عن الضرائب والنهب والثورة- سلامة كيلة
17 فبراير، 2018
هلوسات حول الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة- سلامة كيلة
4 مارس، 2018
عرض جميع الموضوعات

فلسطين التحرير والدولة العلمانية والمزاودة من اليسار- سلامة كيلة

فلسطين
التحرير والدولة العلمانية والمزاودة من اليسار
سلامة كيلة
كنت دخلت في نقاش مع عادل سمارة ومسعد عربيد حول الدولة العلمانية الواحدة قبل أكثر من عشر سنوات، بعد أن كتبا نقداً للدعوة الى إقامة دولة علمانية ديمقراطية في فلسطين(1)، والتي كنت أطرحها في ذلك الوقت. طال النقاش وتناول ما هو نظري، مثل مسألة الاشتراكية والماركسية. حينها كنت انطلق من موقف ودي لأنني كنت جاداً في النقاش للوصول الى توافق، الآن أعود الى النص ذاته الذي كتباه بعد أن عاد عادل الى الهجوم على الدعوة لدولة علمانية ديمقراطية، لكن بأسلوب “همجي”، وبلا منطق، حيث يهرب من النقاش الى كيل الشتائم (بالمناسبة، التي يعتبر أنها سياسة وفكر سياسي، الأمر الذي يظهر ضحالة لا مثيل لها، وهذا ما سيظهر في نقاش تصوره سابق الذكر). ولقد رددت على تهجماته مشيراً الى هذا النص القديم الذي يطرح فيه طبيعة الحل الذي يرتأيه. لكنه لا زال يولول في سلسلة شتائم لا تنتهي، على صفحته في الفيس بوك، هارباً من الرد على نقاشي. هذا طبعه حتى حين حاولت أن أنقل النقاش الى مستوى مفيد وجدي، فهو يتهرب عادة من كل نقاش جدي، بالضبط لأنه يعجز عن الرد، فلا يجد سوى الشتائم والاتهام والتزوير. وتكرار جمل محفوظة (ولا أعرف من حفّظه إياها).
على كل حال، سأرد هذه المرة على مشروعه المتعلق بفلسطين بشكل مختلف عن الرد السابق(2)، مع ملاحظة أنه لا يطرح حلاً في كل النقاش بعد أن كتب (مع مسعد) ذلك الرد. كنت حينها أحاول ألا أشدد النقد لأنني ظننت أن النقاش يمكن أن يوصل الى تفاهمات، لكن، لم يظهر طيلة سنوات أن عادل مهتمّ أصلاً بطرح حل للقضية الفلسطينية رغم أنه يكيل التهم لكل من يحاول ذلك.  ولهذا كان عليّ أن أفكك ذلك الحل الذي هو تفكيك للنضال الفلسطيني، وتضييع للقضية الفلسطينية، حيث يتغطى بمزاودة من اليسار، ومن ثم بكثير من الشتائم والاتهامات، والسوقية. ولا شك في أن المزاودة من اليسار ليست عملاً بريئاً، خصوصاً حينما يحمل مضموناً رجعياً، وخطراً على القضية الفلسطينية. وهذا ما ظهر خلال مسيرة عادل في السنوات الأخيرة. هذا الأمر هو الذي استدعاني لإعادة نقاش نص كتب قبل أكثر من عشر سنوات، أعاد عادل التأكيد على ما جاء فيه في رد جديد عليّ(3).
ومن يدقق في نص عادل يلمس تناقض المقدمات مع الحل الذي يطرحه، حيث كرَّر ما كنت أقوله حينها، رغم أنه ردّ على رأيي بعكس ما أطرح، فقد قوّلني، وقوّل من يطرح حل الدولة العلمانية الواحدة ما لا يطرحونه، وما قام هو بطرحه كحل للقضية الفلسطينية. إذن، مقدماته كانت في تضاد مع استنتاجاته، ويبدو أنها كانت تهدف الى تمرير حلّ “تصفوي”، كما سأوضح تالياً. سوف أبدأ بما يطرح في المقدمات، والتي تتوافق مع ما ورد في الوثيقة التي طرحتها الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية، وما كنت أطرح سابقاً (وما زلت أطرح)، فهو يقول:
” لا ندّعي، باي شكل من الاشكال، باننا في معرض تقديم حلول جاهزة لمستقبل العلاقة مع هؤلاء اليهود أو أننا نملك الاجابة الشافية على كافة جوانب هذه المشكلة المعقدة، بل نرى أن هذه الاجابة والحلول تحتاج الى مساهمات جادة ومسؤولة”، ويكمل: ” إلا أن ما نستطيع ان نجزم فيه هو:

• أنه لا يجوز لحركة تحرر وطني أو لقوى إشتراكية وقومية تقدمية متآخية أن تتجاهل هذه المسائل؛
• أو أن تطرح حلولاً شوفينية عنصرية؛
• ولا يجوز لها أن تقبل أو تجيز إضطهاد مجموعة (أو مجموعات) بشرية اخرى؛
• كما أنه لا يليق بحركة تحرر عربية إلا ان تفتح باب العيش المشترك والمتآخي الذي يضرب جذوره العميقة في تراثنا العربي ـ الاسلامي العريق في التآخي والتسامح؛”.
وهذا ما طرحناه في الوثيقة، حيث كان يجب أن تتحدد “العلاقة مع هؤلاء اليهود”.
ويقول:
“• وأخيراً، نرى أنه يتوجب على هذه الحركة أن تجاهر العالم بلا مواربة بانها في مواقفها هذه إنما تستند الى مرتكزات ثلاثة: حق العودة لللاجئين الفلسطينين، ورفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، والنضال من أجل تفكيكه”.
وما ورد في الوثيقة يؤكد ذلك، حيث التأكيد الكامل على حق العودة، وعلى استعادة اللاجئين لحقوقهم وممتلكاتهم، وحيث الدعوة لإنهاء الدولة الصهيونية لأنها كيان غير شرعي، استيطاني عنصري، وبالتالي لا بدّ من تفكيكه.
ويؤكد أنه ” لم يعد من الممكن تجنب هذه المسائل وإرجائها الى أجل غير مسمى”، وهذا ما قمنا به.
ويشير: ” لا ضير في الاختلاف حول تعريف اليهود المقيمين الآن في الكيان الصهيوني (الاحتلال الاول لعام 1948 والثاني لعام 1967)، أو في تحديد هويتهم. كما اننا لا نرى ضيراً في أن يتمحور النقاش في الوقت الحاضر، وهو ما نميل اليه ضمانةً لاستمرار الحوار، في التعامل مع هؤلاء كمجموعة بشرية أو سكّانية أو أن شاء البعض كأقلية دينية، أو دينية ـ ثقافية. وإذا رغب البعض في أن يسيمهم، جدلاً، ’اليهود الاسرائيليين‘ تسيهلاً للحوار، فليكن لهم ذلك. إن ما يعنينا الآن، هو الحد الأدنى لما نستطيع أن نتفق، وهو أن: هناك هذه الكتلة البشرية المؤلفة من بضعة ملايين، هم في التحليل النهائي وبغض النظر عن المسميات، اناس وبشر وهذا يقتضي إيجاد حلول إنسانية لاشكاليتهم أو لاشكاليتنا معهم. وحتى لو إقتضى الأمر أن نذهب الى أنهم اسرى حرب، فهناك من القوانين والمعاهدات التي يتوجب علينا الاحتكام إليها لدى التعامل معهم”.

ثم أن عادل ينطلق من ربط الوجود الصهيوني بـ “المشروع الأكبر: الرأسمالي – الإمبريالي – الصهيوني” ، ونحن نعتبر أن الدولة الصهيونية هي مرتكز إمبريالي ضد الوطن العربي.
وعادل يصرّ على “البعد العربي”، ونحن نفعل ذلك، حيث أن الوجود الصهيوني يستهدف تكريس تفكك وتخلف الوطن العربي، ومنع تطوره ووحدته.
وعادل يؤكد على حق العودة للاجئين، ونحن نفعل ذلك. ويرفض الاعتراف بالدولة الصهيونية، ونحن كذلك.
إذن، ما المشكلة؟ ما الذي يجعل عادل يهيج كلما كتب عن، أو طرح مشروع يتعلق بالدولة العلمانية الواحدة في فلسطين؟ ولمصطلح فلسطين هنا معنى، حيث أننا نطرح فلسطين على أنقاض الدولة الصهيونية، استعادة فلسطين.
لا أريد هنا إعادة ما كتبت في الرد القديم حول ذلك، لكن لا بدّ من توضيح أن عادل لا يقرأ ما يتضمنه حل الدولة العلمانية، أو أنه يتقصد تشويه ما يُطرح، لهذا يصوّر ما هو مطروح بعكس ماهيته. هذا ما فعله حينها، وما فعله وهو يرد على الوثيقة. ولكنه في الواقع يكرر ما نطرحه حول الدولة العلمانية الواحدة، لكن تحت مسمى “الحل الاشتراكي” (مع تعديل يتعلق بمصادرة الأملاك كلها). وهذا ما أسميته الشطط، والمزاودة من اليسار، لكن لتمرير حل “واقعي” مدمر كما سأوضح. إذن، ليس لدى عادل سوى التزوير لكي ينقد فكرة الدولة العلمانية الواحدة في فلسطين، مع تبني ما نطرح حولها، من حيث الأسس، وتحوير كبير في الحل الذي يطرحه، ليبدو أن كل ما يطرحه في المقدمة الطويلة هو تغطية على حل “تفكيكي” للنضال الفلسطيني.
رداً على حل الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة في فلسطين يطرح عادل “المشروع الاشتراكي في فلسطين”، ويشير الى مكوناته التي تتضمن “حلاً مرحلياً” وآخر “نهائياً”. طبعاً الحل النهائي هو الاشتراكية في فلسطين والوطن العربي والعالم، لا أريد تناوله هنا فقد بيَّنت إشكاليته في ردي القديم، لكن هذا الحل سيبدو غطاءً لحل مرحلي وهمي ليس إلا. وهو وهمي لأنه لا يمتلك ممكنات التحقق أصلاً، حيث يقوم على تجزيئ النضال الفلسطيني الى نضالات على أسس مختلفة ليس في جوهرها قضية فلسطين، فبدل النضال من أجل إزالة كيان إستيطاني استعماري يشكّل مرتكزاً للسيطرة الإمبريالية يتوه في تقسيم شعب فلسطين الى فلسطينيي “مناطق الاحتلال الأول (1948)” وفلسطينيي “مناطق الاحتلال الثاني (1967)” دون ذكر لدور اللاجئين الفلسطينيين أصلاً، وكذلك دون ذكر للدور العربي كون الصراع أصلاً (كما يؤكد، وكما هو في الواقع) هو صراع عربي ضد السيطرة الإمبريالية، وأداتها الدولة الصهيونية.
يحدد عادل هدف النضال في مناطق 1948 بـ ” النضال من أجل إقامة دولة فلسطينية في مناطق الاحتلال الاول (1948)”، ومن مبررات ذلك ” حق “الاقليات” القومية في تقرير المصير وإقامة دولة لها. مع لفت النظر بان عرب 1948 قد يشكلون “اقلية” في فلسطين المحتلة 1948 من حيث تعدادهم بالمعنى النسبي، إلاّ انهم يمثلون السكان الاصلانيين والاصحاب الحقيقيين والطبيعيين للاراضي العربية التي قطنوها قروناً عديدة”. ويكمل ” تنسجم المطالبة بهذه الدولة، دولة عرب 48، مع “الشرعية” الدولية بل تشكل تحدياً للامم المتحدة “والقانون” الدولي اللذان دعما حق تقرير المصير وحق الانفصال والاستقلال لعدد كبير من الدول والقوميات خلال العقدين الاخيرين التي تم قبول عضويتها في الامم المتحدة فوراً مثل جمهوريات الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا الاتحادية سابقاً”. وهو يقر بأن هؤلاء الفلسطينيين “أقلية” في كيان أغلبيته “يهودية”. إذن، ما هو حق الأقلية؟ يعود عادل الى لينين، لكنه لا ينتبه الى أن لينين تحدث عن حق الأمم وليس الأقليات التي اعتبر أن من حقها الحصول على حقوق ثقافية أو حكم ذاتي فقط. ولا يغيّ من الأمر أن الفلسطينيين هم السكان الأصليين ما دام الأمر يتعلق بحق يعتمد على “الشرعية” الدولية كما يعتمد.
الخطر هنا يتمثّل في أن عادل يحرف النضال الفلسطيني في هذه المناطق من نضال لإنهاء الدولة الصهيونية يعتمد كافة أشكال النضال الممكنة، الى نضال “حقوقي” يعتمد على الشرعية الدولية. هذا حرف خطر، وهو بلا نتيجة لأنه لا يعتمد على تغيير ميزان القوة، بل على نضال شرعي قانوني حقوقي. وحتى إنْ نجح فسيؤدي الى اعطاء شكل ما من “الحكم الذاتي” للأقلية الفلسطينية، وليس أكثر من ذلك. عادل ينطلق من وهم أن العالم بات يدعم حق تقرير المصير وحق الانفصال والاستقلال كما حدث في عديد الدول (الاتحاد السوفيتي، يوغسلافيا). وهو هنا يربط أمر تحقق “الدولة على أرض سنة 1948 بهذا الوهم، في الوقت الذي ينزع من فلسطينيي تلك الأرض كل إمكانية لتغيير ميزان القوى كي نستطيع هزيمة الدولة الصهيونية. وفي النتيجة لا دولة هنا. فقط نكون قد فككنا النضال الفلسطيني، وأطلقنا مساراً وهمياً. هل هناك أخطر من ذلك؟
وأنبه، الى أن طرح المسألة في إطار حق “الأقليات”، أو حتى القوميات، يخدم الرؤية الصهيونية التي تعتبر أن “الإسرائيليين” أغلبية لها حق تقرير المصير. كما أشير الى أن شكل النضال وفق ذلك سيكون “نضالاً” حقوقياً بالأساس، أو بشكل وحيد. وهذا ما يُخرج هذا الجزء من الشعب الفلسطيني من النضال من أجل إنهاء الدولة الصهيونية واستعادة فلسطين كجزء من الدولة العربية الواحدة. وبالتالي هو تفكيك للنضال الفلسطيني وليس “تفكيك الكيان الصهيوني”. بل هو تكريس للدولة الصهيونية التي يظهر أن لديها مجموعة “قومية” تريد حقوقاً على أساس الشرعية الدولية، وما دامت أقلية فلها حقوق ثقافية ليس إلا.
في “منطقة الاحتلال الثاني عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة)” يكون الهدف الانتقالي ” هو الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي التي احتلتها في حرب حزيران 1967. إلاّ ان هذا الانسحاب لا يكون مرتبطاً ولا مشروطاً بالاعتراف بالكيان الصهيوني لان هذا الاعتراف يعني تكريس الاحتلال والاستيطان الصهيوني كما يعني التخلي عن حق العودة لللاجئين الفلسطينيين”. و” لنضال من أجل هزيمة الاحتلال ودحره وإرغامه على الانسحاب، ولكن ليس من أجل إقامة دولة فلسطينية محصورة في مناطق الاحتلال الثاني عام 1967 كحل نهائي للصراع”. ورغم أن عادل يكرر التأكيد على عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني فإن ما يطرحه يفترض الاعتراف بهذا الكيان، حيث أن هذا الهدف يفترض أن دولة قائمة (ومعترف بها) هي التي تحتل الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. فكيف يمكن أن يتحقق الانسحاب دون الاعتراف؟ عادل هنا “يجمِّل”، لكنه يسند موقفه هذا بما يؤكد هذا الاعتراف، حيث يقول: ” كما يجدر التنويه الى ان هدف الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية لعرب هذه الاراضي، كان الهدف المقبول والمعلن لفصائل المقاومة الفلسطينية وجزءً أساسياً من برامج م. ت. ف. منذ صيف 1974 حين اقرت الدورة الثانية عشر للمجلس الوطني الفلسطيني ما أسمته البرنامح المرحلي أو برنامج النقاط العشر”. ربما هو هنا يقف عند برنامج النقاط العشر الذي مرَّر المسار الإستسلامي بكلمات رنانة، مثل إقامة سلطة وطنية على أية أرض يتم تحريرها، لكن وصل الأمر الى سلطة إدارة حكم ذاتي. لكن عادل يتحدث عن “الانسحاب الإسرائيلي” وليس عن التحرير، الذي بات جزءاً من برنامج الفصائل الفلسطينية، والذي يستند الى القرار 242 كمرجعية، ويتحقق من خلال المفاوضات والدور الدولي. وفي الاستناد الى قبول الفصائل الفلسطينية لإقامة دولة فلسطينية “لعرب هذه الأراضي”، يقبل النهاية الحتمية لهذا المسار. بالتالي لا يكون للتأكيد المتكرر على عدم الاعتراف بالدولة الصهيونية أي معنى. وبهذا نجده يعود الى “النضال الشرعي” والحقوقي، الذي يقوم على قبول الدولة الصهيونية.
هل من قدرة للشعب الفلسطيني في هذه الأرض لكي يدحر الاحتلال؟ ما يستند إليه يقوم على الشرعية الدولية كذلك، حيث أن برامج منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل تشير الى القرار 242 والشرعية الدولية، والنضال في إطار الشرعية الدولية. هل يستطيع عادل أن يطرح شكلاً للنضال في هذه الأرض أكثر من ذلك؟ هو لا يلمس موازين القوى، ويبدو أنه ليس معنياً بها، لهذا يتحدث عن النضال بشكل عام، ويتكئ على الشرعية الدولية كمخرج له بما يطرح. فليس من مقدرة فلسطينيي الأرض المحتلة سنة 1967 (كما فلسطينيي الأرض المحتلة سنة 1948) تغيير موازين القوى، وفرض الهدف الذي يتوهمه عادل. وهذا ما يجعل كل ما يطرح تصوراً وهمياً يضلل أكثر مما يوضّح، ويحرف النضال بدل تحديد آلياته التي تفضي الى تغيير موازين القوى، العسكرية بالأساس.
والأدهى أنه يعتقد بأن هذه النضالات سوف توصل الى ما توهّم: دولة في مناطق 48 وانسحاب من مناطق67، ومن ثم يبني على ذلك وهمه الأكبر: دولة اشتراكية. يقول ” تشكل إقامة دولة فلسطينية لعرب الاحتلال الاول (1948) وإنسحاب اسرائيل من أراضي الاحتلال الثاني (1967) المدخل الموضوعي لتفكيك الكيان الصهيوني كما يمثل هذا الهدفان الانتقاليان إستعادة الوحدة المفقودة بين أجزاء فلسطين من جهة وبين فلسطين والوطن العربي من جهة اخرى”. ويكمل ” يقودنا هذا الى الهدف الثالث، أو المرحلة الثالثة الرئيسية والنهائية في النضال، إن جاز لنا القول، أي الحل الاشتراكي الشعبي العربي للصراع مع المشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني والذي هو (أي الحل الاشتراكي) في الآن ذاته، الوحيد الذي يضمن لليهود الحق في البقاء والعيش بين ظهرانينا كأقلية أو أقليات تتمتع بكافة الحقوق والحريات اسوةً بالعرب والاقليات او المجموعات الاثنية الاخرى المتآخية والشريكة في الوطن العربي”. ليصل الى ” ولا يتسنى إنجاز مثل هذا الحل، إلاّ من خلال دولة عربية فيدرالية اشتراكية موحدة تكون فلسطين واحدة من دولها أو مكوناتها”(4).
قفزات بهلوانية بلا شك، هي التي أوصلت الى ذلك. فـ “النضال الفلسطيني” غير محدَّد الأشكال هو الذي سوف يفكك الدولة الصهيونية، عبر مسارين مختلفي الهدف، ومن ثم ستتحقق الدولة العربية الفيدرالية الاشتراكية الموحدة. وهنا يتجاهل اللاجئين حين يتعلق الأمر بالنضال من أجل فلسطين، فقط هو يؤكد على حق اللاجئين في العودة، لكن ما هو دورهم في النضال من أجل تفكيك الدولة الصهيونية؟ لا رؤية. وهو يتحدث عن دولة عربية فيدرالية اشتراكية فلسطين جزء منها، لكن ما هو دور العرب في تحرير فلسطين؟ لا يتناول ذلك مطلقاً، بالضبط لأن ذلك يخلّ بكل ما يطرح، حيث أن للعرب دور كبير في تحرير فلسطين، وحين يُطرح هذا الأمر تسقط كل الأوهام حول “حق الأقليات”، و”الانسحاب الإسرائيلي”، لأن الصراع العربي هو ضد الدولة الصهيونية ككل، ويبدأ بتغيير موازين القوى، بالتالي سيطرح إنهاء هذه الدولة. والدور العربي مركزي هنا،وسيرتبط النضال الفلسطيني، وتطور هذا النضال، به.
يمكن القول أنه بالنسبة لعادل ليس هناك قضية فلسطينية، هناك فقط قضايا تخص فلسطينين. ورغم الإشارة الى طبيعة الصراع كصراع عربي صهيوني، والتركيز على “البعد العربي”، ليس هناك رابط لهذه القضية. ثم، أنه يطرح منظوراً حقوقياً معتمداً على الشرعية الدولية، وفي جوهره تكمن سياسة تفاوضية. هذا ملخص ما يطرح، تحت شعارات يسراوية، وتشنجات لا معنى لها، رغم أنه يقبل في الأمر الواقع.
هذا ما كان يطرحه عادل سنة 2007، لكن هل لا زال يتمسك به؟ نعم، فقد أكد في رده عليّ على: “فيما يخص تفكيك الكيان من داخله. والذي طرحته اساساً ل”أبناء البلد” التي كان حينها فيها يوآف بار (لماذا يسمي نفسه حيفاوي) اليوم؟ هذا الطرح لم اتغير عنه.
وهو: أن يقوم فلسطينيو 1948 بالمطالبة بالفكاك عن الكيان الصهيوني لتفكيكه من الداخل وهو تحدي للعولمة التي تدعم قيام عشرة اشخاص بالمطالبة بدولة إثنية قومية…الخ.
وما العيب في هذا؟ طالما يُضعف الكيان. وقد طرحته على ضوء قيام العولمة بتفكيك الدول الخارجة عن عباءة الإمبريالية وخاصة يوغسلافيا والعراق. فهل يسمح الكيان بهذا؟
لو كان بوسع فلسطينيي 48 ممارسة الكفاح المسلح لكنت سعيداً، وكان سيفضي اولا إلى تطهير مناطقهم  ثم بقية فلسطين. ونعم كنت ولا زلت ضد ضم الضفة والقطاع للكيان، بعكس هذه الورقة وبعكس صرخة د. يحيى غدار ومن معه. وطبعاً عرب 48 احرار في الشكل الذي يرسدون النضال بموجبه. وعليه، فإن عدم ضم الضفة والقطاع وفك فلسطينيي 48 عن الكيان هي خطى مرحلية لإعادة توحيد فلسطي بتحريرها. ما العيب؟”، العيب يكمن في أنه حل وهمي أولاً، ويفكك النضال الفلسطيني ثانياً، ويعتمد على “الشرعية الدولية” ثالثاً. بينما المطلوب هو ليس تفكيك النضال الفلسطيني بل توحيده، وهذا يفترض إعادة بناء المشروع الوطني، واعتبار أن إنهاء الدولة الصهيونية هو الهدف المركزي من خلال تعدد أشكال النضال بما يسمح به الواقع. هذا أولاً، وثانياً لا بد من تجاوز كل سياسة تعتمد على الشرعية الدولية، التي هي فاشلة من الأساس ما دام الكيان الصهيوني هو مشروع إمبريالي، وما دامت الرأسمالية تسيطر على العالم. كانت كذلك منذ البدء، ولا زالت كذلك. ولا شك في أن معوقات كبيرة تحدّ من إمكانية العمل المسلح، رغم أنه خيار مستمر وفق الإمكانية، لكن هناك أشكال أخرى للصراع لا بد من خوضها في المستوى الطبقي، والمستوى الوطني، والمستوى المجتمعي. وأكثر من ذلك لا بد من إعادة ربط القضية الفلسطينية في إطارها العربي، ووضعها في الحيّز الحقيقي لوجودها، كون الصراع هو صراع عربي مع الرأسمالية ومع الدولة الصهيونية. وأعتقد أن تغيير النظم العربية من قبل الطبقات الشعبية، خصوصاً في البلدان العربية المركزية، هو أولوية من أجل إعادة بناء الصراع بشكل حقيقي، ولتغيير ميزان القوى لمصلحة التحرر والتقدم. وهذا يعني إعادة بناء المشروع العربي، مشروع التحرر والوحدة والتطور، من منظور اليسار الحقيقي.
ولقد فتحت الثورات التي انفجرت في عدد من البلدان العربية، والوضع الثوري القائم، رغم الهجوم الإمبريالي متعدد الأشكال، على أفق جديد يسمح ببناء مسار ثوري جديد، وتأسيس قوى ثورية حقيقية (ماركسية). وعادل هنا لا زال يعيش أوهام المؤامرة، ويدعم النظم التي قامت بدور تخريبي كبير في سحق المقاومة الفلسطينية، وحراسة حدود الدولة الصهيونية، ومن ثم قامت بتدمير شعبها وبلدها بالسلاح الذي تكدس تحت عنوان “التوازن الاستراتيجي”، أقصد النظام السوري.
هذه هي المزاودة من اليسار في مواجهة كل تصوّر حقيقي، وممارسة في أقصى الاستسلامية تكرّس ما هو قائم. عادل سمارة هو كذلك. مهمته شتم وتشويه والتزوير على كل من يحاول أن يطرح تصوراً جاداً، أو يعمل من أجل تغيير حقيقي. مهمة هو جدير بها، وربما كان حصل على الدكتوراة بسببها، فهي تستحق ذلك، وهو يطمح الى ذلك. إنه خبير في تزوير أفكار الآخرين والرد على الأفكار التي زورها بعيداً عما يطرح الآخرون. ربما كان كاريكاتور مثقف، وكاريكاتور ثوري، وربما أكثر من ذلك.

(1)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=%20114026#.
(2)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid= 114324
والنص نشر في، سلامة كيلة “المسألة الفلسطينية، دولة ديمقراطية واحدة” دار ابن رشد، القاهرة، ط1/2014.
(3) من ينتظر طلاق الصهيونية يتصهين
https://kanaanonline.org/2018/01/21/
(4) نشرت نقاشي حول الاشتراكية في، سلامة كيلة “اليسار العربي في أفوله” دار فضاءات، الأردن، ط1/2012. وكل الحوار منشور في موقع الحوار المتمدن.


فلسطين التحرير والدولة العلمانية والمزاودة من اليسار- سلامة كيلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *