مقاربة حول الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين- أحمد قطامش، يوآف بار، حركة أبناء البلد

رد على تهجمات عادل سمارة- سلامة كيلة
28 يناير، 2018
عن الضرائب والنهب والثورة- سلامة كيلة
17 فبراير، 2018
عرض جميع الموضوعات

مقاربة حول الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين- أحمد قطامش، يوآف بار، حركة أبناء البلد

مقدمة:
نقدم هنا وجهات نظر حول مسألة الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين، تنطلق من الوقائع التي باتت قائمة على الأرض، لكي تصل إلى التأكيد بأن الخيار الذي جرى تبنيه منذ سنة 1974، والذي جرت الممارسة على أساسه، بات مستحيلاً. وبالتالي لتشير إلى أن العودة إلى طرح الدولة الواحدة: الديمقراطية والعلمانية، هو الحل الوحيد “الباقي”.
طبعاً تلك الوقائع تشير إلى أنها نتجت عن رؤية محددة حكمت الدولة الصهيونية، والنخب الصهيونية بمختلف تلاوينها، وإلا لما كانت قد أصبحت وقائع، لأنها كانت نتاج ممارسات مستمرة ومضطردة، وقرارات إتخذت من قبل الحكومات الصهيونية المتعاقبة. هذه القرارات التي تعلقت بالسيطرة على الأرض في الضفة الغربية (وفي غزة قبل إخلائها)، وبالاستيطان المستمر فيها، ووفق خرائط قصدت خنق السكان الفلسطينيين والسيطرة على أراضيهم الزراعية ونهب منابع المياه. وهو ما كان يعني بأن الدولة الصهيونية وهي “تساوم” على الأرض المحتلة سنة 1967 في إطار المفاوضات، كانت تغطي على إستراتيجيتها التي تقوم على  قضم الأرض ومحاصرة السكان. وما من شك في أن اتفاقات أوسلو كانت صيغة “ذهبية” لهذه التغطية. لنواجه اليوم بوضع ليس من الممكن أن يستوعب إقامة “دولة مستقلة وعاصمتها القدس”، حيث بات الفلسطينيون سجناء كانتونات حددها جدار العزل الذي مازال قد الإكمال.
هذا الوضع يوضح بأن الدولة الصهيونية ليست في وارد إقامة “دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس”. هل هذه مفاجأة؟ لا، حيث كان واضحاً لكل ذي عقل بأن الدولة الصهيونية تعتبر بأن أرض الضفة الغربية هي جزء من “أرض إسرائيل”، ومن يتابع كل الحلول التي طرحت منذ سنة 1967، أي سنة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، يلمس بأنها تنطلق من أن الأرض هي أرض “يهودية”، وبأن المشكلة التي تواجهها الدولة الصهيونية تتمثل في وجود السكان الفلسطينيين الذين يجب أن لا يصبحوا جزءاً من هذه الدولة لكي تبقى يهودية الطابع. ولهذا انحصرت كل الحلول في شكل من أشكال “الحكم الذاتي”، وفي تحديد وجود الفلسطينيين في انعزال عن بنية الدولة.
بمعنى أن السياسة التي تبنتها المنظمات الفلسطينية منذ سنة 1974 كانت، ليس وهمية فقط، بل ومدمرة كذلك. فقد إنبنت على وهم إمكانية، وعلى وهم أن القبول بالجزء يمكن أن يفتح أفقاً لـ “السلام” القائم على حصول الفلسطينيين على “دولة مستقلة”. حيث سيبدو اليوم أن تمسك الدولة الصهيونية بأرض الضفة الغربية هو بقدر تمسكها بأرض 1948. وأنه بالنسبة لها ليس من وجود قوي ومهيمن دون السيطرة الكاملة على كل فلسطين. وبالتالي فإن “تصغير الهدف” (كما جرى التنظير من قبل رهط من السياسيين والمثقفين) الذي يتوافق مع “الشرعية الدولية” التي بات تحقيقها مقبولاً من قبل الرأي العام العالمي كما اعتقدت، لا يعني شيئاً ما دامت المشكلة هي مع الدولة الصهيونية ذاتها: مع مطامحها ومصالحها، ومع ارتباطاتها بالمشروع الإمبريالي. وأيضاً مع تصورها لواقعها ووجودها، ومن ثم إستراتيجيتها التي تضمن تحقيق كل ذلك. هذا إضافة إلى أن القوى الإمبريالية التي تدعمها، وتعتبر بأنها “رأس مخلب” لها، لم تكن ومازالت غير معنية بأن تفرض عليها ما يناقض مصالحهما معاً. وهي لم توجدها من أجل أن تضمن حلاً لمشكلة اليهود، وبالتالي ترضى بأن تعيش الدولة بسلام مع جيرانها العرب، بل أوجدها من أجل أن تبقى قوة عسكرية ذات دور محوري في إستراتيجية السيطرة على الوطن العربي. ولهذا يجب أن تبقى في تصارع مع محيطها، وأن تلعب دوراً مهيمناً، وأن تفرض شروطها.
هنا الصراع، بالتالي، هو مع مشروع إمبريالي صهيوني. الأمر الذي يفرض البحث عن حل انطلاقاً من ذلك، أي عبر الصراع مع هذا المشروع، وعلى أنقاضه، لأن المسألة هنا لا تماثل جنوب أفريقيا على الإطلاق، لكي يتحقق حل ما عبر تنازل السكان الأصليين وقبول المسيطر بتحقيق المساواة أو حتى تحويل السيطرة السياسية إلى السكان الأصليين بعد حل كل مستتبعات المسألة التي ولّدها الاحتلال الاستيطاني. هنا فلسطين هي النواة/ المرتكز التي لا يمكن المساومة عليها من قبل آباء المشروع الإمبريالي الصهيوني، ربما تكون المساومة ممكنة لما هو أبعد، لكن هنا ليس من حل وسط.
من هنا يكون إنهاء الدولة الصهيونية هو مدخل كل حل، وهو أساس كل رؤية. على ضوء ذلك يطرح موضوع الصيغة الممكنة في فلسطين.
نقدم هنا وجهات نظر تقارب الدولة الديمقراطية العلمانية، لكنها أساساً تقارب طبيعة الدولة الصهيونية والمشكلات التي أوجدتها بصفتها كيان استيطاني إمبريالي، يقوم على أساس الدين والتمييز الديني/العنصري، ويلعب دوراً إمبريالياً هو جوهر وجوده.

سلامة كيلة

مقاربة لفهم
وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

أحمد قطا مش
مفكر ماركسي وقيادي فلسطيني
يعيش في رام الله. والنص ورقة ألقيت
في مركز منيف البرغوثي-تشرين الأول 2004

مقدمة:
تستند هذه الورقة لحقائق ومعطيات لا مهرب منها، تشكل خلفية للتحليل ورصد المتناقضات بحثاً عن مخرج وحلّ يتيحه الممكن التاريخي. من طراز الحقيقة الموضوعية التي تشي بوجود ما يزيد عن 4.5 مليون فلسطيني لهم مدنهم وقراهم وخصائصهم في الضفة وغزة ووراء “الخط الأخضر”، ونحو 5 مليون اقتلعوا من ديارهم في عملية تطهير عرقي بشعة عام 1948، ونزوح قهري عام 1967، يعيشون ذل الشتات دون أن تفتر ذاكرتهم التاريخية وحلمهم بالعودة الذي عمدوه بتضحياتهم ودمائهم رافضين التوطين وجحيم التشرد. ففي استطلاع عام 1997 أعلن 96% من أهالي المخيمات الفلسطينية في لبنان عن تمسكهم بالعودة لقراهم ومنازلهم. ومن جانب آخر ثمة 5.5 مليون يهودي إسرائيلي استقدم معظمهم المشروع الصهيوني من أرجاء العالم يتكئون على قاعدة اقتصادية-تكنولوجية وينتشرون في عموم فلسطين الانتدابية. أما الحقيقة الثانية فهي تشابك المجتمعان الفلسطيني العربي واليهودي الإسرائيلي و تواشجهما الاقتصادي والخدماتي، سيما في سوق العمل وخطوط المواصلات والثروة المائية التي تحظى بأهمية فائقة في بلاد فقيرة بالمياه، ورغم غلبة هذا التجمع السكاني أو ذاك في هذه البقعة أو تلك فلا ينتصب سور الصين العظيم للفصل الجيوعرقي بين المجتمعين. فالحيزان الفلسطيني واليهودي لا ينفصلان إلا ليتداخلا، ولكن تحت الهيمنة العنصرية الصهيونية وما نتج عنها من سياسات وممارسات.
بلا ريب أن ملايين الفلسطينيين يتسمون بخصائص ثقافية-لغوية-تربوية، وهذا حال ملايين اليهود. فثمة خصائص جماعية لكل منهما رغم أية تمفصلات مشتركة تربط اليهود الشرقيين بجذورهم العربية، وهم الذين يشكلون نحو 40% من المجتمع اليهودي الإسرائيلي. وان تباينات طبقية، عرقية بين اليهود الأشكنازيم والسفرديم والروس وتعدد الأصول القومية، حيث أن اليهود قبل قدومهم لفلسطين ينتمون لأمم شتى، فرنسية، ألمانية، أمريكية، روسية، عربية… مثل هذه التباينات يجري صهرها بتدرج في هوية جماعية… وهذا حال الفلسطينيين، فاغتصاب وطنهم وتشريدهم وتوزعهم على تجمعات تحيطها ظروف متفاوتة، بما في ذلك تغطيسهم في أولويات متناقضة في العقد الأوسلوي الأخير، لا ينتقص من هويتهم الوطنية وخصائصهم الجماعية.
ينبغي أن يكون جلياً وحاسماً بما فيه الكفاية أن المسألة الفلسطينية العربية والمسألة اليهودية الإسرائيلية قد تشابكتا في ثنائية متناقضة. فلا وجود لواحدة إلا والثانية معها، ولا حل للأولى إلا بحل الثانية. وقد جرت عملية إقصاء وتهجير لثلثي الفلسطينيين من منازلهم وكرومهم ومدنهم وقراهم واحتلال 78% من وطنهم لم يكن لليهود حسب الوثائق البريطانية سوى 5.6% من أرضه، في نية لتحويلهم “لغبار الأرض” ( غير أن كل رغبات اختفائهم ليست سوى أحلام نتاج ضائقة عميقة) حسب بنفنستي- الباحث الإسرائيلي. وتكرر ذلك باحتلال عام 67 وصولاً إلى فرض أوسلو (كمونولوج إسرائيلي) كما أشار بيرس، ومفاعيله وما أفضى إليه… دون أن يتحقق السلام… وإن استباحة فلسطين شعباً ووطناً، وانحناء غير نظام عربي للإرادة الأمريكية-الإسرائيلية وتوقيع اتفاقات وفتح سفارات… ناهيكم عن الجرائم المنظمة والاغتيال الممأسس الذي يتعرض له الفلسطيني وإفساد وتطويع أوساط نافذة… كل ذلك لم يسقط راية الكفاح التحرري… أما التهديدات الإذاعية الجوفاء بإلقاء اليهود في البحر أو طردهم من بلاد المسلمين وتذكيرهم بخيبر اليمن فلم يمنعا تزايدهم من نصف مليون في أربعينات القرن الماضي إلى مليونين في الستينات وأكثر من 5 مليون اليوم…
يبدأ الخلل من الرؤية التي توجه الممارسة ( إذ أننا مقتنعون أن الخطر الحقيقي يكمن في الصياغات النظرية للأفكار أما المحاولات العملية، حتى الجماهيرية، فيمكن تفسيرها والإجابة عليها طالما أنها تصبح خطيرة، في حين أن الأفكار التي قهرت القدرة الثقافية واتخذت موقعاً في العقول… فهي شياطين يمكن أن يقهرها الإنسان بإخضاعها)  حسب ماركس.
ثمة أسئلة حارقة من نوع: ما هو مصير ملايين الفلسطينيين واليهود ؟ هل لهم حق الحياة؟ هل يسمح العمل السياسي الأخلاقي بإزاحتهم من المكان والزمان أو إبادتهم فيزيائياً ؟ هل هم وباء أم بشر ؟ هل الصراع أبدي أم يزول بإزالة أسبابه ؟ هل تعرض الفلسطيني للاقتلاع عام 48 وله حقوق مغتصبة أم… وصولا إلى قرار 194 ؟ وماذا عن (الكولونيالية الصهيونية التي جلبت الدمار والخراب وتحالفت مع أعتى الإمبرياليين وأشرسهم ) كما قال بولس فرح. وماذا عن الفلسطينيين؟ هل هم بنية اجتماعية-سياسية أم يجدر التعامل معهم بالمفرق كقطع خردة؟ وماذا عن مقولة أن العرب متخلفون واليهود حضاريون، فهل يحق للحضاريين الاستئثار ببلاد المتخلفين وإقامة دولة عنصرية محلهم ؟ وهل قاد ذلك إلى الاستقرار؟
(لا مهرب، إما أن يتساوى البشر في الإنسانية أو التورط في العنصرية ) هكذا قال ادوارد سعيد. وكل المشروعات العنصرية-الشوفينية في التاريخ كان مآلها الإخفاق، بدءاً بالآشوريين منذ ثلاثة آلاف عام ويزيد، مروراً بالإمبراطورية الرومانية منذ ألفي عام، عرجاً على السكسونيين في القرون الأخيرة، وصولاً إلى النازية الهتلرية. ولن يكون مصير الصهيونية العنصرية غير مصير النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وهما الأكثر تشابها، حتى مملكة الخزر التي استمرت خمسة قرون حينما انحازت جماعات تركية ومغولية وفنلندية لليهودية هزمها الروس السلاف وتشتت أهلها في أنحاء أوروبا.
(إذ لا نعترف إلا بالتاريخ وعلم التاريخ) كما أشار ماركس، (وإن كان لا يهبنا قياسات صالحة فهو يزودنا بدروس تعلمنا في استخراج نماذج) وفق هنري كيسنجر. فإبادة ملايين الفلسطينيين أمر متعذر، كما ترحيلهم، وقد جرب الترحيل عام 48 ولكنه صب الزيت على نار الصراع ليس إلا.
لا مناص من حلول مبدعة أخلاقية تعيد الحقوق وتفضي ( لأخوة حقيقية) كما أشار الرفيق جورج حبش، كما كان الحال على امتداد آلاف السنين.
(فقد تطور الإسرائيليون القدامى من الحضارة الكنعانية) وفق فلنكنشتاين عالم الآثار في جامعة تل أبيب.(الثقافات متمازجة كثيرا، ومضامينها وأحداثها التاريخية متداخلة ومختلطة المولد كثيرا) حسب ادوارد سعيد، ناهيكم عن (أن الوجود اليهودي في فلسطين كان متقطعاً، ولا يمكننا الحديث عن تاريخ واحد بل تواريخ لجماعات متعددة) حسب وجهة نظر اليهودي يعقوب برناي…
كل هذا المسار قبل نشوء الصهيونية المعاصرة التي نجحت في زج أوساط يهودية (في سياق المشروع الاستعماري وتوسعه في الشرق) كما أشار اليهودي الفرنسي مكسيم رودنسون. (إذ لو لم تكن الحركة الصهيونية موجودة لخلقتها بريطانيا لأن لها مصلحة بوجودها ) كما أوضح الزعيم الصهيوني وايزمن. واليوم أصبح الحال (لقد دعمت الولايات المتحدة شأن بريطانيا إسرائيل كحليف للغرب في المنطقة) وفق السوفييتي أوبرين.(فهي كنز وحليف استراتيجي) حسب تصور ريغن، بل وهي تتماهى في بنية العولمة الأمريكية وإمبراطورية الاحتكارات…
إضاءات سريعة على سياق تاريخي
1) تعرضت فلسطين وطنا وشعبا لنكبة كبرى عام 1948، فالتحالف البريطاني الصهيوني الذي تجلى واضحاً في وعد بلفور الذي منح اليهود (وطناً قومياً في فلسطين) ترجم نفسه بموجات من الهجرة اليهودية وإقامة مؤسسات اقتصادية وتعليمية وعسكرية. وكان يدور الصراع بين عقلية رأسمالية أوروبية استعمارية وعقلية فلاحية تقليدية، إلى أن تمخض عن نكبة حلت بالفلسطينيين. فاليهود الذين كانت ملكيتهم من الأرض 5,6% حسب الوثائق البريطانية ونحو 30% من السكان تمكنوا من اقتلاع وتشريد65% من الشعب الفلسطيني واحتلال 78% من الأرض بما عليها من أملاك ومنازل. و…لقد “سرقوا دولة” كما يقول سعيد زيداني، وقطعوا الطريق على “مشروع حداثي” كما يشير عزمي بشارة. وجرى ضم الضفة الغربية لإمارة شرقي الأردن، فيما وضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، وحكومة عموم فلسطين التي تشكلت بعد النكبة لم تصمد أكثر من عام.
هذا المنعطف النوعي هو الجذر والجوهر، وتفريع الجوهر أو جوهرة الفرع لا يعالج الجذر. كأن يقال أن القضية الفلسطينية بدأت عام 67 حينما احتلت التوسعية الإسرائيلية الضفة وغزة وأراض عربية أخرى. فالقضية ترتد إلى مرحلة سابقة، ومعلمها الأبرز التطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطيني عام 48، وأكده قرار الأمم المتحدة 194 الذي دعا صراحة (لعودة اللاجئين وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم). ولم تفتأ 90% من أراضي الفلسطينيين مهجورة، و7% آهلة جزئياً بالسكان، فيما 3% مكتظة حسب الخرائط التي عرضها سلمان أبو ستة على مجلس العموم البريطاني. فالمشروع الصهيوني وإن كان يهيمن على فلسطين فالمجتمع اليهودي يتموضع في 15% من الجغرافيا.
وتكاد تتشابه التطبيقات السياسية الصهيونية في الأراضي التي احتلت عام 67 بسياساتها التطبيقية في الأراضي التي احتلت عام 48، أي الاستيلاء على الأرض واستيطانها. فالمستعمرات اليهودية مقامة على مساحة 6% من الضفة وغزة ناهيكم عن الشوارع الالتفافية، فيما مسطحات القرى والمدن الفلسطينية تبلغ 12%، ناهيكم عن ضم القدس الشرقية التي تبلغ مساحتها 17%، وزرعها بأسيجة استيطانية ناهز عدد سكانها 200الفاً بما يزيد 30الفاً عن عدد السكان العرب. أما الجدار العنصري التوسعي غربي وشرقي الضفة فهو يحاصرها ويجزؤها إلى أربعة معازل جائعة، تتشظى معها السوق الفلسطينية ويصبح كل معزل مرتبط بتجارته وخدماته بالسوق الإسرائيلية أولاً، ناهيكم عن فصل الضفة عن غزة وسلخ القدس بما ينتج عن ذلك من تفتيت للكيان الوطني بعد أن نجح أوسلو في خلق أولويات متناقضة للتجمعات الفلسطينية في الداخل والخارج.
إن المشروع الصهيوني في حالة هجومية ولم ترسم إسرائيل حدودها بعد . (لم تنته حرب الاستقلال) كما قال شارون.
ونتائج أوسلو باتت في غنى عن الشرح، فلم تقد إلى السلام أو الاستسلام، وبات الفلسطيني مستباح على كل الصعد حد الاغتيال الممأسس، والتدمير الاقتصادي المنهجي، وهدم أحياء مدنية ومخيمات تضم آلاف المنازل… أما وتائر مصادرة الأرض فهي أسرع، ناهيكم عن إقامة سلطة مشهورة بإخفاقاتها وفسادها، دون أن تنجح ولو في مرفق واحد(تأسيس تعليم عصري لا يقوم على التلقين والفلسفة البنكية). تلفزيون متطور يجتذب المشاهد الفلسطيني فلا يتوجه للتلفزيون الإسرائيلي. تنظيم الشعب في مجتمع مدني لا إقصاؤه وتفكيك أطره. قضاء مستقل يؤكد على المواطنة المتساوية بدل إنعاش العشائرية والطائفية والجهوية. و ملاحقة الفساد… إعادة هيكلة الموازنة لمواجهة معضلة البطالة التي ناهزت 40% وخط الفقر الذي ناهز50%… ناهيكم عن توحيد الإرادة في خط تحرري واضح الأهداف وتجديد قيادي يلبي متطلبات التنمية الصمودية وثقافة المقاومة و…الخ.
2) تبين الأرقام أن زهاء 5,5مليون يهودي يعيشون على أرض فلسطين الانتدابية، وهذه الملايين تشكل ثلث يهود العالم. مثل هذه النسبة كانت حينما هدم طيطس الروماني سنة 70ق.م الهيكل كما يشير المسيري.، علماً أن هناك فرضيات أخرى تنفي وجود الهيكل في القدس أصلاً.
والعنصر اليهودي هو المهيمن في إسرائيل. فمن ناحية الأرض ( يسيطر على 96%، فالدولة تملك 94% من الأراضي والثروة المائية) كما كتب عزيز حيدر، بعد أن وضعت يدها على ” أملاك الغائبين” أي الفلسطينيين الذين هُجّروا عام48. كما تملك 25% من القاعدة الاقتصادية، وتشغل 25% من قوة العمل، إضافة لما تتلقاه من مساعدات خارجية تناهز 5% من الإنتاج القومي، أما عائدات الضرائب فتصل 45% من الموازنة.
تصل ملكية الهستدروت 25%، وتشغل 25%من قوة العمل، وعضويتها إضافة للعائلات 58% من عدد السكان، وأغلبية التأمين الصحي كما يقول عزيز حيدر.
وعن الملكيات الخاصة الرأسمالية والصغيرة فتشكل 50% من القاعدة الاقتصادية وقوة العمل، بينما كانت تشغل 76% عام 65.
جدير بالذكر أن التحولات الهيكلية في الاقتصاد الإسرائيلي بين سنة 70 و95 قد أدت إلى تراجع الزراعة من 16% إلى 2,4%، والصناعة من 31% إلى 21%، والبناء من 21% إلى 9%، بينما ارتفع قطاع الخدمات إلى 63% تماشياً مع التحولات الرأسمالية العالمية وتناغماً مع عصر العولمة.
بلغ النمو السنوي للاقتصاد الإسرائيلي نحو 10% في الخمسينات والستينات، وزاد الاستهلاك 9%، وأصبح في الثمانينات والتسعينات أقل من 3%، وهو يراوح اليوم ارتباطاً بحالة الاشتباك الانتفاضي.
عن التوزع الجغرافي يشير سلمان أبو ستة إلى أن 85% من اليهود يعيشون على 10% من الأرض، وفيما تستوعب المدينة 80% من السكان فـ 20% يتوزعون على تعاونيات وملكيات زراعية خاصة.
لقد خلق قيام “إسرائيل” أسئلة إشكالية وأجوبة إشكالية. من ناحية لقد سقطت فرضية أن فلسطين أرض بلا شعب، فهي لا تعدو كونها سخافة تنز دماً. و من ناحية ثانية فإسرائيل مؤسسة على إيديولوجية عنصرية وسياسة عنصرية، وكل التجارب العنصرية التي عرفها التاريخ، بل وكان حاملها عنصر قومي قوي بدءاً بالآشوريين… مروراً بالساكسونيين، عرجاً على النازية وصولاً إلى جنوب إفريقيا. فما بالكم (وإسرائيل مؤسسة على هوية إيديولوجية، والهوية الأيديولوجية لا محالة آيلة للزوال، فيما الأيديولوجية القومية مؤسسة على هوية محددة تاريخياً) كما يشير أحمد البرقاوي. فهل تصمد العنصرية أمام وعي البشرية الذي تتلاقح فيه ثقافات تفضي إلى المزيد من الديموقراطية والعدالة الإنسانية؟
من ناحية ثالثة لقد استحدثت القضية الفلسطينية كقضية تحررية جذعها وفروعها ملايين الفلسطينيين الذين تتبلور شخصيتهم أكثر فأكثر إلى درجة يستعصي معها تبديدها أو تطويعها أو شطب مطالبها الجوهرية، سيما العودة والاستقلال، إلى درجة أن يتقهقر راديكالياً وزن القيادات السياسية التي انتهكت هذه المطالب، وأن تنتفض الجماهير الفلسطينية عن مبادئ أوسلو الذي اكتشفت مضامينها من تجربتها الخاصة، وصولاً إلى إخفاقات السلطة المنبثقة عنها…
فأكثر من 9 مليون فلسطيني في الوطن والشتات يتمتعون بقوة الوجود، وطاقة كفاحية لا تنضب، وأحلام لا تفتر للعودة والحياة الكريمة. هكذا عبرت اليهودية شلوميت الوني بالقول (طالما يوجد احتلال توجد مقاومة)، ورأى المؤرخ الإسرائيلي كيمبرلنغ (إن من حق الشعب الفلسطيني استخدام القوة وساذج من يفكر بعكس ذلك).
من ناحية أخري فإسرائيل معادية للتطلعات العربية التحررية والنهضوية والوحدوية، أي معادية للمستقبل العربي والثقافة العربية التي تأبى في نهاية المطاف الاستسلام والإستذلال. مثل هذا العداء إنما يذكي نيران الصراع. الأمر الذي لاحظناه بالعدوان على أراض عربية عام 67، واحتلال بيروت عام 82، والتحالف المكشوف مع الاحتلال الأمريكي في العراق. أما الرهان على تطبيع وتطويع الشارع العربي فهو من قبيل الوهم. فالعرب ينظرون لإسرائيل كجسم نشاز وقاعدة متقدمة للمخططات الإمبريالية، سواء لدوافع قومية أو دينية أو طبقية. ومن هنا نرى أن ربع قرن من توقيع كامب ديفيد مع نظام السادات لم يغير شيئاً من موقف الشارع المصري والمثقف المصري، فليس ثمة مبادلات تجارية أو حركة سياحية إلى “إسرائيل” بل والأغلبية الساحقة ترفض هذه الاتفاقات. والحال نفسه ينطبق على الأردن بعد اتفاقية وادي عربة، أما أوسلو فأغلبية ساحقة من الشعب الفلسطيني تناهضها علانية ولا تلتزم بتوجهات السلطة الفلسطينية. واحتلال نصف لبنان إستولد مقاومة باسلة أدت بقوات الاحتلال بعد عقدين من الكفاح أن تتجرع كأس الهزيمة وتفر مذعورة دون قيد أو شرط، فالجنوب اللبناني أكد قدرة شعب صغير على الانتصار على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية.
وأخيراً لم تشكل إسرائيل حلاً للمسألة اليهودية، فالذين قاوموا انصهار اليهود في الأمم الأخرى ورفعوهم إلى مستوى الأمة قالوا أن انفصالهم في دولة يؤمن لهم السلام مستذكرين اللاسامية والهولوكوست في أوروبا. غير أن إقامة إسرائيل على أنقاض فلسطين لم يؤمن السلام، فسلسلة حروب اشتعلت حتى اللحظة (48، 56، 67، 73) ناهيكم عن 82 وحرب الانتفاضة كما وصفها شامير. بل وبلغت خسائر إسرائيل البشرية في سنوات المواجهات الأخيرة أكثر من أي حرب خاضتها إسرائيل. والأمر نفسه ينطبق على الخسائر الاقتصادية وفقدان الأمن الفردي… وفضاء المستقبل مفتوح على حروب أوسع نطاقاً وأكثر تدميراً ارتباطاً بما بلغته التكنولوجية العسكرية.
وعلى الدوام إن الخسائر الفلسطينية-العربية اكبر، وعلى هذا النحو كانت خسائر الفيتناميين والجزائريين والسوفييت والشعب في جنوب إفريقيا… غير أن ذلك لم يمنع هزيمة الأمريكان والفرنسيين والنازية ونظام الأبارتهايد على التوالي.
ويهود إسرائيل هم أقل من ثلث يهود العالم، أي أن الثلثين امتنعوا عن الانفصال عن الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، وفي أمريكا أكثر مما في إسرائيل، وفي نيويورك أكثر مما في “أورشليم” ونصف مدن إسرائيل.
وما قيل عن الصهيونية كحركة تحرر قومي، وإسرائيل كواحة للديموقراطية، يمتلئ التاريخ بالشواهد والأحداث التي تفضح الطابع الاستعماري العنصري للحركة الصهيونية وتجسيدها المادي إسرائيل، مشروعاً وفكراً وتحالفات وسياسات… وحسبنا التذكير برفض إسرائيل الرسمية والمجتمعية، باستثناء جيوب وأصوات، الاعتراف بالكارثة التي حلت بالفلسطينيين عام48 وحقهم بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، ناهيكم عن السياسة الإحتلالية العنصرية الدموية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة. حتى أن إقامة “دولة يهودية” اصطدم بحقيقة كبرى هي وجود 1,25 مليون فلسطيني فرضت عليهم جنسية إسرائيلية دون أن يعاملوا كمواطنين متساويين ولا ننسى أن 20% منهم هم “غائبون حاضرون” بعد أن اقتلعوا من 39 قرية وتجمع ناهيكم عن أهالي القدس الذين يعترف بهم كمقيمين وحسب.
فمن جهة ليس ثمة فرصة لإقامة دولة يهودية نقية لا في حدود 48 ولا في عموم فلسطين، ومن جهة أخرى لا تستقطب إسرائيل سوى ثلث اليهود.
3) يتكون المجتمع الفلسطيني في الضفة وغزة من 3,5 مليون نسمة ونحو1,25 مليون في 48. أثبتت الهبة المشتركة في أكتوبر 2000 توحدهما حيث امتزج الدم الفلسطيني كما تنامي العلاقات الاقتصادية والاجتماعية رغم إجراءات الاحتلال القمعية وسياسة “فرق تسد”.
والتركيبية الطبقية في الضفة وغزة تشير إلى 5-6% أرباب عمل برجوازيين من أصحاب شركات وصناعات وتعهدات… و30% عاملين في مشروعاتهم الخاصة من أصحاب حرف وتجارة وزراعة… ونحو 15% بين مثقفين وموظفين، وأخيرا 40% عمال مأجورين. أما نسبة المرأة في العملية الاقتصادية فتتراوح بين 10-12%، فيما أغلبية النساء ربات بيوت ويكدحن في العمل المنزلي وغير الرسمي.
وتناهز قوة العمل 800 ألف. نحو 300 ألف دون عمل، و 160 ألف في القطاع الحكومي، منهم 30% في أجهزة أمنية وميليشيات، وحوالي 50 ألفاً في المشروعات اليهودية أغلبيتهم من منطقة القدس ، يتمركزون في ورش البناء، بينما كانوا 150 ألفاً قبل سياسة الأطواق والتجويع، ونحو 300 ألفاً في الاقتصاد الوطني، و30 ألفاً في المنظمات غير الحكومية، و 15 ألفاً في وكالة الغوث .
وتتوزع قوة العمل على 17 % صناعة، و أكثر من 90 % في ورش عائلية وإنتاج بضاعي صغير ، أغلبيتهم تتمركز في الصناعة التحويلية للحياكة والملابس، فيما ينظر لصناعة الحجر كقطاع طليعي .
وهذا حال الزراعة 16%، تكدح الأغلبية في الأرض موسمياً وتعمل كإجراء في قطاعي البناء والخدمات، أما العمال الزراعيون فهم كما البرجوازية الزراعية قطاع محدود ، وهذا حال الفلاحون ، بينما ينظر لشجرة الزيتون كقطاع طليعي . أما الزراعة فتسهم بـ 6% من الإنتاج الوطني .
وأخيراً ، تستوعب ورش البناء 12 % من قوة العمل، والتجارة والمطاعم 18%، والنقل والمواصلات 5%، والخدمات 30% ( دائرة الإحصاء الفلسطينية ) . والتجارة الأساسية مع السوق الإسرائيلية بنسبة 73%، واقل من 2% مع السوق العربية، ونحو 25% مع السوق العالمية .
ويقطن المدن 45%، والمخيمات 16% غالبيتهم في قطاع غزة حيث يشكل اللاجئون 67%، والباقي في أرياف الضفة، ذلك أن قطاع غزة دون أرياف تقريباً .
لقد كان لمرحلة أوسلو أوسع الآثار على البنية الاقتصادية _ الاجتماعية ، ناهيكم عن نتائجها السياسية والثقافية. فقد انخفض الناتج المحلي20% من سنة 1994 و1999 (حسب تقرير الأمم المتحدة) و 30 % بين سنة 1999_ 2003 (حسب البنك الدولي). فيما انخفض نصيب الفرد 30% بين سنة 1994 و2003 . وبلغت الخسائر الاقتصادية نتيجة الإجتياحات والتوغلات وما صاحبها من تدمير منهجي وتقطيع أوصال وأطواق ناهزت 240 طوقاً أكثر من 12 مليار دولار ، والفقر ناهز 60 % من السكان.
ولكن ثمة فئة اجتماعية جديدة انتقلت طبقياً لأعلى و هي الشرائح العليا في القطاع البنكي الذي ناهز الـ22 بنكاً، توزعت على 76 فرعاً بودائع بلغت 4 مليار دولار، جرى تسريب 3 مليارات  منها للخارج . بيروقراطية الآلة وزارات وأجهزة السلطة ، المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً ، وكلاء الشركات الإسرائيلية والأجنبية من الكمبرادور، سيما وان التجارة مع السوق الإسرائيلية ارتفعت من 700مليون إلى 2 مليار دولار سنويا. 40% سلعا بذخية. الجامعات التي تضاعفت قاعدتها الوظيفية ، الفضائيات ومراكز البحث والإعلام … وهذه كلها قطاعات غير إنتاجية، ومداخيل النافذين فيها هي أضعاف رواتب قاعدتها الوظيفية، ومتوسط الدخل في المجتمع بما لذلك من آثار فكرية وسياسية إلى درجة أن يراهن بوش على (المواهب الفلسطينية)، وان يعتبر بيرس ” المصالح الاقتصادية المشتركة أهم من السلام “.
ولكن كل هذه المتغيرات وسواها, ومهما أسفرت دينامياتها فهي لا ترقى لمستوى الحيلولة دون انبثاق إرادة شبابية مقاومة تعيد إنتاج نفسها بألوان وأشكال مختلفة ، وتشبث الأغلبية الساحقة بالحقوق الوطنية وفي المقدمة منها حق العودة. بل وتبخر مؤتمر جنيف وأزلامه قبل أن يجف حبره، وتقابل أية انحناءات سياسية قيادية بفعاليات على الضد منها .
وعن الجماهير الفلسطينية في فلسطين المحتلة سنة 48 فلم تنجح ( فلسفة بن غوريون وبكلمات إسرائيل شاحاك _ التي كانت تقوم على طرد كل الفلسطينيين ) في استئصالهم . فقد صمد نحو 150 ألفاً أصبحوا اليوم 1,25 مليون نسمة. وان إعلان إسرائيل دولة يهودية وتنفيذ مجازر وتطهير عرقي وستار حديدي وحكم عسكري وصولاً إلى وثيقة كينغ للتخلص من العرب وقمع هبة أكتوبر بالحديد والنار … لم تحل دون الزيادة الطبيعية التي تصل 4,2 % سنوياً . فيشكل التجمع الفلسطيني 18% من عدد السكان، ينتشر في 137 موقعاً، بينها 38 مدينة وقرية منفصلة. ولا تخفي أغلبية الثلثين انتمائها الفلسطيني والفلسطيني العربي ( كما يشير سموحة) تشبثاً بالهوية الوطنية نقيضاً للأذدناب بما في ذلك إنتاج تعبيرات سياسية ونقابية متنوعة، وصولاً إلى يوم الأرض، وإسناد الانتفاضة الفلسطينية …
لقد تحول المجتمع الفلاحي الذي كان يعيش 80 % منه على الزراعة إلى البلترة القسرية، حيث يعمل اليوم 60% في قطاع البناء والمواصلات والمطاعم كعمال اجتراء لدى المستعمر، يدفع لهم 50 _ 70 % من أجرة العامل اليهودي، لترتفع البطالة 22% بينما هي 7% لدى اليهود .
لا يملك الفلسطينيون أصحاب البلاد سوى 4% من الأرض، ويستهلكون 2,4%من المياه، ونسبتهم في الجامعات 4%، واقل للقب الجامعي الثاني والثالث، فيما القسط الجامعي يكلف 150 % قياساً بقسط اليهودي ، ويحتل العرب نحو 3% من ملاك الوظائف العليا في وزارة المعارف، و 5% في مهن أكاديمية وعلمية، بينما هي 9% في الوسط اليهودي. ونحو 20% “حاضرون غائبون ” اقتلعوا من قراهم وحل يهود محلهم .
إن مظاهر العنصرية أكثر من أن تحصى … ولكن شعبنا يناضل من اجل عودته إلى منازله وإزاحة العنصرية وتكريس هويته الجماعية كجزء من هوية وطنية اكبر . ورغم الإجراءات لعزله غير آن تواصله وتفاعله مع التجمع الفلسطيني في الضفة وغزة في عد تصاعدي.
تشابك جغرافي – اقتصادي – ديموغرافي
ماذا يرى الذي يلقي نظرة على خارطة فلسطين الانتدابية، اليوم، أي على الجغرافيا من البحر إلى النهر، ومن رأس الناقورة في أقصى الشمال إلى ميناء العقبة في أقصى الجنوب؟ لا يفصلها عائق طبيعي كسلسلة جبال أو نهر أو صحراء.
إنها جغرافيا واحدة يتناسل تنوعها من ذاتها، وتضم الجبل والساحل والصحراء. تتجمع عليها التجمعات السكانية حيث كثافة اليهود أكثر في مناطق وكثافة العرب أكثر في مناطق أخرى، علماً أن ثلث اليهود الإسرائيليين عرباً، وهناك حضور عربي في المناطق الأكثر كثافة يهودية وحضور يهودي في المناطق الأكثر كثافة عربية ، في الشمال والوسط والجنوب و الشرق والغرب، بما يشبه الخارطة السكانية في أوكرانيا حيث 40 مليون أوكراني و11 مليون روسي يتداخلون جغرافياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، والخارطة السكانية في جنوب أفريقيا ذات الثلاثيين مليون اسود وثمانية ملايين ابيض. يتشابك السكان اقتصادياً وجغرافياً، وباتوا يخضعون لنفس النظام السياسي والقانوني بعد سقوط الأبارتهايد، وان كانت كثافة احدهما أكثر في هذه المنطقة أو تلك .
أما على صعيد اقتصادي وخدماتي فالتشابك أوسع مدى بين التجمع الفلسطيني في الأرض المحتلة سنة 48 والبالغ ¼1 مليون والمجتمع اليهودي البالغ ½ 5 مليون، بل ليس ثمة اقتصاد فلسطيني منفصل عن الاقتصاد اليهودي، والسوق واحدة، والعملة واحدة، والنظام الضريبي واحد … تحت الهيمنة العنصرية الإسرائيلية . والتشابك أيضاً قائم بين اقتصاد غزة والاقتصاد الإسرائيلي، وهو أقوى من روابطه مع اقتصاد الضفة ، والعكس صحيح أيضاً ، وأكثر ما يطمح له الفلسطينيون هو تحرير الاقتصاد من الإلحاق واستعادة الأرض المصادرة وتوسيع التبادل مع الاقتصاد العربي، وبالتالي التخلص من المحوطة والإلحاق. وفي السنوات الأخيرة قام الاحتلال بتشظية سوق الضفة، فربط شمالها وجنوبها كما وسطها كل على حدة بالاقتصاد الإسرائيلي، سيما الأيدي العاملة والتجارة وطرق المواصلات والموانئ ، أما القدس فتم سلخها عن الضفة ووشائجها الاقتصادية بالسوق الإسرائيلية هي أقوى من وشائجها مع أسواق الضفة ……
وعن المستعمرات اليهودية (التي كانت) في غزة والتي تضم 8 آلاف مستوطن فهي تسيطر على 40% من مساحته التي تشكل 6% من مساحة الضفة. وعن التجمعات الاستعمارية في الضفة فهي تسيطر على 7% من مساحتها بينما مسطحات المدن والقرى لا تتجاوز 12% ناهيكم عن القدس التي جرى ضمها قانونياً عام 1981، وعملياً بعدما أصبح اليهود أكثر من العرب . علاوة على ما أحدثه الجدار التوسعي العنصري الذي يقع وراءه 40% من مساحة الضفة بما تحويه من خزانات مياه ومواقع أثرية وقرى .
ومعظم شبكات المياه والكهرباء والشوارع الرئيسة في الضفة إنما هي شبكات مشتركة تستخدمها المناطق الفلسطينية والتجمعات اليهودية الاستيطانية ، إضافة لـ 80% من مياه الضفة وضعت سلطات الاحتلال يدها عليها بما يلبي 40% من حاجة المجتمع الإسرائيلي، إلى درجة أن يتجاهل المفاوض الفلسطيني في أوسلو الاتفاق على ” المشاطرة في الثروة المائية “. فبقيت كلها بأيدي السلطات الإسرائيلية ، بما في ذلك نهب مستودع المياه في مواصي غزة الذي تستولي عليه المستعمرات اليهودية ويفقد بدأب احتياطه الاستراتيجي ، أما شركة الكهرباء في غزة فهي إسرائيلية بالكامل.
قصارى القول، ليس ثمة إمكانية لفصل المجتمع الفلسطيني العربي في الضفة وغزة و الـ 48 عن المجتمع اليهودي في نفس الجغرافيا ، فتداخلهما يمنع من القول هذا ملعبنا وذاك ملعبكم ، وها هو حيزنا بما يحويه من اقتصاد ديموغرافي بمنأى عن حيزكم المكاني بما فيه من اقتصاد وديموغرافيا. لقد فرضت معطيات الواقع نفسها، ولا يمكن اجتثاثها، نظرياً، إلا بإبادة احد الطرفين أو إقصاء احدهما من المكان والزمان وارتكاب مجازر مروعة وتطهير عرقي لا يبقي ولا يذر ، الأمر الذي لا تدعو له هذه الورقة . فقد جربت المذابح والتطهير العرقي عام 48 لعل الشعب الفلسطيني ” يتحول لغبار الأرض ” كما تمنت الخارجية الإسرائيلية ، غير أن ذلك تحول لغبار وانبثق الفلسطيني من تحت رماد النكبة، بل واكتسب هوية كفاحية في سبيل قضية عادلة. أما توقيع اتفاقات سياسية مع قيادات عربية ( كامب ديفيد , أوسلو , وادي عربة ) فالأمور لم تتقدم أكثر من ذلك . فالشارع المصري كما المثقف المصري رفضاً التطبيع والحال نفسه يقال عن الأردن .. أما الشعب الفلسطيني فلم يسقط راية النضال ولم يتبق من أوسلو سوى أرباح الاحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى استباحة الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة إلى درجة الاغتيال الممأسس لأكثر من 400 كادر، وبناء الجدار التوسعي الذي يحول الضفة إلى أربعة معازل متشظية وجائعة … ومثل هذه السياسات الاحتلالية العنصرية لن يكتب لها النجاح ، فهي اعجز من شطب الوجود الفلسطيني وما يستولده من إرادة مقاومة تتطلع نحو أهداف أصيلة وجوهرية.
ومساعي الأسرلة للتجمع الفلسطيني في الأرض المحتلة سنة 48، والأردنة للتجمع الفلسطيني في الأردن، والتفكيك للتجمع الفلسطيني في الأرض المحتلة سنة 67، والتيئيس والتوطين في الشتات، إنما تصطدم بعناصر الهوية والذاكرة التاريخية والحلم المشترك وموجات النضال التي لا تتوقف . فخداع حد الفجيعة الادعاء أن اليهود الذين يجري تجميعهم من أرجاء العالم هم بنية واحدة أما الشعب الفلسطيني الذي فتته الغزو الصهيوني في الأمس القريب ويوحده سياق تاريخي مديد لم يعد بنية واحدة ، وكأن الرغبة الإسرائيلية قادرة على إلغاء حقائق الحياة .
و إنها العنصرية الصهيونية التي تنكر الآخر وتستولي على حقوقه بما يؤجج أو يعيد إنتاج الحرب والكراهية من جديد .
ثمة عنصرية صهيونية، سياسية، أيديولوجية، تجثم على صدر فلسطين شعباً ووطناً، وهي في سياق رفضها الاعتراف بما حل بالفلسطيني من نكبة ومذابح وتنكيل إنما تؤكد فشلها في تحقيق مشروعها الذي يشترط ( ارض بلا شعب ) هذه المقولة الخرقاء التي ابتكرها البريطانيون وكررها هرتزل بعدهم بعشرات السنين .
بات اليوم عسيراً الدفاع عن النزعة الانغلاقية في زمن التفاعل الحضاري بين الثقافات، ناهيكم عن العولمة وما يرتبط بها من احتكارات متعدية الجنسية تتجاذب فيها الطبقات العليا، وعولمة بديلة تتجاذب فيها الطبقات الشعبية في ظل دورة علمية تتضاعف فيها معارف البشرية كل سبعة أعوام … فحركة الحياة تنبذ موضوعياً العنصرية وتناهض آليات النظام الاستعماري باحتلال أراضي الغير … ومثلما سقطت الشوفينية والعنصرية تاريخياً ، فسوف تسقطان في الزمن الراهن دون تماهل سيما وإيقاع الحياة يتسارع بتواتر .
ثمة عوامل إضافية تنتصب في وجه الفصل الإقليمي علاوة على التشابك الواقعي الذي أسلفناه :
1. المرجعية الفكرية الفلسطينية العربية التي تنظر لفلسطين كأراض عربية استناداً إلى التاريخ والجغرافيا بما هو أساس للرفض الشعبي العربي الاعتراف بإسرائيل التي يراها جسماً نشازاً غريباً يؤدي وظيفة استعمارية تحول دون توحيد الأمة العربية . كما المرجعية الفكرية العنصرية الصهيونية التي نجحت في استقطاب ملايين اليهود فترفض تقسيم فلسطين أو مجرد الانسحاب إلى حدود سنة 67. ولئن كانت القيادة الصهيونية قد اعترفت لفظياً بقرار التقسيم سنة 47 فما لبثت أن نسفته باحتلال معظم فلسطين دون أن ترسم حدود إسرائيل لهذا اليوم، ووفدها في مفاوضات باريس عام 1919 تقدم بخارطة تشمل فلسطين الانتدابية بما في ذلك نهر الليطاني.
ومعلوم أن توصيات لجنة بيل بتقسيم فلسطين عام 37 قد تبخرت ، ومن قبلها أخفقت تقسيمات الدولة العثمانية (لواء الشمال واتبع بيروت , لواء نابلس ومناطق أردنية، سنجق القدس وغزة واتبع اسطنبول) أنظر عصام سخنيني (فلسطين الدولة ). ومن قبل لم يصمد تقسيم فلسطين بين العباسيين والإخشيديين، ففلسطين وحدة إقليمية واحدة بصرف النظر عن تضييق أو توسيع حدودها . فوحدتها الإقليمية إنما تنسجم مع وحدة روح تاريخها .
2) انتشار أكثر من ¼ 1 مليون فلسطيني في أرض 48 ونحو 400 ألف يهودي في الضفة الغربية ، في نمو مضطرد بما يتعذر معه أي فصل إقليمي عرقي، والأمر نفسه ينسحب على القدس الشرقية ناهيكم عن حقوق الفلسطينيين في القدس الغربية .
3) إن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والعودة ليست حقاً فردياً وجماعياً أو حلماً وطنياً فقط، بل وضرورة سياسية لتسوية الصراع، وهي أداة تحرير المجتمع اليهودي من العنصرية الاستعمارية التي وضعته في عداء مع المنطقة لعودة التداخل، وتقطع الطريق تماماً على الفصل الإقليمي .
4) هيمنة المشروع الصهيوني على عموم فلسطين وفي كافة الميادين، بما يخلقه ذلك من وقائع في عموم فلسطين، اقتصادية وديموغرافية وخدماتية ، كما تزايد الترابط بين التجمعين الفلسطينيين في الأرض المحتلة سنة 67 و 48، وتنامي استعدادات النضال المشترك ضد الهيمنة العنصرية والإقصائية في ترابط وثيق مع نضال التجمع الفلسطيني في الشتات في سبيل العودة والحرية والكرامة .
ما العمل ؟
لقد اختبرت المنطقة عشرات المشاريع التسووية ومشاريع النظم والطبقات الحاكمة ، ولكنها أفضت إلى مزيد من الكوارث والحروب، و ذلك أنها أدارت الظهر لحقائق التاريخ والجغرافيا . هذه الحقائق التي تقطع بالقول أن الجماعات اليهودية قد عاشت بين ظهراني المجتمع العربي والفلسطيني. وبميلاد الفكرة الصهيونية التي مهدت لولادة الحركة الصهيونية، تناغماً مع المخططات الاستعمارية الأوروبية ، بدءاً بحملة نابليون الفرنسية سنة 1799 , ودعوات الخارجية البريطانية بعد هزيمة مشروع محمد علي سنة 1840 ، مروراً بالخرائط الملكية البريطانية تزامناً مع ذبح ثورة عرابي سنة 1881، بما شملته من مواقع استيطانية أقيمت بعد عشرات السنين وصولاً إلى مؤتمر بازل وعقد المؤتمر الأول للصهيونية سنة 1897 .. . كلها مهدت ودعت للهجرة الاستعمارية اليهودية وإقامة دولة صهيونية في فلسطين . هذه العملية التراكمية الاستعمارية الاستيطانية حملت معها في ذات الوقت نكبة كبرى للفلسطينيين .
وعليه، فالخطوة الانعطافية التي تشكل بداية لاستئصال أسباب الصراع هي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، فهم المادة الأساسية لحركة التحرير الفلسطينية والحلقة المركزية في البرنامج الوطني الفلسطيني، بما يتطلبه ذلك من السلام في المنطقة يخدم العديد من الأطراف الدولية، مثلما أن الكارثة التي حلت بالفلسطينيين سببتها العديد من الأطراف الدولية .
وما الحماية الدولية المؤقتة للاجئين والفلسطينيين الذين يجثم على صدرهم الاحتلال  إلا خطوة انتقالية في هذا الدرب الطويل. بما يستدعيه ذلك من صمود فلسطيني وبناء مجتمعي شامل ومقاوم في إطار عملية نضالية مديدة تترابط جدلياً بنضال شعبي عربي.
من شأن العودة تصحيح خطأ تاريخي وفي ذات الوقت خلق مناخات ثقافية وسياسية جديدة تشهد على تحرير المجتمع اليهودي من العنصرية واستعداده للعودة للشرق والتفاهم مع العرب كما تدعو أصوات يهودية، وفي تجربة جنوب إفريقيا نموذجاً مرشداً، إذ بعد انهيار النظام العنصري وتحقيق المساواة القانونية بين المواطنين تشكلت لجنة لفض المنازعات العقارية وإعادة الأملاك لأصحابها. وقرار الأمم المتحدة الصادر سنة 194 إنما ينص صراحة على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم.
إن التسوية الجارية قد وفرت للمشروع الصهيوني الغطاء لمزيد من التوسع والهجوم، وكل ما يقال عن دولتين لا يعدو كونه وهماً وخداعاً يكرس إسرائيل التوسعية العنصرية بما يصاحبها من استباحة وتقتيل جماعي من جهة، وتسمين مستعمرات ومصادرة أراض من جهة أخرى. ومسيرة أوسلو ونتائجها هي خير شاهد. لأن ما تبقى من أراض لا يتعدى 10% من عموم فلسطين، دون قاعدة صناعية زراعية حديثة تؤمن فرص عمل للفلسطينيين، وهي متشظية علاوة على انفصال “الضفة” عن “غزة”،تفتقر للمؤسسات مثلما تفتقر للسيادة، أي أنها دون الحد الأدنى من مقومات الدولة.
أما المقصود “بدولة فلسطينية” في مشروع بوش، ومن قبله حزب العمل وشارون، فهو فقاعة هوائية، أو بصورة أدق معازل جائعة ملحقة بالسوق الإسرائيلية (ليسموها إمبراطورية) حسب ما قال بيرس، يجري تسييجها بأسوار استيطانية وجدران عنصرية يفصل شمالها عن جنوبها القدس التي جرى ضمها قانونياً وعملياً، تتباعد “بقايا الضفة” عن “غزة”، بما لذلك من استحقاقات أمنية، ومقايضة على حق العودة، فيسوق عالمياً: لقد وصلنا إلى حل “للعقبة الكأداء” فيضمن ذلك أغلبية يهودية في إسرائيل أو إسرائيل يهودية… أي أن الحديث الذي يدور عن إدارة أزمة لا حل أزمة تمكن المشروع الصهيوني من احتواء النضال الوطني وحصد انتصار ثالث، بعد (انتصار إقامة الدولة عام 48 وانتصار إتفاق أوسلو) بتعابير بيرس.
فاللهاث وراء دولة وهمية قاد لأوسلو بنتائجه الكارثية. فهناك شرائح ونخب فلسطينية تجد مصالحها الضيقة باسترضاء أمريكا. مرة بتوقيع أوسلو ومرة بتوقيع جنيف ومرة بالتهيؤ للتعاطي مع مشروع شارون لفك الارتباط بغزة على ضبابية حدوده ومضامينه واستحقاقاته الأمنية والسياسية، بما في ذلك إطلاق أيدي الاحتلال في الضفة، متجاهلة معاني سياسات شارون وموفاز على الأرض بتشريد آلاف العائلات الفلسطينية وهدم بيوتها في جنوب وشمال غزة، ناهيكم عن إطلاق شهية القتل اليومي والاغتيال الممأسس والجدار…
إن ما يتراكم على الأرض من حقائق متنامية يجعل من شعار الدولتين محض خداع وتخدير للوعي الفلسطيني يسيل عليه لعاب بعض الدوائر التي تتطلع لمكاسب شخصية على حساب القضية الوطنية وأوضاع الجماهير التي تتدهور بانتظام بعد أن أقصيت عن الفعل السياسي، ولا تسمع القيادة لأوجاعها ومطالبها، فانكفأت دون هدف سياسي يقودها.
إن شعار الدولتين مدخل كاذب لحل كاذب
أما خط السير البديل الذي كان يمكن أن تقلع فيه القاطرة الفلسطينية، فهو يجمع بين الخط التحرري الذي يحافظ على الاشتباك مع العدو بوتائر تتناسب مع إمكانات الشعب ومتطلبات نضال طويل الأمد، فلسنا في ربع الساعة الأخير لكي نرمي بقدرات الشعب في معركة واحدة، وفي ذات الوقت تعليم عصري تحليلي، مشروع ثقافي توحيدي مقاوم، تنمية اقتصادية-اجتماعية، قضاء مستقل، محاربة الفساد المتنوع، بناء مجتمع مدني… أي كل ما من شأنه أن يرسخ البنية الفلسطينية فتصبح عصية على الاختراق والتفتيت والتيئيس وفرض الحلول الاستسلامية…
وعلى الدوام المطالبة بحماية دولية مؤقتة، تمهيداً لدحر الاحتلال في سياق النضال الدؤوب لتطبيق القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين و…
إن العودة هي المقدمة الكبيرة لحل جذري للصراع يفضي إلى دولة واحدة بمجتمعين متداخلين ومنفصلين.
إن الدولة المشتركة بمثابة هدف إستراتيجي وطموح بعيد المدى، مثلما أنه فكرة موجهة للعمل تتماشى مع حقائق التاريخ والجغرافيا. ففلسطين كانت على الدوام متعددة العناصر والثقافات، وقد أخفقت كل محاولات تقسيمها، مثلما أن تشريد شعبها الأصلي ومحاولة صهينتها تصطدم بمقاومة فلسطينية لا تخبو وعداء المحيط العربي والإقليمي. فتحرير فلسطين جاء مرة على أيدي الجزيرة في زمن عمر بن الخطاب ومرة على أيدي التحالف المصري-السوري بقيادة صلاح الدين، ومن بعدهم حرر المصريون غزة والخوارزمية الإيرانيون القدس في القرن13.
وتأسيسا عليه:
أتقدم بالمقاربة التالية إتكاءاً على ما أسلفنا من تعذر التقسيم الإقليمي أو شطب حق العودة أو إقامة دولتين، فلعلها تفتح آفاقاً جديدة، وتتحول لمركز استقطاب في آن. ولا مدعاة للتطرق للخطوات والخطط الانتقالية وإنما الذهاب بعيداً للتصور الذي يعيد السلام ويحقق (أخوة إنسانية حقيقية) كما أشار جورج حبش.
ما نسوقه صيغة تجمع الوحدة والتناقض في آن، حال أية ماهية أخرى، جدلية، تراكم دينامياتها بتدرج ودأب كعملية تاريخية، يستدعيها فيما يستدعيها فشل الصيغ الأخرى وضرورة استنطاقها واستخلاص دروسها وإطلاق الخيال لإبداع جديد. ورهاننا الأول ليس على معطيات الواقع فقط بل وعلى ممكنات التاريخ الأوسع أيضاً.
إذ رغم الطابع التناحري المستعر اليوم وما توالد عنه من اقتلاع وعذابات وبحر من الدماء، ثمة أصوات ثقافية وسياسية فلسطينية/عربية ويهودية/إسرائيلية تدعو لدولة ديموقراطية يعيش فيها الفلسطينيون واليهود جنباً إلى جنب. وثمة تأييد شعبي لا يستهان به أيضاً: ففي استطلاع أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال في 11/ 2001 أيد 18% من اليهود الإسرائيليين لدولة واحدة و 18% من فلسطينيي الـ 48 و 20 % من فلسطينيي الضفة وغزة ،بينهم 21% في الضفة و18 % في غزة. بينما أيد حل الدولتين 70% من يهود وعرب الـ 48 و 47 % من فلسطينيي الضفة وغزة . ..
أما في استطلاع 11/2003 فقد أيد 25% من فلسطينيي الـ 67 حل الدولة الواحدة، منهم 21% في الضفة و32% في غزة , فيما أيد 51 % حل الدولتين منهم 60% في الضفة و38% في غزة.لهذا فإن دولة واحدة بمجتمعين منفصلين ومتشابكين الذي هو الهدف والشعار المحرك، تبقى حبراً على ورق وأفكار إشكالية مفعمة بالنواقص طالما لا تصنعها الإرادة الإنسانية. فالإرادة الجماهيرية هي الحامل لها وهي وحدها القادرة على تطبيقها وتطويرها وتصويبها واستصوابها في غمرة الممارسة الحية. أما اليوم فهي مجرد حلم. وأعظم الأهداف بدأت بحلم. ولئن جاء نجاح المشروع الصهيوني العنصري ربحاً للمخططات الاستعمارية وكارثة للتحرر الفلسطيني، ساعد في ذلك عوامل عدة، فالمطلوب مشروع تحرري أخلاقي يحقق سلاماً وعدالة للمجموع الشعبي في آن، تساعده عوامل مغايرة.
إن الوضعية الراهنة هي أفضل وصفة لإعادة إنتاج الصراع والدوران في حلقة مفرغة. فلا الفلسطيني بإمكاناته وظروفه يهزم الإسرائيلي، ولا الإسرائيلي بما يتمتع به من تفوق، يفرض الاستسلام على الفلسطيني. وكسر الدائرة يستدعي خياراً جديداً ونضالاً جديداً يمثل مصالح الطبقات الشعبية وعلى الضد من الطبقات العليا. والخيار ناظم وضابط للتكتيكات (فلا ينتهك التاكتيك الإستراتيجية ولا تنتهك السياسة الإيديولوجيا) جورج حبش.
ولما كان الصمود هو المطلب الملح اليوم فإن عودة اللاجئين هي الحلقة المركزية مهما طال الزمن، بما يمهد للصيغة الجديدة… دولة واحدة على الأسس التالية، وهي أسس متحركة…
1-    الخارطة: دولة واحدة في عموم فلسطين الانتدابية من البحر إلى النهر ومن إيلات إلى رأس الناقورة.
2-    المكون الاجتماعي: تتكون من مجتمعين مدنيين فلسطيني/عربي ويهودي/إسرائيلي يجمعهما الانتماء للدولة ونظامها السياسي والقانوني وما يسري على الجماعة يسري على الفرد.
3-    المبنى يقوم على الجمع بين المستوى الجماعي و المستوى الفردي بما يكفل التعبير عن الهوية الجماعية الثقافية و المدنية و كذا المواطنة المتساوية لأفراد أحرار لهم حرية الاختيار دون تمييز عرقي أو ديني أو جنسوي. و يمكن توزيع فلسطين إدارياً على كانتونات و بلديات لكل منها إدارة مدنية بما يشبه حكومات محلية فيها المختلط و غير المختلط في إطار وحدة إدارية مركزية للدولة.
4-    النظام السياسي: يقوم على الديمقراطية و التعددية التي تؤمن وحدة البلاد و تبادل السلطة سلمياً، و فصل السلطات و استقلال القضاء و مجلس نيابي منتخب للجميع و حكومة للجميع و قوانين ناظمة للجميع إلخ… و تتولى الحكومة إدارة الشؤون الخارجية، الدفاعية، العامة بما ينسجم مع قوانين البلاد. يجري تشكل رقابة الدولة وهيئة تحكيم قانونية نزيهة لفض المنازعات ذات الموروث العرقي.
5-    ثقافياً: تقوم على التعددية و احترام ثقافة و دين الآخر، القيم الخاصة، المؤسسات الثقافية الخاصة جنباً إلى جنب مع نشوء ثقافة ديمقراطية للجميع و قيم للجميع و مؤسسات ثقافية للجميع.
6-    اللغة: تعترف الدولة بلغتين رسميتين، بما ينعكس في التعليم، الإعلام الدوائر الرسمية. و فسح المجال لمدارس تدرس الدين و مدارس تدرس الفلسفة و الأخلاق، كما الحال في بلجيكا اليوم، و تدريس التاريخ بموضوعية.
7-    الملكية الاقتصادية: تقوم على الجمع بين الملكية الخاصة، الملكية التعاونية، ملكية الدولة التي يستفيد منها الجميع دون تمييز، رأسمالية الدولة في كافة الميادين مع الحرص على العدالة الاجتماعية… كل هذا يتأتى بعد استيعاب اللاجئين الفلسطينيين.
8-    الدولة والجيش: إعادة تشكيلهما بما يلائم الوضع الجديد و تثقيف الجيش على أسس جديدة تنطلق من وحدة البلاد و الثقافة المدنية، وقانون خدمة العلم يشمل الجميع، أما الجهاز الشرطي فثمة شرطة عامة للدولة وأخرى للوحدات الإدارية المحلية.
9-    الدين: تأمين حرية العبادة و أماكن العبادة كما حرية الاختيار و الاعتقاد. فالمعيار الذي يحاكم به الإنسان هو سلوكه الأخلاقي العملي، أي دوره في الحياة و التزامه بالمرجعيات القانونية.
10-    قانون الزواج: تؤمن الدولة شكلي الزواج و الطلاق الديني و المدني بما يتطلبه المحاكم دينية و مدنية على حدٍ سواء في إطار توفير قضاء مشترك و قضاء خاص.
بداهة إن دولة من هذا القبيل تقيم أوسع العلاقات البناءة مع المحيط العربي، والابتعاد التام عن المركز الإمبريالي، بما تطلبه من حامل اجتماعي شعبي يتجاوز صيغ الأمس.
*  لمزيد من التفاصيل يمكن العودة لمؤلف: “التسوية الجارية إدارة أزمة أم حل أزمة-رؤيا جديدة” أحمد قطامش
* ملاحظة من المحرر: لقد جرى  اختصار الدراسة من خلال اقتطاع  فقرات من الجزء التاريخي.

من أجل فلسطين حرة ديمقراطية

حركة أبناء البلد

لا توجد حدود لجرائم الحرب التي يرتكبها النظام الصهيوني العنصري خلال حملته التي تمتد على مدار أكثر من قرن في محاولة إقلاع الشعب الفلسطيني. في عالم تسيطر علية الإمبريالية الأمريكية المعولمة، والتي تدعم الجرائم الصهيونية بشكل مطلق، لا يجد الفلسطينيون أي مكان لحماية أنفسهم. كل ما يملكون هو المقاومة بأياديهم العارية وصمودهم في وجه ماكينة الحرب الإسرائيلية. لقد خلقت الانتفاضة الشعبية، والتي تدفع الجماهير الفلسطينية ثمنها الغالي بحياتها ومعاناتها وتدمير بلدهم، أزمة للنظام العنصري ومخططاته لتثبيت وإدامة الاحتلال. هذا هو الوقت لإظهار بديل إيجابي للحرب والتدمير المتواصل الذي تمارسه الصهيونية، هذا هو الوقت لشق الطريق نحو فلسطين حرة ديمقراطية.
الجوانب المتعددة للعنصرية الصهيونية
التطهير العرقي
منذ بداية الاستعمار الصهيوني لفلسطين، كان هدف الصهيونية الأساسي طرد الشعب الفلسطيني، أهل فلسطين الأصليين، لكي تقيم دولة يهودية. في عام 1948، وبمساعد الإمبريالية العالمية، حقق الصهاينة خطوة أساسية نحو تحقيق هدفهم — لقد طردوا معظم أبناء الشعب الفلسطيني، دمروا بشكل نهائي ما يزيد عن 500 قرية وبلدة — هذه هي النكبة الفلسطينية. لقد أقامت الصهيونية نظام عنصري معادي للعرب على 80% من أرض فلسطين. في عام 1967 أتمت إسرائيل مخططها العدواني حيث فرضت سيطرتها على كامل فلسطين، دمرت العديد من القرى الإضافية وهجرّت مجدداً مئات الآلاف من الفلسطينيين. في عام 1967 قامت إسرائيل أيضاً باحتلال هضبة الجولان السورية وطردت ما يقارب الـ 200000من سكانها.
ولكن تنفيذ مخطط التطهير العرقي لم يكن فقط من خلال الحرب والاحتلال، فمنذ إقامتها عام 1948 ما زالت إسرائيل منهمكة في مخطط منهجي لمصادرة أراضي وممتلكات العرب الذين صمدوا في أرضهم رغم النكبة. لم تتوقف يوماً ما عن مصادرة أراضيهم وتدمير بيوتهم من أجل إقامة مستوطنات يهودية على أنقاضها، حيث حولت حياتهم إلى جحيم في محاولة إرغامهم على الهجرة خارج البلاد. أما في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين منذ عام 1967 فحملة المصادرة الشرسة وإقامة المستوطنات اليهودية فوق الأراضي الفلسطينية لم تتوقف حتى عندما كانت إسرائيل تتكلم عن السلام وتتفاوض مع الفلسطينيين. هذه الحملة المتواصلة من التطهير العرقي تصل الآن قمة جديدة مع بناء الجدار الفاصل على مئات الكيلومترات من أراضي الضفة الغربية، حيث تم حصر الفلسطينيين في كانتونات معزولة وحرمان مئات الآلاف منهم من أراضيهم، أماكن عملهم، مستشفياتهم، مدارسهم، عائلاتهم وكل ما يحتاجونه في حياتهم اليومية.
الاحتلال والفصل العنصري
يقوم الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة بممارسة أبشع أشكال الفصل العنصري. تحت الادعاء بأن هذه المناطق ليست مُحتلة بل مناطق “متنازع عليها” يرفض الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك جميع الهيئات الصهيونية، الاعتراف بالحقوق الأساسية لسكان هذه المناطق المحتلة التي يضمنها القانون الدولي. في حين يخضع الفلسطينيين لوحشية الحكم العسكري، فقد يتمتع المستوطنون اليهود في نفس المناطق، كمواطنين إسرائيليين، بحقوق كاملة ويقفون فوق القانون في مجهودهم المتواصل للاستيلاء على المزيد من الأراضي العربية.
العنصرية في أساس النظام
الطابع العنصري للكيان الصهيوني مدموغ في طبيعة إسرائيل كدولة يهودية تابعة “للشعب اليهودي” في جميع أرجاء العالم. بناءاً على ذلك، فإن العرب أهل البلد الأصليين بما فيه من يعيشون في المناطق المحتلة عام 1948 ويحملون الجنسية الإسرائيلية يتم التعامل معهم من قبل النظام على أنهم “خطر ديموغرافي” وعدو داخلي. القانون الإسرائيلي يضع هذا “الطابع اليهودي” فوق ادّعاءاته الديمقراطية، حيث أنه يمنع الأحزاب التي ترفض هذا التعريف العنصري من خوض انتخابات الكنيست الصهيوني.
العنصرية ليست محصورة في المحاولة المستمرة لمصادرة الأراضي العربية، بل إنها تشكل المضمون الداخلي لجميع مؤسسات الدولة، من وزارة الداخلية، إلى الشرطة، وصانعي القرار في التنمية الاقتصادية، والصحة ووزارة التربية. منذ إقامتها عام 1948 لم تبنِ إسرائيل مستشفاً واحداً في المناطق التي يقطنها العرب، وما زالت تمنع إقامة جامعة عربية أيضاً.
تلعب الشركات المحلية والعالمية التي تعمل في إسرائيل دوراً فعّالاً في تطبيق الممارسات العنصرية. معظم الشركات لا تُشغل العرب، وإن فعلت ذلك فهم غالباً ما يقومون بالعمل اليدوي فيها. معظم الشركات تدفع باتجاه العمل في الأراضي العربية المصادرة بما يضمن لها الإعانات الحكومية التي يتم منحها لمن يساهم في عملية “التهويد”.
إسرائيل رأس الحربة في الإمبريالية المعادية للعرب
منذ نشأتها اعتمدت الحركة الصهيونية على تحالفاتها مع القوى الإمبريالية الغربية ضد تطلعات الشعب الفلسطيني للتحرر والتطلعات العربية في الدول المجاورة . منذ عام 1948 فقد أكدت إسرائيل دورها كأداة في يد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تربطهما اتفاقيات “تعاون إستراتيجية” تضمن تفوق إسرائيل الإستراتيجي على أي تحالف عربي ممكن. وهذا يتطلب عسكرة إسرائيل بالكامل، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل المعفاة من المراقبة، كتهديد متواصل لأي حركة معادية للإمبريالية في العالم العربي وما بعد. كما يستدعي ذلك تدخل أمريكي-إسرائيلي متواصل بهدف شرذمة وضرب أي محاولة لتحقيق الاستقلال والتنمية العربية، بما يضمن تفوق إسرائيل ونهب أمريكا المتواصل لمصادر المنطقة وعلى رأسها النفط.
هذا التحالف المعادي للعرب بلغ ذروته في الآونة الأخيرة، عندما قدمت إدارة بوش والكونغرس الأمريكي التزامها ليس فقط لتبرير التطهير العرقي في عام 1948 وحق إسرائيل في منع اللاجئين من العودة إلى ديارهم كي تحافظ على طابعها اليهودي، ولكن أيضاً دعم وجود المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية كأمرٍ واقع. إنه هذا التحالف الأمريكي-الصهيوني الذي ينشر الأكاذيب حول أسلحة الدمار الشامل في العراق والذي مهد الطريق أمام الولايات المتحدة لاجتياح واحتلال العراق كجزء من إستراتيجيتها لتدمير أي تطلع عربي نحو الاستقلال.
الحل الديمقراطي
إن الأساس لأي حل للمعاناة الطويلة والدمار الذي أحدثته الصهيونية هو إعادة الحق المستلب من ضحاياها لهم. يعتبر التطهير العرقي من أهم العوامل في ممارسات الصهيونية العنصرية، حيث بموجبه تم تدمير حياة معظم أبناء الشعب الفلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين. يشكل حق العودة الحق الجوهري بالنسبة للاجئين الفلسطينيين – إنه حق فردي وقومي في العودة إلى بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم. لهذا علينا مقاومة العنصرية الصهيونية وجميع أساليب الاضطهاد التي تفرضها. يجب وقف الاحتلال ويجب تفكيك الجيش والشرطة العنصريين. حريات التعبير الديمقراطية، وحرية التنظيم والعمل السياسي يجب أن تعاد لجميع التيارات السياسية المناهضة للعنصرية. يجب تحريم التمييز العنصري وتفكيك جميع المؤسسات العنصرية.
من حق الشعب العربي الفلسطيني، والذي تم طرده من أرضة وملاحقته على مدار أكثر من مئة عام، إحقاق التحرر والاستقلال. لا يمكن تحقيق ذلك إلا في دولة فلسطين الحرة الديمقراطية على كامل أرض فلسطين التاريخية. دولة فلسطين الحرة الديمقراطية ستضع حداً للتمييز والاحتلال والحروب وستوجه مجهودها نحو استيعاب اللاجئين، مساعدتهم في إعادة بناء حياتهم، وبداية مرحلة جديدة من الأمان والتطور للجميع.
هذا هو أيضاً الحل الإيجابي الوحيد لليهود في فلسطين، حيث تستعمل الصهيونية الجماهير اليهودية كأداة في توسعها ومؤامراتها الدموية. يحصل اليهود في فلسطين على مجموعة من الامتيازات لدعمهم النظام ولكنهم يدفعون ثمناً عالياً مقابل ذلك، تزج بهم الصهيونية في حالة صراع متواصل وحرب ليس فقط مع الفلسطينيين ولكن مع الأمة العربية بمجملها. في حين تحصد الإمبريالية الأمريكية أرباحاً عظيمة من سيطرتها على المشرق العربي، فإن الجماهير اليهودية تدفع الثمن بدمها وأمنها الاقتصادي مقابل مغامرات قيادتها العنصرية التي تقدم الخدمة للإمبريالية. إن الانخراط في النضال الفلسطيني ضد الصهيونية العنصرية من أجل التحرر الوطني، هو الطريق الوحيد أمام اليهود الذين يرغبون في العيش بسلام في فلسطين، حيث لا بد لهم من الانفصال عن مصيدة الموت الصهيونية وتحقيق اندماجهم في العالم العربي الديمقراطي مستقبلاً.
تقييم نقدي للحلول المقترحة
يقوم النظام الإسرائيلي بمجهود ضخم لتكريس العنصرية والاحتلال، حيث يعتمد بشكل صارخ على القوة العسكرية والدعم من الإمبريالية لمواصلة الاضطهاد الدموي للشعب الفلسطيني، وهو بهذا لا يترك للفلسطينيين إي خيار سوى المقاومة. من خلال رفضه لحق العودة للاجئين ومواصلة السياسة العدوانية فإن النظام الإسرائيلي لا يقود إلا لمزيد من المعاناة والحروب.
الإمبريالية الأمريكية تحاول استثمار العدوان الإسرائيلي من خلال ما يدعى “العملية السلمية”. إسرائيل تعتدي على العرب الذين يتوسلون بدورهم للإدارة الأمريكية، وطبعاً مقابل ثمن باهظ، “للتوسط” من أجل “الحد” من اعتداءات إسرائيل. في الحقيقة، إن الأنظمة العربية تدفع ثمن العدوان الإسرائيلي المتواصل، حيث تقوم الولايات المتحدة بالتمادي في استغلالها للعرب والهيمنة عليهم من خلال دعمها لإسرائيل. هذه الحالة المتواصلة من “إدارة الصراع” مربحة جداً للولايات المتحدة، حيث لا توجد غرابة في دعم الإمبريالية الأمريكية للعدوان الإسرائيلي الصارخ.
في هذا السياق من العدوان المتواصل، كل ما يحتاجه النظامين الأمريكي والإسرائيلي في العملية السياسية هي إيجاد عملاء فلسطينيين وعرب يساعدوهما في ضمان استمرارية ودعم احتلاليهما. لقد فشلا حتى هذه اللحظة في ضمان أي شكل من الاستقلال والكرامة للشريك العربي المقترح، ولذلك فشلا في إيجاد أي عنصر جدّي على استعداد لأن يلعب هذا الدور المرسوم له.
أما ما يدعى زوراً “اليسار الإسرائيلي” بزعامة “حزب العمل” الرأسمالي وحزب “ميرتس” االنخبوي (والذي تم تسميته حديثاً “ياحاد”)، فقد شارك دائماً في حكومات الاحتلال وقادها في الأوقات التي كان بها قوياً بما يسمح له بذلك. إنه يتبنى نفس سياسة التمييز العنصري وإقامة المستوطنات والقمع الدموي الذي يتبناه “الجناح اليميني” العنصري بشكل علني. لم يكن من قبيل الصدفة أن هذا “اليسار” هو أول من رفع شعار “هافراداه” – وهي المرادفة العبرية للفصل العنصري. فوق كل شيء، إنه يرفض حق العودة للفلسطينيين، ويدافع عن “حق” الإسرائيليين في اقتراف التطهير العرقي كي يعيشوا في مجتمع منفصل عنصرياً.
تكمن الخطورة في إقامة البانتستونات الفلسطينية، مع أبسط درجات الاستقلال، ولكن في الحقيقة تقوم القوات الفلسطينية بقمع الجماهير الفلسطينية تحت الهيمنة الإسرائيلية المتواصلة. هذه الخطورة يكمن في اتفاقات أوسلو وكل الاتفاقات المتولدة عنها بما فيها خارطة الطريق التي تقدم بها بوش، لأنها تفرض على الطرف الفلسطيني أن يتخلى عن مقاومة الاحتلال دون أي شرط. ولكن في الواقع فإن إسرائيل تستثمر وقف إطلاق النار الفلسطيني أحادي الجانب لبناء المزيد من المستوطنات وطرد الفلسطينيين من أرضهم.
بما أن النضال الفلسطيني تمحور خلال العقود الأخيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين منذ عام 1967، فإن هناك إجماع وطني فلسطيني حول برنامج الحد الأدنى لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس. سيشكل أي انسحاب إسرائيلي غير مشروط من هذه المناطق إنجاز عظيم للانتفاضة الفلسطينية، حيث يمكن ذلك الناس الذين عانوا من مرارة الاحتلال لهذه المناطق من إعادة بناء حياتهم.
ولكن هذا لا يوفر حلاً لقضية ملايين اللاجئين الذين ما زالوا يقبعون في مخيمات اللجوء في العالم العربي وفي الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا أيضاً لا يوفر حلاً لمليون فلسطيني يتعرضون للتمييز العنصري داخل المناطق المحتلة عام 1948. أضف إلى ذلك، طالما أن إسرائيل تواصل الحفاظ على طبيعتها العنصرية والعدائية، وتواصل دورها في خدمة الإمبريالية كرأس حربة معادية للعرب، أي حل سياسي سيكون مؤقت وسيقود إلى تفاقم الصراع في المستقبل.
بعض المؤيدين لبرنامج إقامة “دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل” يعترفون بأن “فلسطين المستقلة” ستكون على حوالي20% من أرض فلسطين وهذا لا يمكن أن يشكل سلام عادل. ولكنهم يقترحون أن هذا الحل هو الأكثر “واقعية” لأنه الأكثر قبولاً من الطرف الإسرائيلي والأمريكي المهيمنين. ولكن هذا المنطق يحوّل الانتباه بعيداً عن القضية المركزية وهو: حتى يتحقق أي حل للصراع لا بد من مواجهة الإمبريالية وكل عملائها في المنطقة. حتى الآن، كل ما آل إليه القبول بالتعايش مع الهيمنة الإسرائيلية هو تشجيع حكامها لمواصلة برنامجهم التوسعي.
هنالك بالمقابل ما يدعى “قوى سلام” تدعي بأن العدالة تتواجد من خلال تقسيم فلسطين تحت شعار “دولتين لشعبين”، حيث يقرون بالطابع اليهودي لإسرائيل كنوع من “تقرير المصير” “للشعب اليهودي الإسرائيلي”. في حين أن الأغلبية اليهودية في المناطق المحتلة عام 1948 لم تكن إلا كنتيجة للتطهير العرقي ضد الفلسطينيين، فإن الاعتراف بحقها كأمر واقع لا بد أن يأتي على حساب الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين. إن هذا يشكل أسبقية خطيرة حيث إنها تشجع إسرائيل (والآخرين) في مواصلة سياسة التطهير العرقي. نلاحظ بأن الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي الأخير ينطلق من الإقرار بحق وجود المستوطنات في الضفة الغربية كأساس لأي اتفاقية مستقبلية. الاعتراف بالطابع العنصري لإسرائيل “كحق” يشكل أيضاً خطراً بالنسبة للفلسطينيين في هذه الدولة اليهودية. الحفاظ على هذا “الطابع اليهودي” يشكل غطاءاً للسياسات العنصرية ضدهم ويفتح الباب أمام تهديد إسرائيل المتواصل لهم بالترحيل – أي التخلص من العرب المتبقيين في البلاد.
هنالك صيغة أخرى تحاول التوفيق بين حل الدولتين وبين الحل الشامل لفلسطين الحرة الديمقراطية، وهو حل الدولة ثنائية القومية، والتي تكمن ورائها العديد من التفسيرات. إذا كانت هذه الدولة ستقام على أساس تقسيم طائفي مثل الدستور الذي تم فرضه على لبنان من قبل الاستعمار الفرنسي، أو المؤامرة الأمريكية الحالية في العراق، فإنها ستتمخض عن صراعات طائفية متواصلة. إذا كانت هذه الدولة مخططة لكي تضمن لليهود حقوقهم الثقافية والاجتماعية فإن هذه سيكون ضمانها جزء من الدولة الديمقراطية. إذا كانت مخططة لتسمح لليهود بالتمسك ببعض امتيازا تهم الغير شرعية أساساً، فإن هذا ليس في مصلحة أي مواطن في فلسطين الديمقراطية، ليس حتى في مصلحة اليهود أنفسهم، حيث هذه الامتيازات ستعيق اندماجهم في العالم العربي الحر الجديد. على أي حال، عندما يخطو المؤيدين لفكرة الدولة ثنائية القومية خطوة واحدة أبعد من قلعة الدولة اليهودية، فإنهم ربما يكونوا منهمكين في حوار تعاوني نحو توضيح الطبيعة الديمقراطية لفلسطين المستقبل.
برنامج سياسي للتغيير
لقد أثبت الشعب الفلسطيني على مدار سنوات القهر والاضطهاد بأنه طالما هناك قمع وظلم فلا بد من وجود المقاومة. هذه المقاومة تفسد على المغتصب نشوة الاستيلاء ولا بد أن تفرض إن عاجلاً أم آجلاً تغيير سياسي.
الشعب الفلسطيني يواجه آلة الحرب الإسرائيلية الضخمة، والتي لم يتم بنائها فقط لتدميرهم، ولكن لضمان الهيمنة الإمبريالية على كامل المنطقة، وهذا يفسر عدم تمكن الشعب الفلسطيني حتى هذه اللحظة، رغم نضالاته المتواصلة وتضحياته الجسام، من تحقيق حتى أبسط حقوقه الأساسية.
إن الظرف الأكثر مناسبة لأي حلٍ سياسي لا يتحقق إلا من خلال انهيار هذه المعادلة من العدوانية والهيمنة والاستغلال. فلسطين الديمقراطية تشكل الأساس للعالم العربي الحر. صيغة معينة من الحل الديمقراطي ربما تأتي نتيجة نوع من التنازل، حيث ربما تتوصل الإمبريالية الأمريكية إلى نتيجة بأن دعمها للنظام العنصري الإسرائيلي يزيد من حدة التوتر في المنطقة مما يهدد مصالحها.
حتى يتسنى لنا خلق هذه الظروف ومن ثم الإفادة من وجودها، فإنه لا بد من توحيد جميع القوى الشعبية والديمقراطية في المنطقة وما بعد، في تحدينا للنظام العنصري وطرح البديل.
مركب أساسي من المقاومة السياسية ينطوي على الرفض الكامل للعنصرية الإسرائيلية،التطهير العرقي والنظام الصهيوني القمعي. وبالنسبة للعرب داخل الخط الأخضر، فإن هذا يضم مقاطعة المؤسسة السياسية الإسرائيلية المتمثلة في انتخابات الكنيست. أما بالنسبة للمنطقة العربية بأكملها، فهذا يعني المقاومة ضد تطبيع العلاقات مع هذا النظام العنصري. وبالنسبة للقوى التقدمية المحبة للسلام في كافة أرجاء العالم، فإن هذا ينطوي على المقاطعة الكاملة لإسرائيل لأن أي درجة من التعاون معها تغذي المزيد من العدوانية والتطهير العرقي.
إن الحياة بالنسبة للجماهير العربية الفلسطينية في فلسطين، وعلى جانبي الخط الأخضر، فهي عبارة عن نضال متواصل للدفاع عن وجودهم وبيوتهم وأرضهم وحقوقهم اليومية. إن هذا النضال الشعبي يتطلب أكبر قدر ممكن من الوحدة الوطنية رغم درجات التفاوت في البرامج السياسية والحلول المطروحة. التمسك بالهدف المتمثل في فلسطين الحرة الديمقراطية، في سياق صراع الوجود اليومي هذا، يوفر رؤيا من الأمل والكرامة وعدم قبول الإهانة والاضطهاد.
الهدف المشترك المتمثل في فلسطين الحرة الديمقراطية يوفر أرضية صلبة للتعاون بين المناضلين العرب واليهود للنضال ضد الشر اليومي للصهيونية. إنه يرفض أي نوع من الاستعلاء العنصري والامتيازات، ويطرح إطار سياسي مشترك للمستقبل.
في حين تقود الصهيونية الجميع نحو حرب بشعة دائمة، فإن فلسطين الحرة الديمقراطية تشكل مستقبل إنساني واضح لهذه البلاد الممزقة وشعبها المعذب. يجب علينا أن نمنح الناس أمل للحصول على القوة من أجل تحقيق عالم أفضل.

حول أزمة الصهيونية
وآفاق الخطاب الفلسطيني تجاه المجتمع اليهودي في فلسطين

يوآف بار
عضو المكتب السياسي لحركة
أبناء البلد ومبادر ناشط في مؤتمر حيفا.
الترجمة عن الانجليزية: قيس عبدالله ، فيينا

أعدت هذه الورقة كمساهمة في النقاش ضمن المعسكر المناهض للامبريالية حول آفاق العمل في البلدان الإمبريالية.. لكن الوضع في فلسطين مختلف جداً عما هو في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية. فمنذ بدء الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ نحو 130 عاماً، كان اليهود فيها جيباً صغيراً من المستوطنين في قلب الوطن العربي. هذا الاستيطان ليس توسعاً خارجياً لضرب من “إسرائيل رأسمالية – غربية” تخيلية، بل هو جوهر وجود إسرائيل. إن فلسطين بلد محتل مستعمر، حيث المركز الحقيقي للحياة السياسية هو النضال ضد الاحتلال. إن أي نضال تقدمي ضمن الجماعة اليهودية يجب أن يكون جزءًا من منظور التحرر الفلسطيني.
يختلف النضال الديموقراطي في فلسطين كقاعدة متقدمة للامبريالية، ومن عدة أوجه، عن المنظور العام للنضال الثوري في المراكز الرأسمالية. وعلى كل حال، فقد حاولت أن أكرس تحليلي بالتحديد للحقائق على الأرضية الفلسطينية، وأدع للحضور معالجتها نقدياً لتقرير أي الدروس يمكن استخلاصها لجبهات أخرى.
الجزء الأول: كيف تعمل المنظومة الصهيونية
(1)  الصهيونية والامبريالية
كتب الكثير عن شرور الصهيونية كحركة استيطانية، وعن إسرائيل كنظام عنصري، لكن دور الصهيونية في التسلط الامبريالي على الشرق العربي معروف ومفهوم أقل بكثير. مع ذلك، فإن الدور الرئيسي للصهيونية ليس استغلال الشعب الفلسطيني الذي يفضلون التخلص منه عن طريق التطهير العرقي المطرد، ولا بناء مجتمع يهودي في فلسطين (وبالتالي استغلال الطبقة العاملة اليهودية). إن الدور الرئيسي لإسرائيل هو كونها قاعدة عسكرية متقدمة متطورة في قلب الشرق العربي من أجل منع استقلال العرب ووحدتهم وبناء اقتصاد وطني ومجتمع ديموقراطي.
إن الطبيعة العسكرية للمشروع الإسرائيلي معمدة باتفاقيات إستراتيجية عديدة بين إسرائيل والقوى الامبريالية، تضمن “التفوق الإستراتيجي” لإسرائيل في المنطقة. والعصاب (الهيستيريا) الإمبريالي الحالي ضد مشروع إيران النووي ينطوي على معنى واحد: التصميم الإمبريالي على احتكار إسرائيل السلاح النووي في المنطقة مما يمكنها من استخدامه عند الحاجة. وفي كتابات ظهرت مؤخراً يتحدث قادة إسرائيليون بصراحة عن مدى اقترابهم من استخدام الأسلحة النووية في بعض صراعاتهم السابقة…
ولدورها في حماية الهيمنة الإمبريالية على هذه المنطقة الإستراتيجية المهمة، تحظى النخبة العسكرية – الرأسمالية الصهيونية بمجال عريض من الامتيازات الاقتصادية والسياسية هي جزء ضئيل من عائد الرأسماليين جرّاء إخضاع الأمة العربية وسلب مواردها الطبيعية والبشرية.
(2)  الاستعمار والطبقة
يحتاج الصهاينة كي يتمكنوا من تشريد الشعب الفلسطيني واضطهاده، ومن إرهاب كل المنطقة عسكرياً، أفضل ما لدى الامبريالية من أسلحة، غير أنهم يحتاجون كذلك لجنود يخوضون حروبهم. وتستخدم دولة إسرائيل هذه الجماهير اليهودية التي نجحت في إغوائها بالمجيء إلى فلسطين، كقاعدتها الداعمة وكجنود مشاة لها في حروبها العدوانية الاستيطانية الجائرة. إنها بحاجة لأن تظل هذه الجماعة المهاجرة راضية، لتجنب هجرتها المعاكسة إلى مناطق آمنة، ولضمان ولائها كقوة مقاتلة.
إن الخوف أحد الخلفيات الرئيسية لسيطرة الصهيونية الفائقة على اليهود في فلسطين، وبهذا المعنى فإن الصهيونية هي المستفيد الرئيسي من معاداة السامية، وتشاركها القناعة بأن اليهود عاجزون عن الاندماج في المجتمعات التي يعيشون تحت ظهرانيها. إلى ذلك تستفيد لدرجة ما من إرعاب اليهود في فلسطين من النتائج الممكنة لفقدان إسرائيل سيطرتها العسكرية. ومن أجل توفير البديل للفلسطينيين المشردين، تستقدم الحركة الصهيونية اليهود من كل أنحاء العالم. وفي عملية استعمار داخلي يجرد اليهود من البلاد العربية والعالم الثالث من ثقافاتهم وتركيباتهم الاجتماعية، والتي تصنفها الدولة على أنها “دونية”، ويسحق مجتمعهم لتوفير “مادة بشرية خام” عزلاء للتزييف والاستغلال الصهيونيين.
غير أن الأداة الرئيسية المستخدمة من قبل إسرائيل لإدامة ولاء الجماهير اليهودية هي في جعل أسلوب حياتهم اليومي معتمداً على نظام معقد من الامتيازات إزاء الفلسطينيين الأصليين. ويشمل نظام الامتيازات هذا كل تفاصيل الحياة اليومية في إسرائيل: الصحة والتعليم، الإسكان، الرفاه، القبول والترقية في العمل… باختصار، كل شيء. ويبذل جهد كبير لتوريط أكبر عدد ممكن من اليهود (من كل الطبقات) بصورة فعالة في سلب أراضي العرب؛ المحتلة عام ثمانية وأربعين، وفي الضفة الغربية والجولان السورية سواء بسواء.
لا يدع هذا النظام لقطاعات من الجماهير اليهودية التواقة لتحسين حياتها اليومية غير سبيل واحد: الكفاح من أجل تعزيز امتيازاتهم والنأي عن الجماهير العربية الأشد رزوحاً تحت الاضطهاد والاستغلال. وليس من قبيل الصدفة أن أكثر نضالات اليهود الشرقيين نجاحاً في الأعوام الأخيرة كانت حملة من أجل توزيع أكثر مساواة للأراضي العربية المسلوبة، منطلقة تحت شعار “هذه أرضي أنا أيضاً”.
(3)   ليس للبديل أن يأتي من داخل المجتمع اليهودي
يولّد الاستغلال الرأسمالي في إسرائيل، كما في أي مكان آخر، تناقضاته وصراعه الطبقي. غير أن الاستقطاب الحاد في مجتمع خاضع للاستيطان يمنع التطور الطبيعي للصراع الطبقي إلى نزاع سياسي حول السلطة، فالعمال الفلسطينيون مهمشون عن طريق تحيز منهجي، والكثير منهم يعمل في قطاعات اقتصادية غير أو شبه رسمية حيث يكاد التنظيم الطبقي يستحيل. إن أفضل العمال تنظيماً وقدرة على المجابهة هم أولئك العاملون في القطاعات الأكثر حظوة، والمنقاة كلياً تقريباً. وكلما نما الصراع والتنظيم المحلي، أحبطه الهستدروت، الأداة الجبارة للحركة الصهيونية، المسؤولة عن ضمان توجه نضال نقابات العمال لصالح النظام الاستيطاني.
ليس ما يدعى “اليسار الإسرائيلي” يساراً إطلاقاً، وهو أحياناً ما يؤخذ على أنه يشمل حزب العمل الإسرائيلي، الذي كان الأداة المركزية للاستيطان الصهيوني، المسؤولة مباشرة عن التطهير العرقي لعام ثمانية وأربعين، والاحتلال عام سبعة وستين معاً. ولا يزال “العمل” ولهذا اليوم شريكاً كاملاً في جميع سياسات إسرائيل العدوانية والعنصرية، وشريكاً في أغلب تحالفات حكومتها. وعلى الصعيد الاقتصادي يرتبط حزب العمل الإسرائيلي وثيقاً بالقطاع الخاص الكبير شأن أشقائه التوائم من الجناح اليميني العلني، ويدعم السياسات النيوليبرالية كالخصخصة.
ليس ظل العمل في “اليسار” الصهيوني، حزب “ميريتس” الصغير، والذي ينضوي حالياً ضمن المعارضة، سوى طيف أكثر اعتدالاً، ولا يتورع عن المشاركة في حكومات الاحتلال والحرب الصهيونية حين تسنح له الفرصة. هو يطالب باعتدال أكثر في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، غير أن نشاطه السياسي الرئيسي هو محاولة إشغال الفلسطينيين في مفاوضات افتراضية من أجل ابتزازهم للتنازل عن حق عودة اللاجئين، كي يصبحوا أكثر قبولاً لدى الرأي العام الإسرائيلي… ميريتس أيضاً معروف جيداً باتكاله على النخبة الموسرة، التي قد تكون أقل عدوانية بقليل من الأجنحة الأخرى للصهيونية، من حيث أنها تجد مصالحها محمية جيداً في أي تسوية ممكنة.
إن هناك حركات مناهضة للحرب، كان أشهرها وأكثرها عدداً حركة “السلام الآن”. وفي حين عبرت عن بعض النزوع الشعبي للارتياب بالقيادة العسكرية – السياسية وضغطت على الحكومة لتقليل عدوانيتها، فقد ظلت غالباً تحت الأجنحة السياسية للعمل وميريتس. كان منطقها أن بوسع إسرائيل السماح ببعض التنازل من مركز القوة، وبهذا تنكر على الفلسطينيين حق العودة وتتمسك بالسيادة اليهودية.
لقد حاول الحزب الشيوعي الإسرائيلي ولفترة طويلة أن يبني يساراً إسرائيلياً وطنياً غير صهيوني. وقد ظنوا أن هذا اليسار قادر على التعاون مع التيار العام “لليسار” الصهيوني والتأثير فيه باتجاه السلام مع الفلسطينيين “الخارجيين” وتقليص التمييز ضد الفلسطينيين “الداخليين”. ولهذا الغرض حاولوا حصر الكفاح الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام ثمانية وأربعين ببرنامج (أجندة) حقوق مدنية، ومساواة وسلام. وبينما حاولوا شفاء بعض أعراض الصهيونية، فإنهم قبلوا قضيتها الرئيسية في إقامة دولة يهودية.
أدت هذه التجربة إلى ذروتها اللامجدية حين كانت أصوات الشيوعيين (والعرب الآخرين) في الكنيست حاسمة لتثبيت حكومة العمل برئاسة رابين إبان اتفاقية أوسلو. حتى حينها رفض العمل مشاركة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، أو أي حزب آخر يمثل الناخبين العرب في الائتلاف الحاكم، وبذلك يؤكد الصفة اليهودية الشاملة للدولة الصهيونية، ونزع الشرعية عن هؤلاء العرب الفلسطينيين الذين هم مواطنون رسميون في إسرائيل.
كان من أصداء الجذرية (الراديكالية) العالمية لستينات القرن الماضي أن تشكلت بضع حركات جذرية وسط الشباب اليهودي، معروفة أفضل باسم “ماتزبين”- البوصلة بالعبرية. ورغم بعض المواقف المبدئية المهمة ضد الاستيطان الإسرائيلي، والتصميم على الكفاح والتضحية لدى بعض المناضلين، فقد فشلت هذه المجاميع في الاندماج كمكوّن ذي بال في حركة التحرر الفلسطينية، حتى حين كانت في ذرى يساريتها الجذرية. وفي النهاية، جفت هذه المجاميع وانتهت داخل أسوار الغيتو اليهودي الرجعي.
الجزء الثاني: الصهيونية لم تعد تعمل
(1)  محدودية وتراجع التفوق العسكري الصهيوني
حيث أن عماد الصهيونية هو السيطرة العسكرية، وكجزء من التسلط الإمبريالي، فقد حلت أزمة الصهيونية مع ثبوت محدودية القدرة العسكرية لإسرائيل، وتفاقمت حين فقد لا توازن القوى سيماءه الراسخة. لقد كانت حرب عام سبعة وستين، واحتلال كامل فلسطين وأراض عربية واسعة لحظة الذروة للتفوق العسكري الإسرائيلي. وقد جاءت الاستفاقة العربية سريعة: فخلال بضع سنوات اندلع تمرد المقاومة الفلسطينية، “حرب الاستنزاف” وحرب تشرين/ أكتوبر 1973 – حيث مست حاجة إسرائيل لجسر جوي أمريكي مباشر من أجل تفادي الاندحار. لكن البورجوازية الحاكمة في مصر، الجبهة العربية الرئيسية، قررت أن تراهن على تغير موازين القوى من أجل مصالحها الأنانية، بالقفز إلى العربة الأمريكية وعقد معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.
بالنسبة لإسرائيل كان “السلام” مع مصر مناسبة لمحاولة سحق المقاومة الفلسطينية بشن حرب على لبنان، استمرت بين عامي 1982 و2000. احتلت إسرائيل بيروت، ذبحت الآلاف من الفلسطينيين، وفرضت حكومة متواطئين لفترة قصيرة. لكن المقاومة استمرت وسادت – وأثبتت أن القوة العسكرية المجردة قادرة على تدمير بلد واحتلاله، غير أنها عاجزة عن فرض نظامها السياسي الذاتي.
حولت الانتفاضة الأولى (1987 – 1993) أجزاء من فلسطين المحتلة إلى أماكن عصية على الحكم. وقد أجبرت إسرائيل على عقد اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، واستقدام قيادتها المنفية من تونس لتكون شريكة في إقرار بعض الحكم الذاتي تحت الاحتلال. وقد جرى خداع قيادة منظمة التحرير كي تصدق أن إسرائيل مهتمة بالتخلي عن احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، فتخلت رسمياً عن المقاومة المسلحة، بينما استمرت إسرائيل في الزحف الاستيطاني والتطهير العرقي.
أدت خيبة الأمل بأوسلو إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000. وبعد نضال بطولي دموي تمكن الفلسطينيون للمرة الأولى من إرغام إسرائيل على التنازل عن جزء ضئيل للفلسطينيين هو قطاع غزة، حيث أخلت إسرائيل المستوطنين والاحتلال العسكري المباشر عام 2005. مع ذلك، أخضعت إسرائيل بتواطؤ امبريالي ومصري، قطاع غزة لحصار قاسٍ، وحولته إلى سجن مفتوح، وإلى مشهد للمجازر اليومية. في هذه الأثناء فازت حركة المقاومة الإسلامية حماس بانتخابات عام 2006 للمجلس التشريعي الفلسطيني، وفي عام 2007 نجحت حماس في فرض سيادة فعالة على قطاع غزة، وفي عام 2008 نجحت في إرغام إسرائيل على قبول الهدنة المتبادلة.
حاولت إسرائيل في تموز عام 2006 استعادة ميزان القوى بإعادة مهاجمة لبنان. ولمدة ثلاثة وثلاثين يوماً واصل سلاحها الجوي قصف البنى التحتية المدنية في البلد متسببة في تطهير عرقي لسكان الجنوب، وتدمير أجزاء من بيروت. ولمدة ثلاثة وثلاثين يوماً خسرت النخبة من قواتها البرية وأفضل دباباتها تطوراً معركة إثر معركة بوجه مقاومة ميليشيا حزب الله. ولمدة ثلاثة وثلاثين يوماً أصابت مدفعية حزب الله وصواريخه شمال إسرائيل بالشلل. وقد أدى نصر لبنان المؤزر في تلك الحرب إلى تثبيت قائد حزب الله حسن نصر الله كأوسع قائد عربي شعبية، وحزب الله كالجهة الرئيسية في تقرير مستقبل لبنان.
أثناء ذلك، إذ كانت مكتسبات الصهاينة الوحيدة مزيداً من المعاناة والدماء، دعوا إلى تدخل أمريكي مباشر في العراق، لمنع أي تهديد حقيقي أو متخيل لاستخدام أموال النفط العربي في بناء كيان عربي وطني مستقل. غير أن غزو العراق تكشّف عن كونه حرباً إضافية فادحة، حتى للقوة العظمى. لقد سددت المقاومة العراقية ضربة قاصمة لقدرة الولايات المتحدة على قسر طريقها على الشعوب المضطهدة والمستغلة في أرجاء العالم.
وكما هو دأبهم أبداً، فقد انحصرت معالجة الصهاينة بمحاولة “تصحيح” أضرار الحرب الأخيرة بتهيئة الحرب التالية، وهم الآن يحاولون دفع الولايات المتحدة لخوض حرب كارثية ضد إيران الأوسع والأقوى، مما قد يتكشف عن أشد مغامراتهم دموية وفداحة حتى الآن. ويبدو أن الولايات المتحدة، وبعد تجربتها الدموية في العراق، تقاوم الآن أخيراً إغراء الانجرار لتحريض إسرائيل على ضرب إيران.
(2)  الأزمة الداخلية للنظام الإسرائيلي
إن السبب الرئيسي للأزمة الداخلية التي تطبق على النظام الإسرائيلي هو تخبطه في حروبه الدائمة خارجياً وداخلياً. فلسنوات عديدة لم تنجح حكومة إسرائيلية في قضاء فترتها كاملة، بينما الأجهزة المختلفة للحكومة في نزاع دائم. الفساد في كل مكان: اضطر رئيس إسرائيل الفخري للاستقالة تحت تهمة الاغتصاب؛ وزير ماليتها السابق مدان الآن بالسرقة؛ اضطر قائد الشرطة للاستقالة لسماحه للمجرمين المحليين بالتأثير على الشرطة؛ اضطر وزير حربها ورئيس أركان جيشها للاستقالة بسبب معالجتهما الرعناء للحرب على لبنان؛ ورئيس الوزراء أولمرت مرغم الآن على التنحي عن منصبه بعد اتهامات لا نهائية بالفساد.
لقد تبنت إسرائيل الليبرالية الجديدة والخصخصة بحماس أشد من أكثر الدول الغربية، وخربت حالة الرفاه والتكافل الاجتماعي التي اعتادت أن تشكل لحمة المجتمع اليهودي. وتُحكم مجموعة صغيرة من الصفوة (أوليغارك) الخارجية والداخلية قبضتها على الاقتصاد، والفجوة بين الفقراء، والكثير منهم أناس عاملون عاديون، وبين فاحشي الثراء في اتساع مطرد.
إن إسرائيل، كمجتمع مهاجرين، أكثر حساسية لشرور الرأسمالية. فمن وجهة النظر الصهيونية تشكل البطالة والفقر بين اليهود تهديداً لجهدها الثابت في استجلاب مزيد من اليهود للعيش في فلسطين. وعلى الجانب الآخر للطيف الاجتماعي، تنجب الصناعة رفيعة التقنية نخبة مسلحة بثقافة العولمة تجد من الأسهل لها ترك إسرائيل والتموضع في مراكز السلطة الامبريالية. إن مؤشراً رئيسياً للأزمة يتمثل الآن في كون الهجرة من إسرائيل أكثر من الهجرة إليها.
(3)   أصداء الانتفاضة الثانية لدى المجتمع اليهودي
كانت الانتفاضة الأولى (1987 – 1993) بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وموجهة بصورة رئيسية برؤية قيادتها في إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين عام سبعة وستين، ولم تتسبب في أية إعادة اصطفاف في الشارع اليهودي، حيث اتفقت مع رؤية حركة السلام الإسرائيلية في أن تكون قوة اعتدال في جانب الحكومة الإسرائيلية. كان كل شيء ينحو باتجاه اتفاق أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال وليس بديلاً له.
جاءت الانتفاضة الثانية (2000 – ؟) نتيجة النفض الفلسطيني لوهم “عملية سلام” أوسلو. لقد اندلعت لحظة اعتقد الجانب الإسرائيلي، بضمنه الكثير ممن يدعى “اليسار الإسرائيلي”، أن حكومة العمل برئاسة باراك تقربت بكل ما تستطيع باتجاه الفلسطينيين. ولقد تحدت الانتفاضة الثانية مفاهيم الإسرائيليين حول النزاع لعدة أسباب:
نهضت حماس والجهاد الإسلامي بدور رئيسي في قيادة الانتفاضة، ولم تكونا جزء من “عملية السلام” الموجهة من الامبريالية.
تكبدت إسرائيل خسائر أكثر من عسكريين ومدنيين.
للأيام العشرة الأولى انتفضت كذلك الأراضي المحتلة عام ثمانية وأربعين. وحتى بعد قمع نضالهم الجماهيري المباشر عن طريق القتل المنهجي للمتظاهرين، ظل واضحاً أين يقف فلسطينيو “الداخل”.
صعدت إسرائيل من اضطهادها التخريبي للفلسطينيين.
كانت الاستجابة الأولية التقاء صاخباً حول الإجماع الصهيوني، مع العديد من نجوم “معسكر السلام” الإسرائيلي، يتهمون الفلسطينيين بالجحود في نهضة بهذا العنف لحظة صار السلام في المتناول. غير أن استجابة من نوع آخر برزت بعدها ، خرقت الطريق المسدود للمنظور التقليدي لعملية السلام.
خلال فترة وجيزة إثر اندلاع الانتفاضة الثانية أسست بعض العناصر الدائرة في فلك الحزب الشيوعي، بالإضافة إلى يساريين مستقلي التفكير حركة “تعايش”، التي شددت على النضال المشترك لليهود والعرب ضد الاحتلال وضد التمييز العنصري، وتجنبت وضع برنامج سياسي. كان اختيار اسم الحركة بحد ذاته، المفردة العربية لـ “العيش معاً”، قطيعة منشطة مع الطغيان السابق للعبرية وللرواية الإسرائيلية حتى في الدوائر اليسارية. ولقد نجحت تعايش في العام الأول للانتفاضة في تعبئة آلاف المناضلين اليهود للمشاركة في كفاح الفلسطينيين في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر. وكان لتجنب ما كان حتى ذلك الحين رؤية “طبيعية” لحل الدولتين إفساحاً في المجال لمشاركة فعالة لعناصر أكثر جذرية. لقد كانت تعايش مضطرة تحت ضغط الشركاء في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، إضافة إلى لجنة مهجري الداخل الفلسطينيين لاتخاذ موقف واضح في قضية واحدة : حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وبعد بضع سنوات مثمرة لم يكن النشاط بحد ذاته كافياً لإدامة تعايش كقوة رئيسية، وهي الآن مقتصرة على بضع مجاميع نشاط محلية.
إن المنظمين الرئيسيين لمشاركة اليهود في النضال الجماهيري اليومي ضد الاحتلال هم الآن “فوضويون ضد الجدار”، وهم يشاركون إلى جانب الفلسطينيين والمتطوعين العالميين في مظاهرات يومية ضد بناء إسرائيل لما يدعى “جدار الفصل” في الضفة الغربية، الجدار الذي يفصل الفلسطينيين عن أراضيهم وعن بعضهم من أجل تعزيز المستوطنات اليهودية. هذه الشراكة في الكفاح حولت الفوضويين إلى حملة اللواء لكل مناهضي الاحتلال، حيث يشارك في المظاهرات أناس كثيرون ذوو آراء مختلفة. مع ذلك، وفيما يخص المنظور السياسي، يبدو أن الوقوف “ضد كل الدول” في تل أبيب أسهل أحياناً من تشخيص التمييز العنصري الإسرائيلي كنظام شرير تجب مجابهته لأسباب ديموقراطية في غاية البساطة.
وحيث أن الخدمة العسكرية هي إجبارية ومفروضة على كل اليهود (والدروز، وهم طائفة إسلامية) في فلسطين، فإن مقاومة الخدمة في الجيش عنصر دائم في النضال الديموقراطي. هنا أيضاً يتغير مركز النشاط. ففي السابق كان الاتجاه العام لرافضي الخدمة السياسيين أن يكونوا جنوداً جيدين في الجيش الإسرائيلي، كمدافعين عن “إسرائيل الشرعية”، وان يرفضوا انتقائياً سواء الخدمة في لبنان أو القيام بدور الشرطة في الضفة الغربية وغزة المحتلتين عام67. أما الآن فإن مركز الحركة هو رفض أي دور في الجيش الإسرائيلي، في إدراك لغياب أي سبيل للتمييز بين الدور “الدفاعي” المشروع والاحتلال. إن حركة رافضي الخدمة السياسية، المفتوحة الآن على صلة وثيقة باتساع انقشاع الوهم، والتغرب إزاء مؤسسات الدولة التي تدفع الآلاف من الشباب إلى المراوغة لتفادي الخدمة العسكرية دون رفضها علنياً.
إن إحدى سمات السيطرة الفكرية (الأيديولوجية) للصهيونية على المجتمع اليهودي هو إنكار وجود وتاريخ الشعب العربي في فلسطين، وعلى الخصوص إنكار النكبة – التطهير العرقي ضد مجمل سكان فلسطين تقريباً عام ثمانية وأربعين. لكن إصرار الفلسطينيين على حقوقهم، وخاصة الإحياء السنوي لذكرى النكبة بالتظاهر الجماهيري من أجل حق العودة، نجح في كسر هذه الجهالة المصلحية، إلى درجة أن مفردة نكبة واسعة الاستخدام الآن حتى في العبرية. ثم أن هناك عملاً منهجياً لنشطاء ديموقراطيين ضمن المجتمع اليهودي لرفع الوعي بالنكبة، أبعدها أهمية ومغزى عمل اتحاد “زوخروت” (مؤنث من التذكّر – ذكرى).
تحدٍّ آخر يرقى إلى مستوى تعاون المناضلين اليهود مع الانتفاضة الفلسطينية قامت به تالي فحيمة التي عرضت نفسها كدرع بشري لإحباط محاولات الجيش الإسرائيلي المستمرة لقتل المناضلين الفلسطينيين. فقد اعتقلت عام 2004 واتهمت بـ”التعاون مع العدو”. وقد نجحت حملة نشطة للدفاع عنها في تعرية الطبيعة السياسية للاتهام، حتى اضطرت المحكمة إلى التسوية على اتهام أخف والسجن لعامين ونصف. لقد صار اسمها رمزاً للانتقام من النشطاء الديموقراطيين المناهضين للاحتلال وتحويلهم إلى ضحايا.
المثل الآخر لانزياح التوازن من اليسار الصهيوني الزائف إلى معارضة جذرية مؤيدة للفلسطينيين كانت الحركة المناهضة للحرب ضد الغزو الثاني للبنان (صيف عام 2006). فإذ كان حزب العمل جزء من الحكومة، وقائد “جناحه اليساري” بيريز وزيراً لـ”الدفاع” الذي شن الحرب، كان الـ”اليسار” الصهيوني المنظم في تنسيق تام مع دعاية الحرب حتى يومها الأخير. وعلى الجانب الآخر، قاد اليسار العربي واليهودي في حيفا معارضة الحرب بالتظاهرات اليومية منذ اليوم الأول لاندلاعها، حتى عندما أخليت المدينة جزئياً بسبب الضربات الصاروخية. وفي مظاهرات جماهيرية عديدة مناهضة للحرب في تل أبيب رفعت الأعلام الفلسطينية، وكان يقود الجمهور المختلط من عرب ويهود خليط من الشيوعيين والقوميين العرب والفوضويين والجنسيين المثليين من رجال ونساء…إلخ.
الجزء الثالث: صنع البديل
(1)   الموقف الرسمي الفلسطيني
يقود الكفاح ضد الصهيونية ضحاياها الرئيسيون: الفلسطينيون، غير أن النصر يستوجب وحدة عربية مناهضة للامبريالية وتضامناً عالمياً إضافة إلى كسر الاحتكار الصهيوني للمجتمع اليهودي في فلسطين.
لقد طرح البرنامج التقليدي للحركة التحررية الفلسطينية في الدولة العلمانية الديموقراطية في فلسطين بديلاً إيجابياً وتقدمياً. وكان بعض اليهود نشطاء في منظمة التحرير الفلسطينية وقد تبوءوا مناصب مهمة. غير أن منظور قيادة فتح لمنظمة التحرير الفلسطينية سرعان ما تحول نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي المحتلة عام سبعة وستين (بحدود 20 % من فلسطين) عن طريق اتفاقية مع إسرائيل أثناء هيمنتها. وعليه تحول اهتمامها في المجتمع اليهودي نحو إقامة علاقات مع “حركة السلام” ضمن المعسكر الصهيوني كجسر نحو إقامة الدولة.
والآن، وفيما تتنافس حركة المقاومة الإسلامية حماس مع فتح على قيادة الكفاح الفلسطيني، فإنها تتعاون مع كل ضروب نشطاء السلام على أرض الواقع، غير أنه لا يزال عليها التوصل إلى تناول متماسك بخصوص المجتمع اليهودي.
(2)   حركة أبناء البلد
تعلن حركة أبناء البلد، كحركة فلسطينية تقدمية تنشط في الأراضي المحتلة عام 1948، وفي مبادئها الأساسية أنها تمثل المصالح التاريخية لكل شعب فلسطين، وبضمنها المصالح التاريخية لليهود في فلسطين، لتجنب دورهم كبارود لمدافع الحروب الإمبريالية والصهيونية.
ولما يزيد على العشرين عاماً تضم أبناء البلد رفاقاً من أصل يهودي، لكنها تركز على مهمتها الرئيسية في تنظيم جماهير عرب فلسطين للدفاع عن حقوقهم اليومية ضد العنصرية الصهيونية، ويقتصر تدخلها في النضال الديموقراطي في المجتمع اليهودي أو التنظيم ضمن الجماهير اليهودية على حالات متفرقة.
(3)   مؤتمر حيفا – حزيران عام 2008
تبنت اللجنة المركزية لحركة أبناء البلد عام 2007 مبادرة رفع شعار الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين كإطار لتحقيق عودة اللاجئين الفلسطينيين وكحل للنزاع الدموي المستمر. ولقد تقرر توقيت المبادرة على ضوء الانهيار الجلي لـ”العملية السياسية” برعاية الامبريالية، وأزمة السيطرة الصهيونية والامبريالية، التي دفعت الفلسطينيين واليهود على السواء للتطلع إلى حلول أبعد غوراً.
ومن أجل فسح المجال واسعاً للناس من جميع المذاهب ومختلف المنظمات، حركات وأحزاباً، فإن الإطار الذي جرى تبنيه هو مؤتمر مفتوح من تنظيم لجنة تحضيرية مستقلة.
لقد نجح المؤتمر في دفع مناقشة البديل الديموقراطي العلماني، وقد أمه الكثير من النشطاء من حركات فلسطينية مختلفة، أحزاباً ومنظمات غير حكومية، أكثرها من أراضي ثمانية وأربعين، ولكن من الضفة الغربية والشتات الفلسطيني كذلك. ولقد شكلت قائمة المتكلمين التي تزيد على الخمسين تظاهرة لدعم قضية المؤتمر. كان هناك حضور مؤثر جداً للناشطين اليهود كذلك، ربما كان أوسع مشاركة في حدث سياسي فلسطيني على الإطلاق (باستثناء المظاهرات الجماهيرية بالطبع حيث يأتي الجميع لكن دون تفاعل ذي بال). كان هناك أيضاً حضور بارز لحركات التضامن العالمية. وبالإجمال، فقد شارك ما بين الثلثمائة وأربعمائة شخص في الحلقات الدراسية المختلفة (ورش العمل) ، في نقاش حيوي حول جوانب مختلفة للمشكلة والكفاح والحل.
إن مؤتمر حيفا جزء من حركة أوسع لإعادة تقييم الإستراتيجية الفلسطينية. لقد عقدت مؤتمرات أخرى من قبل في أوروبا، كما تعمل مجاميع مختلفة من أجل نفس الأهداف في الضفة الغربية وغزة ومخيمات اللاجئين في البلدان العربية المختلفة.
(4)   تصور المستقبل
حيث تمعن العنصرية الصهيونية، بدورها كقاعدة عسكرية متقدمة للامبريالية، في مزيد من الصراعات الدموية، وحيث تبدأ المقاومة العربية في كسر السيطرة الامبريالية، فليس لليهود في فلسطين من خيار آخر غير التطلع إلى مستقبل لهم لن يقوم على الحروب المستمرة بل على الاندماج في فلسطين مستقبلية ديموقراطية كجزء من الشرق العربي الديموقراطي.
ومن أجل أن نفرق اليهود في فلسطين عن الصهيونية، نحتاج إلى تقرب نشط لحركة التحرر الفلسطينية من الجماهير اليهودية، وإلى الدور النشط للثوريين من ضمن المجتمع اليهودي في النضال ضد الصهيونية والامبريالية. وبوسع هذا التقرب نزع فتيل القنبلة الصهيونية الموقوتة ومنع الصراع من الانحدار إلى مستنقع للذبح الطائفي، أو الانفجار في حرب نووية نهائية.
إن بديلاً اشتراكياً هو الاستمرار الطبيعي والسبيل الأفضل لتحقيق البديل الديموقراطي في فلسطين، كما هو الحال في كل حركات التحرر. إن نظاماً اشتراكياً هو الوحيد القادر على تعبئة كل الموارد الاقتصادية والبشرية في فلسطين للمهمة الهائلة في إعادة بناء حياة ملايين المعدمين من اللاجئين الفلسطينيين العائدين، ومنع الفصل العنصري الاقتصادي (أبارتهايد) من الحلول محل الفصل العنصري العسكري الذي تطبقه الصهيونية الآن. إن نظاماً اشتراكياً هو الوحيد القادر بأسلوب منهجي على تجريد اليهود في فلسطين من الامتيازات المكتسبة لا أخلاقياً، وبنفس الوقت تهيئة المناخ لدمجهم في فلسطين ديموقراطية مستقبلية من أجل خير المجتمع المتحرر بكامله.

* الكاتب عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد، وهي حركة فلسطينية تنشط داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وأحد ناشطي اللجنة المبادرة إلى مؤتمر حيفا لأجل حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين.


مقاربة حول الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين- أحمد قطامش، يوآف بار، حركة أبناء البلد
– سلسلة أجراس العودة (2)/ الطبعة الأولى: 2008
– منشورات موقع أجراس العودة www.ajras.org

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *