدم مسار الاستسلام، حيث ما دام الأمر مستحيلاً كيف يمكن أن “نحرر فلسطين”، هذا ما لا يجيب عليه، وإذا ما سعى الى ذلك سيجيب بشعارات فارغة.
نحن نعرف تعقيد الصراع لهذا أشرنا الى صراع فلسطيني ضد الدولة الصهيونية، وطبقي في إطار الدولة من أجل إنهائها وتجاوز الرأسمالية، وعربي لأن الصراع هو بالأساس صراع عربي صهيونية. هذه المسألة الأخيرة يشطبها محمود لأنها تكشف تضليله، حيث يورد التالي: ” إن بناء هذه الدولة هو نتيجة نضال وطني وطبقي متعدد الأشكال وهو نضال مشترك ما بين أهل فلسطين وأولئك اليهود المتخلصين من ‏الايديولوجية الصهيونية فدور الطرفين مهم وحاسم.. “، ويتجاهل التكملة، التي هي: ” لكنه ممكن فقط في إطار حل حقيقي يضمن الحقوق للجميع. كما لا بد من التأكيد على ارتباط هذا النضال بكلية النضال في الوطن العربي نتيجة كون فلسطين هي جزء من هذا الوطن، ولأن الوجود الصهيوني في فلسطين هدف منذ بداياته الى منع استقلال ووحدة وتطور الوطن العربي بأكمله”. أي أننا نربط الصراع في إطاره العربي كذلك، ونعرف أن الصراع هو صراع عربي صهيوني كما نصت الوثيقة، حيث أوضحت طبيعة المشروع الصهيوني.
بالتالي نحن لا يتملكنا الوهم، بل نعرف أن الصراع مع الدولة الصهيونية هو صراع مع الرأسمالية، وأنه صراع كل الوطن العربي مع الرأسمالية والدولة الصهيونية، وأن نهاية الدولة الصهيونية هذه لا يمكن أن تتحقق إلا بتغيير ميزان القوى العربي مع الدولة الصهيونية. ونحن هنا نطرح الشق الفلسطيني في الصراع بالإشارة الى الدور العربي. نحن نبني على إنهاء الدولة الصهيونية، ونشير الى أشكال الصراع الممكنة من أجل ذلك، هل يحتاج الأمر الى شرح وتوضيح؟ هذا لا تشمله وثيقة بل دراسات وأبحاث ووثائق أخرى، ولقد فعلت ذلك في ما كتبت. المسألة الأولى هنا هي أن الهدف هو إنهاء الدولة الصهيونية، إنهائها كوجود سياسي وعسكري وأيديولوجي وسيطرة اقتصادية. كيف ذلك؟ أشرت الى أشكال الصراع، الوطني والطبقي والعربي، ودعم شعوب العالم. هل سيتحقق ذلك وحده؟ هذا ما يبدو في النشاط السياسي القائم، حيث تتكرر الأفكار دون جهد عملي لتحويلها الى فعل سياسي وقوة سياسية. ربما نحن نحاول ذلك. صعب، مستحيل، غير ممكن؟ هذا يدلّ على استسلامية بلا شك، لهذا لا يطرح كل من يرفض هذا الحل أي بديل حقيقي، فبديله هو حل الدولتين، أو الحل الوهمي الاستسلامي الذي يكرره عادل سمارة.
هل يطرح محمود تحرير فلسطين؟ لا بأس، وأنا أقول بذلك، لكن هل يدلنا على إمكانيات ذلك؟ حين طرحنا مسألة التفكيك فلأن مسألة التحرير ليست كافية، وتعاني من تعقيدات كبيرة، ورغم أنها لا تلغى فيجب فهم طبيعة الصراع داخل الدولة الصهيونية، ليس في أرض 48 فقط، بل كذلك في ارض 67. وما هي إمكانات العمل المسلح بعد أن سُدّ كل دور من دول الجوار؟ هذا ما يفرض طرح مسألة الصراع الطبقي، والوطني، لكن كل ذلك ليس هو ما “يحرر” فلسطين، بل أن تغيير النظم العربية (أو الدول المركزية) هو المدخل لكل استعادة لفلسطين، وكل الأشكال الأخرى هي مساعدة ومكملة.
ما يقوم عليه منطق محمود هو أننا نريد فقط إنهاء الطابع الصهيوني عن اليهود وعن الدولة، وهذا يوضّح أنه يعيش حالة تخيُّل ولا يقرأ ما ورد في الوثيقة، التي تطرح إنهاء الدولة الصهيونية كأساس، وبالتالي إمكانية تحوّل جزء من “اليهود” الى قبول ذلك سواء لسبب طابعها، أو لسبب طبيعتها الطبقية. ويخلط بين من يريد تحويل “إسرائيل” الى دولة علمانية واحدة (أي على كل فلسطين)، وبين ما نطرح، حيث نرفض هذا الحل، بالضبط لأن أساس رؤيتنا هو وجود الدولة الصهيونية وكونها مرتكز إمبريالي. وهذا ما يرد في النص أصلاً، لكن القصد المسبق هو الذي يحكم نظر محمود. إن ما يفهمه من الوثيقة أنها تتعلق فقط بنزع الصهيونية عن الدولة، وعن “اليهود”، دون أن يفهم معنى التفكيك والإنهاء، والتأكيد على أننا نطرح فلسطين كدولة علمانية ديمقراطية، هذه المسألة التي يتناولها بـ “تريقة”، ويوحي أنها غطاء فقط.
رابعاُ،إن جوهر تناول محمود يقوم على عنصرين، الأول أننا ننطلق من بقاء الدولة الصهيونية، والثاني الموقف من “اليهود”. فهدف الوثيقة هو “خدمة البرنامج الصهيوني المتواصل على الأرض دون توقف”، وأن “المقصود إعادة تثقيف الأجيال الفلسطينية بثقافة بديلة عن ثقافة النضال من أجل التحرير بثقافة من أجل التوقيع. والتوقيع هنا يكون توقيع بالإقرار بتهويد فلسطين”.  ويكمل بما يناقض ذلك: “وماذا عن تفكيك الدولة وتخليصها من العنصرية وتفكيك جيش الدفاع ومعالجة مسألة خدمة الإمبريالية والطابع العنصري؟ أليس هذا وهما جميلا سيقوم الموقعون مع سلامة كيلة على تحقيقه؟”. حيث هناك فرق بين الوهم وبين خدمة البرنامج الصهيوني، لكن محمود يصدر حكمه بأن الموقعين على الوثيقة هم “مؤيدين لصهينة وتهويد فلسطين، وتبرير بقاء المستوطنين على كل انحاء فلسطين”. ودون أن يفهم معنى التفكيك، الذي يقوم على إنهاء الدولة الصهيونية كوجود سياسي وعسكري، يتخيّل بأن المطروح هو “نزع صهيونية” الأفراد دون إنهاء الدولة الصهيونية، وهو تخيّل مريض لأنه ينم عن سوء قصد، فالأمر لا يتعلق ببقاء الوضع القائم مع نزع صهيونية الأفراد، بل أن الإشارة الى التخلي عن المشروع الصهيوني مرتبط بالنسبة لليهود بالنضال من أجل إنهاء الدولة الصهيونية واستعادة فلسطين.
محمود يطرح سؤالاً أكثر من ساذج، ربما جاهل، يقول: ” إذا اعلن اليهود انهم تخلوا عن الصهيونية هل يصبح لهم حق الإستيطان في فلسطين وتصبح فلسطين لهم ؟ وهل من حقهم حينها ان يخلعونا من بلادنا ؟”. ويكمل: ” هناك دعاة من امثال سلامة كيلة وأصحاب الصرخة من الأعماق والموقعين على ميثاق ميونخ يطرحون مواقفهم بخبث . يطرحون قبول الإستيطان ويشرطون وهم غير قاددرين على التشريط : يشرطون ان تتخلى إسرائيل عن الصهيونية ليقيبلوها وأن وأن ..
ويزينون قبولهم هذا بحق العودة والمساواة والديموقراطية وما شاكل ذلك .
إنهم دعاة الصهيونية وقبول الإستيطان في كل فلسطين
إنهم يبثون سمومهم مزينة من أجل قبول إسرائيل واستيطانها في فلسطين تحت عنوان انهم تخلوا عن صهيونيتهم . لتكون فلسطين لليهود”.
ويضيف ” ولكن ورقة التاسيس الغادرة تقول في بند رقم واحد أن مشروعها قائم على “تفكيك الدولة الصهيونية كوجود سياسي وكيان عسكري وأيديولوجية عنصرية.” إذن هناك تفكيك ! طيب فككوا .. ولكن من الواضح ان نوايا الورقة وكاتبيها خبيثة ، فالمطلوب الإنقلاب على النظام السياسي وهذا هو التفكيك المحدد ودون غيره وصياغة نظام سياسي جديد لذات المستوطنين الغاصبين وعلى نفس الأرض الفلسطينية على أن لا يكون عنصريا”. ويكمل “هنا تكمن الخديعة لحسني النية والذين يمكن جرهم إلى سرداب الخيانة وهم متحمسون”. فنحن نريد “تخليص اليهود من صهيونيتهم وتخليص دولتهم من عنصريتها”، نتيجة عبقرية ولا شك، والأكثر عبقرية هو أنه اكتشف “الخديعة”.

هل فهم من الدعوة لتفكيك الدولة الصهيونية كوجود سياسي وعسكري وأيديولوجي تخلي اليهود عن الصهيونية فقط؟ هذا مستوى الفهم لديه، أي أنه فهم قاصر، ومغرض، حيث أن إنهاء الدولة يعني السعي لتفكيك كيانها السياسي والعسكري والأيديولوجي، وإلغاء سيطرة حكامها ورأسمالييها على فلسطين، لهذا أكدنا على أن الدولة العلمانية هي دولة فلسطين، بالتالي نحن نطرح استعادة فلسطين. طبعاً هو يشكك في المقدرة على تفكيك الكيان، ويعتبر أن التأكيد على أن الدولة العلمانية هي فلسطين هو غطاء فقط. لكنه يريد أن يشكك فيعتبر أن هذه الدعوة فيها خبث وهي خديعة، أي أنها صحيحة لكن نوايانا تهدف الى غير ذلك. هل من سخف أكثر من ذلك؟ إن أساس تناول محمود هو التشكيك، والإتهام المسبق، وقصد التشويه، وليس النقاش الجاد مع ما ورد في الوثيقة، التي تبدو بنودها مرة صحيحة لكنها تخفي ما تخفي، ومرة لا يمكن تحقيقها، وأخرى تريد تهويد فلسطين. وهو هنا يتصرّف كـ “محقق نفسي”، لهذا اكتشف النوايا الخبيثة التي تحت الدعوة لتفكيك الدولة الصهيونية وإقامة فلسطين علمانية ديمقراطية يكمن “هدف” تهويد فلسطين بتكريس وجود “اليهود” بعد أن يتخلوا عن صهيونيتهم. لكن حتى وإنْ كانت هذه هي النتيجة فستكون فلسطين دولة رأسمالية يحكمها “يهود” (بعد أن تخلوا عن صهيونيتهم)، وهو أمر يتناقض مع الوثيقة التي تؤكد على تجاوز الرأسمالية. يعني أن الوثيقة تطرح إنهاء سيطرة الرأسمالية.
إذن، إن ما نطرحه يقوم على إنهاء الدولة الصهيونية، كيف؟ سأشير الى ذلك لاحقاً، رغم أنني أشرت قبلاً الى الأمر بشكل سريع. ونطرح حل الدولة العلمانية الواحدة على أنقاض الدولة الصهيونية، كيف؟ أيضاً سأشير الى ذلك.
إن “التوتر المرضي” نشأ عن تناول مسألة الموقف من “السكان الجدد”، أي اليهود الذين جرى استقدامهم الى فلسطين، واستقروا فيها. يكذب محمود فيقول: ” طرحت الحركات الفلسطينية شعار تحرير فلسطين وتطهيرها من اليهود”، أي الحركات؟ الميثاق الوطني يعترف باليهود الفلسطينيين، ووثائق الفصائل كلها لا تدعو الى “تطهير” فلسطين، على العكس فإن شعار الدولة الديمقراطية التي طُرح (أو الدولة العلمانية) كان يتضمن بقاء اليهود الذين يقبلون العيش تحت سيطرة نظام فلسطيني (فتح طرحت ذلك، كذلك الجبهة الشعبية التي يبدو محمود أنه لا يعرف ماذا تطرح). وفي كل الأحوال كان التصور الفلسطيني الذي نشأ مع نشوء المقاومة يرفض شعارات أحمد سعيد، ويؤكد على التعايش بعد تحرير فلسطين.
هذه مسألة باتت واضحة، ومن يرفضها سيكون متعصباً، لكن أيضاً يخدم الصهيونية التي تضع اليهود في مأزق “العداء العربي”، وفي كل الأحوال لا يستطيع “تحرير فلسطين”. لهذا انطلقنا من أن هناك وضعاً بات قائماً، يتعلق بوجود بشري جديد، هل يعني ذلك اقتلاع الفلسطينيين كما يشير، حيث يقول: “إن مجرد وجود اليهود في فلسطين هو اقتلاع للفلسطيني سواء تخلوا عن صهيونيتهم او تمسكوا بها”؟ من أين له هذا الخيال “الفنتازي”؟ نحن نقول إنهاء الدولة، وبناء فلسطين علمانية ديمقراطية، وعودة اللاجئين وإعادة حقوقهم. محمود هنا يعترض على مسألة ممتلكات الفلسطينيين، حيث أن تعليقة على النص الوارد في الوثيقة، والذي يقول: ” لا بدّ من التأكيد على أن كل المشكلات التي تنتج عن ذلك، والمتعلقة بالملكية أو السكن، يجب أن تحلّ من خلال مبادئ العدل، وفي إطار لا يفضي الى نشوء أضرار جديدة بحق التجمع اليهودي المُتَخَلِص من مزاياه وامتيازاته التي كفلها له النظام الصهيوني العنصري”. ليتساءل ” كيف ؟ لا يهم كيف المهم ان الورقة تضمن للمستوطنين حقوقهم . وهي أساسا مضمونة منذ الآن اما الحقوق غير المضمونة فهي حقوق الفلسطينيين”. دون أن يلاحظ، أو أنه لا يريد أن يلاحظ، أن الوثيقة تقرّ ليس حق العودة فقط بل كذلك استعادة الأملاك والتعويض، وبالتالي تعيد الأرض لأصحابها، وهذه الإعادة هي التي يمكن أن تؤدي الى مشكلات ” يجب أن تحلّ من خلال مبادئ العدل”. يعني أننا نتناول المشكلات التي ستنتج عن عودة اللاجئين واستعادتهم أملاكهم، ولا نتحدث بمجردات. يعني ذلك أننا نخصص حالات معينة ممكنة النشوء بعد تأكيدنا على حقوق اللاجئين. ولهذا أضفنا في الوثيقة التالي: ” إن تفكيك الدولة الصهيونية يحملُ معه ايضاً إنهاء سيطرة الرأسمالية وقطع الارتباط بالمشروع الإمبريالي وذلك من خلال العمل على بناء الاقتصاد على أسس جديدة تعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية خصوصاً. في هذا الإطار، سوف تُحلُ ‏المشكلات الكبرى التي أوجدها الاستيطان الإحلالي ونظامه الرأسمالي في كل فلسطين، سواء من حيث إشكال التوزع الديموغرافي، أو ‏من حيث التفاوتات الكبيرة في المستوى المعيشي، وكل منهما لن يكون ممكناً إلا بعيداً عن الرأسمالية”. ‏الأمر الذي يعني أن الدولة الجديدة، التي هي دولة عربية، سوف تلعب دوراً أساسياً في الاقتصاد، وحلّ مجمل المشكلات التي تنتج عن إنهاء سيطرة طبقة صهيونية، وسيطرة طبقات شعبية.
أخيراً، يكرر محمود ، و”يتهكم”، فيما يتعلق بكيفية تحقيق كل ذلك. ويميل الى أن إنهاء الدولة الصهيونية أمر مستحيل، كما أشرت سابقاً، وهو بذلك يضع مسألة “تحرير فلسطين” بين قوسين، وهذا ميل استسلامي يتكيّف في الأخير مع حل الدولتين كونها “ستتحقق” من خلال “الضغط الدولي”. “فإسرائيل بأنياب فولاذية” كما يقول، ويضيف ناقداً لما نطرح “الله وأكبر، يريدون تفكيك جيش الدفاع بالرغم من كل أسنانه”. إذن، كيف تريد “تحرير فلسطين” و”طرد اليهود”؟
أما نحن فنعمل على، ونعرف أن علينا أن نبذل مجهودات كبيرة من أجل، تغيير ميزان القوى. ولهذا طرحنا أربع مستويات للصراع، منها الصراع الفلسطيني، والصراع الطبقي الذي يشمل الطبقات كما تتشكل في فلسطين المحتلة كلها، وهنا نلمس وضع “اليهود” من هذه الزاوية، ومن ثم وبالأساس تغيير الواقع العربي، لأن استعادة فلسطين أمراً عربياً عاماً، ومن ثم محاولة تحريك شعوب العالم. هل هذه الأمور سهلة؟ لا، وهل كافٍ ما ورد في الوثيقة؟ لا، حيث أن كل شكل من أشكال الصراع هذه يحتاج الى بحث وتطوير قدرات وتنظيم قوى. بالتالي، فلسطين لا تتحرر دون فعل ذاتي، عربي بالأساس. وهذا يتضمن تغيير النظم المتكيفة مع التكوين الرأسمالي العالمي، الذي هو بمجمله يدافع عن الدولة الصهيونية.
لهذا، يا عزيزي أنا ضد النظام السوري، والمصري والسعودي والقطري وصولاً الى آخر دولة عربية. فـ “من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النظام”، هذا هو أحد شعاراتنا في الثورة السورية. أعرف أنك ترتجف من قراءة ذلك، لكن ربما ستفعل أكثر من ذلك.
أخيراً، هل يمكن لمحمود أن يحدد لنا تصوره؟ لقد أدان واتهم وشتم، لكن هل بات ضد حل الدولتين؟ وهل هو مع تحرير فلسطين كما كان يُطرح مع مدّ الثورة الفلسطينية؟ إذا كان كذلك، فما هو تصوره لكيفية ذلك؟ وهل يريد طرد اليهود من فلسطين المحررة؟ هذا ما يجب عليه فعله بدل كل هذه الشتائم التي لا تليق بمناضل، ولا تفيد في تحديد إستراتيجية جديدة للنضال الفلسطيني.
**هامش: نشر محمود فنون تهجماته في موقع الحوار المتمدن ومواقع أخرى، يمكن العودة إليها.
** موقفي من قطر ودول الخليج في العديد من المقالات، منها:
1)    في الخليج صراع على الهيمنة http://www.socialisthorizon.org/publication/2980/
2)    السعودية والثورات العربية، توضيح مبسط http://www.socialisthorizon.org/publication/3006/


هلوسات حول الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة- سلامة كيلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *