السعودية والثورات العربية توضيح مبسط- سلامة كيلة
3 أغسطس، 2017
اعتصام الكامور، و”الحركات الاجتماعيّة،” وآفاق الصراع الطبقيّ في تونس (ملفّ 1)-غسان بن خليفة
21 أغسطس، 2017
عرض جميع الموضوعات

نقد الماركسية الرائجة مناقشة لأفكار د. رفعت السعيد- سلامه كيلة

نقد الماركسية الرائجة
مناقشة لأفكار د. رفعت السعيد
سلامه كيلة

(كراس صدر سنة 1988 عن منشورات الوعي الجديد)
مقدمة
هذا الكراس كتب نهاية عام 1988 ونشر عام 1988 بعد الانشقاق الذي شهده الحزب الشيوعي المصري. وهو يناقش بعض أفكار د. رفعت السعيد حول الوضع المصري والوضع العالمي انطلاقاً مما أحدثته البريسترويكا من سياسات.
ويتناول بالأساس تمظهرات الميل التصالحي الإصلاحي الذي حكم الحركة الشيوعية القديمة، حيث سنجد بأن أفكار د. رفعت هي خير معبّر عنها. وهي الأفكار التي ترجمت في سياسات قادت إلى أن يتراجع وضع حزي التجمع الوطني الديمقراطي الوحدوي ليصبح هامشاً شكلياً بعد أن كان قوة المعارضة الأولى، وكانت جريدته (الأهالي) توزع ما يقارب الـ 150 ألف نسخة، ليصبح أقل من بعض آلاف. ولينشق الحزب الشيوعي المصري إلى حزبين، ومن ثم ليتهمش، ويبدو ضعيفاً بشكل ملفت، بعد أن كان يعطي الأمل بأن يصبح قوة تغيير حقيقية.
إن ما يجري تناوله هنا هو السياسات التي كانت تجعل الشيوعيين يميلون إلى النقد الخجول من جهة، لكن إلى بزوغ الحلم بالتوافق مع السلطة لكي يجري الاعتراف لهم بحق الوجود “في الرقعة السياسية” فقط. وهو التعبير الأثير للدكتور رفعت، الذي عبره رسم سياسات الحزب الشيوعي ثم حزب التجمع لكي يصلا إلى الوضع الذي أشرنا إليه للتو.
والسؤال الذي يطرح هو: ما هو دور الحزب الشيوعي؟ التواجد في الرقعة السياسية فقط؟ أو التغيير؟
والأخطر هو أن البريسترويكا التي قام بها غورباتشوف أفضت إلى أن يصبح التصالح هو موقف “الشيوعيين” على الصعيد العالمي ، وألا تعود الإمبريالية إمبريالية، وبالتالي أن يصبح التوافق معها ضرورة.
ما يمكن قوله اليوم هو أن اليسار (والشيوعي خصوصاً) قد مسخ من موقع اليسار وبرطنة يسارية، ومارس سياسات يمينية وممالئة للطبقة المسيطرة تحت شعارات يسارية. ولقد كان يحجم عن تطوير صراع الطبقات أيضاً برطنة يسارية. ولهذا نجد أن الصراع الطبقي يتفاقم، ويصل إلى مستوى كبير، دون أن نجد يساراً قادراً على تحويل احتجاجات الطبقة العاملة والفلاحين، وكل الفئات الوسطى إلى فعل تغيير.
إذن، لا بد من أن نفكك منطق الميل التصالحي الإصلاحي لكي ينفتح أفق نشوء يسار ثوري، معني بالتغيير. مرتبط بالعمال والفلاحين، ومدافع عنهم وعن كل الفئات الوسطى، ضد الرأسمالية الكمبرادورية، المافياوية.

1
عن دور اليسار:
في مناقشة لأفكار د. رفعت السعيد
في الماركسية الرائجة عيب، أدى إلى أن تنزوي ويتراجع دور أحزابها. تتهمش ثم تأخذ في التفكك. هذا العيب هو أنها لم تعبرّ عن مصلحة العمال والفلاحون، وهذه مهمتها الجوهرية، بل عبرّت عن أداة تقنية استخدمها بعض البرجوازيون الصغار من أجل بلورة تصور.
“عقلاني” لتقدم البرجوازية وانتصارها، لهذا اعتبرت أن مهمتها هي مساعدة البرجوازية في تحقيق ثورتها، وأن دورها يتمثل في عقلنة السياسات البرجوازية، لهذا انثلم حدّ الماركسية الثوري، وغدت إصلاحية، لقد عادت اشتراكية طوباوية، رغم أنها تسمت بـ “الشيوعية”. وضاع ماركس في غياهب التاريخ، ولم يبق منه سوى اسمه.
ورغم الدور النضالي الذي لعبه الشيوعيون، ورغم البطولة التي تحلّوا بها، ورغم الدور التنويري الذي قاموا به، فقد أخفقوا في أن يلعبوا الدور الذي اعتبرت الماركسية، ومنذ لينين على الأقل، أنه دورهم، ونقصد قيادة النضال من أجل تحقيق الثورة، التي غدت تعتبر الخطوة الممهدة لتحقيق الاشتراكية، ونقصد الثورة الديمقراطية. حيث أصبح واضحاً منذ نشوء الإمبريالية إن البرجوازية المحلية عاجزة عن تحقيقها، وبدل ذلك جرى اختيار طريق مساعدة البرجوازية في تحقيق ثورة هي، ليست عاجزة عن تحقيقها فحسب، بل أنها غدت غير معنية بها، بل ومناهضة لها.
لن نسترسل هنا، بل ما نهدف إليه هو إظهار الخط الإصلاحي الذي راج منذ زمن، والذي لم يزل رائجاً وسائداً، رغم الاهتزازات التي أصبح يشهدها. وإذا كان يمكن إتباع طريق التجريد النظري في مناقشة هذا الخط، بحيث يجري تلخيص مقولاته ومناقشتها كجملة أفكار متماسكة فإننا هنا سوف ننطلق من الملموس، أي من مفاهيم محددة، من أجل تلمس أشكالية هذا الخط. ولعل المقابلة التي أجرتها صحيفة “السفير” مع الدكتور رفعت السعيد تاريخ 29 ـ 30/ 12/ 1988. أفضل ما يساعدنا على ذلك، لأن فيها من التصورات ما يستحق الالتفات. إن ما يناضل د. رفعت السعيد من أجله بسيط، بسيط جداً: أن تعترف السلطة (الطبقة الحاكمة) باليسار، كقوة واقعية، لها وزنها في رقعة العمل السياسي ـ والثقافي أيضاً ـ وأن تستشيره وأن تأخذ برأيه، أو ببعض رأيه، وهذا هدف يطرحه منذ مدة طويلة، وردده في أكثر من مكان، إلى الحدّ الذي يمكن أن يوحي بأنه هاجسه. والمقابلة مع “السفير” تعيد طرحه بصيغة أخرى، لكن واضحة ولكي لا نستبق الأمور فنصدر الأحكام جزافاً، سوف نحلل تلك المقابلة، وما نهدف إليه هو تسليط النقد على خط نعتقد أنه كان السبب في الوضع الذي وصلت إليه الماركسية، من أجل ماركسية واقعية وثورية، من أجل أن لا تبقى الماركسية أداة تقنية بيد فئات من البرجوازية الصغيرة، طامحة لترشيد سياسات الرأسمالية التابعة، ومن أجل إعاتها إلى موقعها الحقيقي، كأداة بيد العمال والفلاحين الفقراء، من أجل تحقيق مطامحهم، ومن أجل تحقيق مطامح الأمة العربية.
1 ـ الرئيس والطبقة والسلطة
منذ استلم حسني مبارك السلطة في مصر عام 1981 أُثير لغط عن مراهنات داخل صفوف اليسار المصري، وتحديداً داخل صفوف الشيوعيين، حول ما أسمي ” مؤسسة الرئاسة”. حيث أعتبرها البعض ممثلة الرأسمالية المنتجة، وبالتالي فإنها تلعب دوراً وطنياً. لهذا جاء سؤال نداء صباغ التي أجرت المقابلة، حول الدور المميز لها عن دور السلطة والطبقة الطفيلية الحاكمة، جاء ذا مغزى، وخصوصاً أن د. رفعت من القائلين بتمايز ” مؤسسة الرئاسة”، بل والمنظرين لذلك.
القضية هامة، حيث أنه على ضوئها يتحدد الموقف من السلطة، أو من فئة من الطبقة المسيطرة.  طبعاً لم يكن طرح قضية كهذه سهلاً، خصوصاً والفرز الطبقي يتسع، والصراع ضد الطبقة المستغلة ـ الحاكمة يتفاقم، لهذا أخذت “تهرب” مثل هذه المفاهيم، وتنثر ـ بالتقسيط ـ وبأشكال شتى، بوضوح أحياناً، وغموض أخرى، فقد كسرت الطبقة العاملة، “حبل الجرة” مع السلطة،ولم تعد تطيق الجُمل المنمقة التي تحاول المراهنة على هذا أو ذاك في السلطة، أو على أن تفعل السلطة هذه الخطوة رأفة بالجماهير، أو تلك. لذا كان من الصعب أن يتكلم أحد باسمها سياسة مناهضة لها بوضوح ودقة. بل جرى اختيار طريق الفذلكة، والغموض، و”التهرب” من أجل إقناع المريدين، وتشويش الحركة السياسية، لكي تستمر القطيعة بينها وبين الجماهير، فتصطدم الجماهير بهزائم متتالية نتيجة عفوية نشاطها، على أمل أن تعود لاعتناق خطها الإصلاحي.

ود. رفعت السعيد يتخذ ـ في هذه المقابلة ـ موقفاً غامضاً، ومرتبكاً لكنه أيضاً “يقول شيئاً”. فهو لا يود القول صراحة موقفه، لهذا يؤسس نظرياً ما يجعلنا نفهم ما نريد، لكنه يعود ليضفي شيئاً من الغموض حينما يلمس القضية مباشرة. فهو يقول أن كل رئيس يختلف عن الآخر، لأن له معطياته السياسية والاجتماعية ( الطبقية حسب فهمه)، ثم يؤكد أن مبارك يختلف عن السادات، ويقوم بتعداد أوجه الاختلاف، وما دامت الأمور تتعلق بالتغيير الذي حدث في مصر بعد مقتل السادات، ينطلق من مسألة هل أن تغيُّير في طبيعة السلطة، هل كل رئيس يشبه الآخر؟
في الرد شق نظري، وآخر عملي، وما يذهل في الشق النظري لا ماركسيته حين الحديث عن العلاقة بين الرئيس والطبقة والسلطة. ويمكن تلخيص رأيه بالتالي (بالنص تقريباً) أن كل رئيس يختلف عن الآخر، لأن له معطياته السياسية والاجتماعية، حيث إذا كان كل رئيس يمثل ذات الطبقة يكون مثيلاً للآخر، وبالتالي نبسط الأمر إذا قلنا أن النظام يمثل طبقة، أم يمثل مجموع طبقات، أو هو فوق الطبقات؟ هنا نحن أمام مسألة الطبيعة الطبقية للسلطة، وهذه مسألة أولى تحتاج إلى مناقشة، ثم هل يجري بهذه السهولة، الانتقال من حكم طبقة إلى حكم أخرى، بمجرد الانتقال من حكم رئيس إلى آخر؟ إن الفكرة التي يقولها د. رفعت السعيد هي أن الرئيس هو الذي يحدد سمات النظام، والرئيس يختلف عن الرئيس الآخر، لهذا يختلف النظام عن النظام، نظام هذا، عن نظام ذاك، وكأن تعاقب سيطرة الطبقات على السلطة مسألة أسهل من “ركوب الحصان”. يقول د. رفعت السعيد أنه يصعب تفسير الفارق بين ديغول وبومبيدو، تاتشر وتشرشل، ريغان وكنيدي، بمجرد أن الطبقة غيرت جلدها، أو غيرت مواقفها، يعني أنها تغيرت هي بالذات، لكن كيف؟ علينا نحن أن نجيب، لأنه يكفي له أن يعطي المثال.
ورغم أننا لم نناقش بعد الأفكار الأساسية سابقة الذكر، سوف نوضح أولاً ارتباك هذا المنطق، الذي يبدو أن سببه هو محاولة “تهريب” فكرة لا اتساق منطقي لها، حيث أن تبدل الطبقات مع تبدل الرؤساء يختلف في فقرة تالية، فما دامت الطبقة تعبر عن مصالحها عبر قنوات (الصحافة، البورصة، الجيش والشرطة، الكنسية)، يكون الفرق بين رئيس وآخر، هو في استخدامه هذه الممكنات بكفاءة، أو بكفاءة أقل، بحدها الأقصى أو الأدنى أو الأوسط، هنا يصبح الفرق في الكفاءة وليس في الطبقة، كفاءة الرئيس في استخدام ممكنات الطبقة ذاتها (الصحافة، البورصة، الجيش…).
“إذن كل فرد يستخدم ممكنات الطبقة استخداماً مختلفاً” حسب ما يقول د. رفعت (السفير 29/ 12)، وهذا هو الوضع في البلدان الرأسمالية والاشتراكية، إذن لقد تراجع الموقف من إن إذا كان الرئيس يمثل ذات الطبقة يكون مثيلاً للآخر، بينما كل رئيس يختلف عن الآخر، إلى كون الرؤساء يختلفون في استخدام ممكنات ذات الطبقة، لكن الأدهى أن يصبح الرئيس فوق الطبقات، وهذا ما يقوله د. رفعت السعيد حول بلدان “العالم الثالث” فرغم أن السلطة تتجسد عبر قنوات أيضاً “لكن مفاتيح هذه القنوات بيد الرئيس” الذي “يمسك بسلطة عاتية وضخمة” فيوقف الصحافة، ويحل المجلس التشريعي والأحزاب، يطرد قائد الجيش، ويغير بناء الجيش وجهتز الأمن… الخ، وربما ـ وهذا ما لم يقله د. رفعت السعيد ـ يلغي الطبقات ويعيد تأسيسها كيفما شاء.
لماذا هذا الارتباك؟ لأن د. رفعت السعيد يحاول إقناعنا أن حسني مبارك غير السادات، وهو ما يقوله حينما يتطرق إلى الشق العملي، رغم أنه يحاول، بعد كل هذا “الفكر النظري” تخفيف المسألة بالقول “ليس معنى هذا، أن مبارك لا يمثل ذات الطريقة، ولا يمثل سلطة الرأسمالية الطفيلية، ولا يمثل سلطة تابعة، لكن يمثلها بطريقة مختلفة”. ثم يعدد أشكال هذه “الطريقة المختلفة” لتظهر اختلافاً اكبر “التطبيع، العلاقة مع إسرائيل أبرد، الموقف من المعارضة ومن صحفها أقل حدّة…”. لكن ما يهمنا هنا هو هذا التهافت النظري الذي يقيم عليه الدكتور أفكاره. إذاً لنعدُ إلى الأساس النظري…
الطبيعة الطبقية للنظام
طبعاً كما أوضحنا ينفي د. رفعت كون النظام يمثل طبقة، بمعنى أنه بنفي كون السلطة السياسية هي أداة في يد طبقة، أو حسب تعبير ماركس وانجلز “فالحكومة الحديثة ليست سوى لجنة إدارية تدير الشؤون العامة للطبقة البرجوازية بأسرها” بيان الحزب الشيوعي، دار التقدم ص 43) إذن ماذا يمثل النظام؟ د. رفعت يربط النظام بالرئيس وليس بالطبقة، يقول أن الطبقات هي التي تحدد من يكون الرئيس، دون الحاجة للحديث عن الصراع الطبقي، أو عن الثورة، والتغيير الثوري، ما دامت موازين القوى بين  الطبقات، من خلال أشكال غير الصراع الطبقي هي التي تحسم (الانتخابات في الدول الرأسمالية، وقيادة الحزب في الدول الاشتراكية، والموت أو القتل أو الانقلاب في الدول المتخلفة) ولا شك في إن هذا الموقف لا يمثل الخط الإصلاحي أصدق تمثيل فقط، بل ويغبر عن التراجع عن الماركسية، التخلي عن موقفها الواضح من طبيعة السلطة، ومن كونها عنصر توازن بين الطبقات.
ونحن نؤكد أن هذه المسألة ليس لأن ماركس أكدها فقط، ولا لأنها غدت من قوانين الماركسية الأساسية فحسب، بل لأنها أصبحت واضحة ومعترف بها، رغم أن العلاقة بين الطبقة وسلطتها السياسية ليست علاقة بسيطة، ولا تقوم على أساس الانعكاس المباشر، بل تمر عبر توسطات مختلفة، حيث لتبدو أحياناً أنها غامضة، أن الطبقة المسيطرة اقتصادياً هي المسيطرة سياسياً، هي السلطة، وأي حديث غير ذلك لا يفعل سوى تبرير سيطرة طبقة معينة،لأنه يحاول التمويه على سيطرة الطبقة المستغِلة والطبقة الحاكمة، أو بين الطبقة المستغِلة والحاكم، وكأنه غير خاضع لمنطق الصراع الطبقي، فإذا كانت البنية التحتية هي البنية الفوقية، وهذه المسألة من أهم المسائل التي أقرتها الماركسية، والتي انطلق منها ماركس في تشييد منظومته الفكرية، التي غدت دليلاً نظرياً للطبقة العاملة، فإن الدولة (التي هي جزء من البنية الفوقية) لا يمكن إلا أن تكون أداة لسيطرة الطبقة السائدة، إنها أداة في حكم الطبقات الأخرى، وهي أداة قهرية بيد البرجوازية من أجل سحق العمال والفلاحين والفقراء، وإجبارهم على قبول شروطها، والعمل لتحقيق هدفها الأساسي، أي من أجل قبول الاستغلال الطبقي.
إن تجاوز هذه المسألة يفرض تجاوز الماركسية، الانتقال من خندق الماركسية إلى خندق الفكر البرجوازي، باعتبارها البنية السياسية، النظام السياسي، صيغة مستقلة عن الأساس الاقتصادي في المجتمع، والنظر إليه على أنه شكل محايد، الرئيس هو الذي يعطيه سماته، والرئيس ليس بالضرورة أن يمثل ذات الطبقة، التي عبَر عنها الرئيس السالف، ويجري كل ذلك في إطار استقرار النظام، ويتم اختيار الرئيس في إطار القنوات الشرعية التي يحددها النظام ذاته. إن البنية الاقتصادية هي المحددة –في التحليل الأخير   ـ للبنية الفوقية، بما فيها النظام السياسي، ولا يجوز بغير ذلك إذا كنا ننطلق من الماركسية.
كيف تسيطر الطبقة سياسياً
يقول د. رفعت السعيد أن الطبقة تعبر عن مصالحها عبر قنوات، “وهذه القنوات تتمثل في الصحافة، البورصة، في الجيش في الشرطة في الكنيسة، في المؤسسة الدينية، عشرات من المؤسسات في الفنية الفوقية، وفي البنية التحتية للمجتمع تصنع أو تنسج ممكنات صناعة القرار..” (السفير 29/ 12).
هنا تتقزم الأمور إلى حدّ! عجيب، حيث تتحدد أولاً مصلحة الطبقة “عبر قنوات” وثانياً يكون هدف هذه القنوات التأثير في صناعة القرار. وهذا منطق ساذج، ينهل من النظرية البرجوازية ذاته، مستخدماً تعبيراتها، حيث ترفض الحديث عن سيطرتها فتلجا إلى الحديث عن التأثير في صناعة القرار، وتحدد “مجموعات الضغط” الخاصة بها، والتي تسهم في تحقيق هذا التأثير، وهنا تضيع المسألة الأساسية، وهي إنها الطبقة المسيطرة مهما حاولت إخفاء ذلك، لأنها المتحكمة بالاقتصاد. الفكر البرجوازي الحديث يحاول القول أن في المجتمع “مجموعات ضغط” مختلفة، تمثل طبقات مختلفة، وبالتالي فإن مدى جدارة كل منها هوهو الذي يؤثر أكثر في صناعة القرار (وهنا تبرز حيادية السلطة واضحة، وكأنها مسلّمة) وهذا متاح للبرجوازية، كما هو متاح للعمال الذين يملكون أدوات ضغط، ومتاح أيضاً لكل الطبقات الاجتماعية!! وهذه خرافة، تهدف إلى تغطية سيطرة الطبقة البرجوازية.
إن القوة المادية الطبقة تحدد دورها في تعيين طبيعة النظام السياسي، وطبيعة الفكر السائد، وتحكم من خلال السلطة، والصحافة والمدرسة، لكن أشكال ذلك تخضع لظروف الطبقة، وللظروف السائدة في المجتمع، وإذا كان المجتمع الرأسمالي أفرز النظام الديمقراطي الانتخابي كشكل نموذجي لحكم الطبقة البرجوازية، فإن حاجة البرجوازية لتطور متسق كانت تفرض الإتيان بنظام دكتاتوري، وفاشي، يلغي حرية الانتخاب، ويمنع الصحافة المعارضة ويلغي الأحزاب، وبالتالي كانت “قناة” الطبقة هي ذاك الرئيس القوي المسيطر، ولم تكن الصحافة المعارضة، أو المجلس التشريعي ولا قائد الجيش ولا …. الخ، بل الرئيس فقط، الذي يصيغ النظام السياسي وفق ما يناسبه، ويبرز تعبيره عن الطبقة، تمثيله لها، من خلال سياسته العامة، الاقتصادية والسياسية، التي تخدم هذه الطبقة بالذات، وتناهض الطبقات الأخرى، وأحياناً تخدم هذه الفئة من الطبقة البرجوازية (البرجوازية الصناعية، أو الرأسمال المالي، أو البرجوازية الزراعية أو التجارية) على حساب تلك، لكنها في كل الأحوال تخدم كل الطبقة، على الضد من الجماهير الشعبية.
إن الأساس الاقتصادي هو “القناة” الأهم، وهو الذي يصيغ الرئيس، وطبيعة السلطة، والايديولوجيا، ومجمل السياسات، سواء كان ذلك عبر “القنوات” المشار إليها، أو عبر “قناة” الرئيس، أو مجلس الوزراء، أو المجلس التشريعي، وتناسي هذه المسألة يؤدي إلى الغرق في متاهة تفضي إلى الانتقال إلى “الشط الآخر” شط الفكر البرجوازي، الذي يعمل جاهداً على الخلط بين البنية التحتية والبنية الفوقية، ويظهر طبقات الشعب ككتل متساوية التأثير في السلطة السياسية، وفي الايديولوجيا، وفي الثقافة..
الرئيس.. الرئيس
ماذا يمثل الرئيس؟ ؟
في البلدان الرأسمالية الفرق بين رئيس وآخر هو في استخدام ممكنات صناعة القرار، لكن الرئيس في البلدان المتخلفة يغدو الماسك بمفاتيح القنوات! !
هنا تتوضح أكثر فكرة د. رفعت السعيد، حيث يكون الرئيس فوق الطبقات، وهو الذي يمثل نظامه، لأنه قادر على صياغته كيفما أراد، بغض النظر عن مصلحة الطبقة المستغِلة. طبعاً هناك بعض الحالات التي توحي بذلك، فالرئيس يوقف الصحافة المعارضة، ويحل المجلس التشريعي ويطرد قائد الجيش، ويغير بناء الجيش وجهاز الأمن، ولكن هل يقوم بكل ذلك دون أن يعبر عن مصلحة الطبقة المسيطرة؟ وإذا فعل ذلك دون مراعاة هذه الطبقة، ما هو تأثير قوتها الاقتصادية، ألا تستخدمها من أجل إسقاطه؟ تبدو القضية مع د. رفعت سهلة بسيطة، وتقوم على الصدفة وحدها، كما تعتمد المنطق “الأخلاقي” مقياساً في رؤيتها، لهذا يتميز رئيس عن آخر بصفاته الشخصية؟ التي تؤدي إلى إحداث تحول في طبيعة الطبقة الحاكمة الذي يجري انطلاقاً من صيغة قدرية أو “أخلاقية” أو نتيجة صدفه.
إن هذه الرؤية لا تلاحظ أن طبيعة السلطة السياسية في البلدان المتخلفة هي نتيجة طبيعة الطبقة المستغِلة، ونتيجة اندراج هذه البلدان في إطار النظام الامبريالي العالمي، حيث تعتمد الطبقة من أجل ضمان سيطرتها على قوى القمع (الأمن، الجيش) بشكل واضح وفظ واستثنائي (لهذا تعيش هذه البلدان، في الغالب، في حالة الحكام العرفية)، كما يجري اختيار هذه القوى بشكل دقيق لكي تستطيع القيام بهذه المهمة، أما شكل النظام السياسي، فلا يغدو مهماً، حيث تشهد، في الغالب، قيام سلطة فردية، تستمر طويلاً، أما الصحافة، والمجلس التشريعي، والانتخابات.. الخ، فكلهما أمور ثانوية، حينما يعمل بها فمن أجل امتصاص نقمة الجماهير في مجاري النشاط الإصلاحي “الديمقراطي” الذي يعتمد انتقاد بعض الظواهر دون المساس بجوهرها، وفي هذا الوضع يكون الرئيس فوق هذه القنوات، لأن الطبقة لا ترى فيها قنواتها الأساسية، بل تراها مظاهر ثانوية، ما عدا الجيش، الذي تعمل على شراء ضباطه، بما يجعلهم جزء منها.
والآن نعود إلى منطلق  كل الحوار ما هو الفرق بين السادات ومبارك؟
د. رفعت الذي حاول التأكيد على الاختلاف الطبقي بين رئيس وآخر، وأن الرئيس فوق الطبقات، من أجل تبرير الموقف الذي اتخذ في التمييز بين الرئيسين، يعود فيقول أن مبارك يمثل –كما السادات السلطة الرأسمالية الطفيلية، لكن بطريقة مختلفة، إذن الفرق محدود، لكنه يؤكد أن مبارك يختلف عن السادات، أما أوجه الاختلاف  ـ كما يسردها ـ فهي سياسية (التطبيع، العلاقة مع الكيان الصهيوني، العلاقة مع المعارضة وصحفها) إي أنها اختلافات تكتيكية لا تمس الأساس الذي يحدد طبيعة النظام، رغم أنه يحاول الأحياء بأنها تمس هذا الأساس، وإلا لماذا هذا التركيز على غياب التماثل بين رئيس ورئيس، إلى الحد الذي جعله يقول: إنه يصعب تفسير هذا الفارق بين رئيس وآخر “بمجرد أن الطبقة غيرت جلدها، أو غيرت مواقفها”. وكأن الطبقة لا تغير تكتيكها، بينما الطبقة تضع تكتيكها وفق الظروف في كل مرحلة، ومن ثم ينفذ الرئيس هذا التكتيك، وبالتالي يمكن تفسير هذا الفارق بين السادات ومبارك،  بأنه اختلاف تكتيكي، الهدف منه خدمة الطبقة بشكل أفضل، من خلال السعي لإيجاد منافذ “ديمقراطية” لتنفيس الأزمة المستفحلة، ومحاولة استقطاب المعارضة العلنية، لكي لا تمثل نقيضاً ممكناً للسلطة. وبالتالي عزل القوى السياسية عن الجماهير.
2 ـ الجماهير والسياسة والتغيير
ما قلناه سابقاً يتعلق بمسألة ارتباك الموقف من النظام، فماذا عن الموقف من الجماهير؟
يلخص د. رفعت المسألة بالتالي: “هناك مشكلة حقيقية تواجه اليسار المصري، أو إذا شئنا الدقة، تواجه كل القوى الثورية المصرية، وهي الفارق بين مجموع الأشجار وبين الغابة، أي الفارق بين مجموعة الأفراد والطبقة” (السفير 30/ 12/ 1988).
يبدو أن معنى هذه الجملة التي حرص د. رفعت على ترديدها في كل مناسبة هو الفارق بين الطبقة كمجموع أفراد، والطبقة كتنظيم أي غياب انتظام مجموع الأفراد في طبقة أي في حزب، حسب ما أشار ماركس وانجلز في البيان الشيوعي (طبعة دار التقدم –موسكو ص 58) إن الهاجس الذي يسكن هذا المفهوم هو هاجس الطبقة الموحدة المنظمة في حزب والملتزمة ببرنامج سياسي هو برنامج الحزب. والإشكالية كما يراها د. رفعت هي في أولاً: عزوف الجماهير عن العمل السياسي، وثانياً: “النوافذ” التي فتحتها البرجوازية المصرية من أجل تفريغ الأزمة، مما أبقى كل القوى السياسية “على سطح المجتمع ولا تصل إلى قاعة” (السفير 30/ 12) وبالتالي فالأزمة ليست –كما يشاع –أزمة خاصة بحزب التجمع، بل الأزمة أكثر تعقيداً، أي أزمة مجتمع.
الجماهير والسياسة
هل هناك فعلاً “حالة تباعد” جماهيري عن السياسة؟ د؟ رفعت يؤكد ذلك، ويحدد مصادرها التاريخية، والراهنة، فالشعب المصري منح “الكاريزما” للوطنية وليس للتحزب، لهذا فتجربة الأحزاب منذ عام 1919 غير ناجحة، “إذن فالمجتمع المصري لم يتقبل العمل السياسي بكمّ كاف”.
هنا نتلمس خلطاً بين “الوطنية والتحزب” كما نتلمس تشويشاً في فهم معنى العمل السياسي، ونتلمس ثالثاً تشويهاً لأسباب فشل تجربة الأحزاب منذ عام 1919، والهم هو الخلط بين العمل الثوري والعمل السياسي، لذا نعود إلى مسألة الأشجار والغابة، مجموع الأفراد والطبقة، إذن ماذا يعني تقبل الجماهير للعمل السياسي؟ أنه يعني، حسب هذا الرأي، وكما هو واضح في نص المقابلة، كما في كتابات أخرى، مسألتان الأولى: انتظام مجموعة الأفراد في حزب، لكي يحقق هذا الانتقال “الجدلي” من الكم (مجموع الأفراد) إلى النوع (الطبقة) والثانية: مشاركة الطبقة في العمل السياسي اليومي، مثل الانتخابات، وقراءة الصحف، والمشاركة في المهرجانات التي تدعو إليها الأحزاب السياسية و .. الخ، لكي يرفع عدد القوى السياسية البشري من نصف مليون وهو التقدير الذي يحدده د. رفعت إلى 50 مليون، وهو عدد سكان مصر. بمعنى أن يصبح حجم القوى السياسية ممثلاً لثقل كبير من الشعب.
إذن يحكم هذا المنطق فهم “كميّ” ورؤية ميكانيكية لكيفية تحول الكم إلى نوع، مجموع الأفراد إلى طبقة، لهذا نراه يتحدث بـ “الكم” (فالمجتمع المصري لم يتقبل العمل السياسي بكم كاف) ويتجاوز القضايا التي تحول الكم إلى نوع، على صعيد الطبقة وعلى صعيد العمل الثوري، ونقصد الوعي والتنظيم، لكن ليس بالطريقة التي يطرح فيها د. رفعت القضايا، بمعنى استقطاب القوى السياسية لـ “الجماهير” إنه بطريقته يعتمد الإضافة العددية كرافعة لتحول الكم إلى نوع، بينما الماركسية تقول غير ذلك خصوصاً في قضية الطبقة والعمل الثوري، حيث لا تعتمد انتظام كل طبقة في حزب، ولا تعتمد مشاركة كل الطبقة في العمل السياسي بمعناه الحزبي، وإن أكدت على مشاركتها في العمل الثوري وبالتالي فنحن أمام مسألتان، الأولى هي قضية وضع الجماهير وإمكانيات مشاركتها في العمل السياسي، والثانية هي قضية دور الحزب (أو ضمن الحديث العمومي، القوى السياسية).
السياسي كما أصبح معروفاً هي التعبير المكثف عن الاقتصاد، وإنطلاقاً من هذه الفكر يمكن القول إن العمل السياسي هو النشاط الواعي المعبر عن الطبقات، هنا نحن ندخل مفهوم الوعي كعنصر أساسي في تحديد النشاط السياسي، لأن المقولات المفاهيم السياسية التي تحكم العمل السياسي هي نتاج عملية التجريد النظري المنطلقة من الواقع، لكن بادخالنا مفهوم الوعي ندخل ضمناً مفهوم المصلحة الطبقية، وإذا كان من المفترض أن يمثل الوعي الطبقي المصلحة الطبقية، فإن حالة الاتحاد هذه بين الوعي والمصلحة هي حالة الانتقال النوعي، لكنها ليست الحالة السائدة. بمعنى أن الوعي السياسي ليس هو الوعي السائد لدى الطبقة العاملة (أو لدى الجماهير الشعبية عموماً) بل أن “وعياً غريزياً” يخص المصلحة المباشرة للطبقة هو السائدة، وهو “الوعي” المتعلق بالجانب المعيشي تحديداً (وهو ما يسمى عادة بالوعي الاقتصادي، أو التريديونيوني حسب لينين)، هنا يحدث الافتراق بين الوعي الحقيقي المعبر عن الطبقة ووعيها الاقتصادي (أي الماديون سياسي).
لكن هذا الافتراق لا يعني ابتعاد الطبقة عن العمل السياسي بمعناه الواسع، بل يعني ابتعادها عن عمل سياسي محدد، غالباً قوانينه “السياسيون، أي المشتغلون بالعمل السياسي (محترفو العمل السياسي).
لهذا ميزنا بين العمل الثوري والعمل السياسي، لأن معنى العمل السياسي هو –كما يتحدد في الغالب ـ العمل الديمقراطي العلني، النشاط العلني الذي تمارسه الأحزاب، والطبقة العاملة (والجماهير الشعبية عموماً) لا ترى أن هذا العمل هو الذي يحقق مصالحها، لأن الأشكالية التي تعيشها لا تتعلق مباشرة بشكل النظام السياسي القائم، أو بطبيعة الحزب الحاكم فيه، بل تتعلق بالاستغلال الطبقي الذي تعيشه، والذي يدفعها إلى حدّ الموت جوعاً. هنا يكون مطمحها هو: التغيير الجذري للنظام، لكن دون تحديد التصور النظري لذلك، لهذا نراها تميل إلى القوى الأكثر رفضاً للنظام، والأكثر بعداً عن المشاركة في العمل السياسي القائم. ولا بد هنا من الأشارة إلى الافتراق بين الوعي الطبقي والمصلحة الطبقية، ليس في أساس الموقف، أي في قضية التغيير الجذري، لأنها مرتبطة بالإضافة النوعية التي تدخل من خارج الطبقة، أي من فئات مثقفة، من الماركسيين.
إن إشكالية الاضطهاد الطبقي التي تتفاقم إلى حدّ سيادة حالة الإفقار المطلق، أي عدم مقدرة الطبقة على تجديد ذاتها، تفرض على الطبقة (ونقصد تحديداً الطبقة العاملة، ولكن أيضاً فئات واسعة من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة) التعبير عن رفضها، لكن هذا الرفض لا يتخذ شكلاً سياسياً أولاً، ولا يعبر عن حركة مستمرة في الغالب، بل يأخذ شكل انفجار شعبي كبير في لحظات محددة، لكن دون اعتبار هذه اللحظات معزولة عن نشاط سابق محدود، أو جزئي. طبعاً حين نتحدث عن الطبقة العاملة وحدها من الضروري الإشارة إلى أن نضالاتها كبيرة، ومن يدرس حصيلة السنوات الخمس الماضية، (وعلى صعيد مصر تحديداً) يلاحظ نشاطها المتزايد، بمعنى أنها تخوض النضال من أجل تحقيق مصالحها، المطلبية على الأقل. أنها في وضع ثوري.
وبالتالي، لا يمكن لنا إلا أن نقول أن الجماهير تخوض غمار النضال الثوري، لكن ليس بالطريقة التي يريدها د. رفعت، بل بطريقتها الخاصة، طريق الإضراب، المظاهرة، والانتفاضة. وبالتالي تكون المشكلة ليس في حالة تباعد الجماهير عن السياسة، بل في حالة تباعد القوى السياسي عن نشاط الجماهير الثوري.
قبل أن نسترسل ولكي لا نتهم بأننا نتحدث عن وضع وهمي، أننا نتحدث عن وضع ثوري ليس موجوداً في الواقع، نستشهد بالدكتور رفعت، الذي يقول “أنت لا تستطيع أن تضع المواطنين على حافة الموت جوعاً،ثم تطلب منهم أن يتحركوا بحرية” (السفير 29/ 12) حينما تحدث عن أزمة الديمقراطية، ثم يقول “فإذا كان الفعل الثوري يبدأ بإقناع المواطنين بأن الأحوال الراهنة لا يمكن استمرارها على ما هي عليه، فقد كفانا النظام مؤونة هذا (النضال) فنحن في هذا المعترك.. نكسب من دون أن نفعل، فالنظام كفيل بـ ـ تطفيش ـ كل مصري من محبته، ولسنا بحاجة إلى إقناع أحد بأن الأحوال أصبحت لا تطاق، المصريون جميعاً مقتنعون بذلك، تبقى الخطوة التالية، السخط وحده لا يصنع عملاً ثورياً، السخط قد يؤدي إلى عمل ثوري وقد لا يؤدي إلى إحباط (السفير 30/ 12).
إذن، د. رفعت يؤكد ذلك، لكن الخلاف في الدور الذي يجب أن تلعبه القوى السياسي. من أجل “صنع عمل ثوري”. ورغم أن د. رفعت لا يجيب مباشرة عن ذلك، برغم أنه يقول “تبقى الخطوة التالية” لحالة السخط”، إلا أنه يهرب إلى الحديث عن “النوافذ” التي يفتحها النظام، ليصل إلى أن جزءاً هاماً من الجماهير لا يعيش حالة السخط هذه. د. رفعت هنا يقودنا إلى متاهات، حيث يقول إن هنالك وضعاً ثورياً، لكن ـ كما يبدو ـ يتمنى أن لا يكون، لهذا يسوق المبررات غير المنطقية، والمنافية للمنطق، من أجل أن يصل إلى إن الجماهير لا ترغب في العمل السياسي، وأنه حتى الأزمة التي تعيشها استطاعت السلطة أن تفرغها، إذن ليست هناك أزمة، ولا هناك وضع مؤات لعمل ثوري. وهذا ما سوف تناقشه لاحقاً ـ وبالتالي يمكن القول أن الظرف الموضوعي يفرض الحديث عن الأزمة ـ لكنه حديث “الكوابيس” الذي لا يرغب لا هو ولا النظام أن يكون.
وإذا كان د. رفعت ينتظر انتظام الجماهير في حزب فهذا وهم سوف لن يفيق منه، لأن الجماهير تقاتل بغريزتها، وهي لا تقاتل إلا إذا وصلت إلى حالة من العجز عن تجديد الذات، وبالتالي فهي في “الوضع الطبيعي” تنهمك في البحث عن لقمة العيش، لكنها حينما يتفاقم الاضطهاد الطبقي تمارس أشكال العمل الثوري المختلفة ـ أي الإضراب، المظاهرة، والانتفاضة، وإذا كانت عاجزة عن بلورة وعيها المطابق لمصالحها، نتيجة افتقادها للمستوى الثقافي الذي يؤهلها لذلك، فإنها ترى ضرورة وجود قوى سياسية تمثلها، وبالتالي فهي ترى أن وعيها المطابق يتجسد في حزب معين تعتقد أنه يمثلها، لكن انطلاقاً من تلمسها لمصلحتها الطبقية. هنا نلحظ الفاصل بين الطبقة و “وعيها” أي الحزب الذي يعتنق منظومة المفاهيم والأفكار التي تعبر عن مصالحها، والطبقة لا تلمس ذلك إلا من خلال الصراع، من خلال مدى ارتباط الحزب بمصالحها في النضال اليومي، ومدى تعبيره عن مشكلاتها. إذن الحزب يجب أن يكون معها في الإضراب الذي تقوم به، وفي المظاهرة، والانتفاضة، لا أن يطلب منها إن تكون معه في الانتخابات، وفي المهرجانات، لأنها وانطلاقاً من حسها الطبقي، ومن أشكال الاستغلال والاضطهاد السحق التي تمارس ضدها، غدت تعتقد أن التغيير هو الهدف. إن إسقاط النظام هو الحل، حتى وهي تتظاهر أو تضرب، أو تنتفض، فلان هذا ما تستطيعه، ما  يؤهلها وعيها لعمله، لكنها نأمل ف قوة سياسية أن تحقق مطمحها في التغيير.
إن حالة الاستغلال الطبقي، والدور الذي تلعبه الطبقة للتعبير عن رفضها الاستغلال هذا. هما أساس النشاط السياسي، وأي نشاط آخر في ظرف معين أن يرتبط به ـ لكي يمكن للحزب أن يرتبط بالطبقة، وأن ينظم صفوفها ما دام العمل السياسي ليس غاية، بل وسيلة من أجل الإسهام في ارتقاء البشرية، أما الغاية فهي خدمة الإنسان ذاته، أي تطوير وضعه الاقتصادي، الفكري والأخلاقي، والثقافي… وكذلك فهو وسيلة من أجل أن يعرف الإنسان حقوقه، ويمارس دوره الاجتماعي، وبالتالي فالعمل السياسي ليس قيمة مطلقة، بل أن هدفه محدد ضمن أطر الحياة الاجتماعية، وفي هذه الحالة فهو يرتبط بأقلية فقط، لكن في ارتباط مع الطبقة وتفاعل معها، ومن أجل إن يحقق مطمحها، لهذا كان الحزب ـ حسب لينين ـ هو الأقلية المنظمة السرية الواعية، التي تبث الوعي المطابق لمصالح العمال وجماهير الشعب، والتي في لحظة معينة تكون قادراً على قيادتها إلى الانتصار، ولا تستطيع ذلك إلا إذا عرفت بصحة خطها وتكتيكها، اللذان يجعلان الجماهير أكثر التصاقاً بها، وأكثر تمسكاً بمبادئها ودفاعاً عن أهدافها (يمكن مراجعة، كتاب ـ ما العمل ـ مثلاً) وهنا من الضروري اتحاد الوعي والمصلحة الطبقية، التنظيم والعفوية، الظرف الذاتي والظرف الموضوعي، من أجل تحقيق الانتصار.
إذن الحزب ليس صيغة من أجل الجمع الكمي للطبقة، بل هو “هيئة أركان” الطبقة، العامل الذي، يسهم، في النظرية والممارسة، في لحمة الطبقة ـ تماسكها ووعيها لمصالحها وأهدافها، الجزئية (المطلبية المعاشية) والشمولية (السلطة السياسية، وإنهاء علاقات الاستغلال). إنه الأقلية التي تعي مصلحة المجموعة، وتدفع هؤلاء من أجل أن تصبح الطبقة هي السائدة.
مسألة النوافذ
يشير د. رفعت إلى أن البرجوازية المصرية فتحت نوافذ لتفريغ السخط الشعبي الذي يؤكد حدوثه، كما فتحت الإمكانيات الفردية لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية من خلال الهجرة، حيث هناك 4 ملايين مصري بعملون في الخارج، وبالتالي، وإذا اعتبرنا إن الأسرة مكونة من خمسة أشخاص، يعيلون 20 مليون شخص، يأكلون من الخارج، و “لا يستشعرون أي صراع طبقي” ثم من خلال الطفيلية التي لم تعد قطاعاً أفقياً، وإنما هي شق رأس في المجتمع، مع تعدد مهنها أيضاً (السفير 30/ 12).
وبحسب هذا المنطق تبلغ الفئة التي لا تستشعر الصراع الطبقي نسبة تنوف على نصف السكان بكثير. إذن استطاعت البرجوازية أن تفرغ الأزمة، أو كادت!!
ولن نطيل في هذا المجال، بل سوف نبدي الملاحظات التالية:
أ ـ إن الهجرة إلى خارج مصر للعمل بدأت منذ بداية السبعينات، أي منذ استعلام السادات السلطة، والأزمة الاقتصادية الاجتماعية بدأت في التفاقم منذ الوقت، ويوضح ذلك اتساع الهوة بين الطبقات وحالة الإفقار التي أخذت تعيشها الجماهير، وتفاقم المديونية وزيادة ثراء قلة، هي البرجوازية التابعة، وبالتالي فلا يجوز اعتبار الهجرة منفذ لحل الأزمة، رغم ان هناك فعلاً أربعة ملايين مصري يعملون في الخارج.
ب ـ إن تطورات أسواق النفط، وانهيار أسعار البترول فرضت على الدول النفطية الاستغناء عن قسم لا يستهان به من الأيدي العاملة العربية، ولا شك أن الفترة القادمة سوف تشهد تفاقم هذه الحالة.
جـ ـ إن كل الدراسات الاقتصادية الخاصة بمصر، أشارت إلى تفاقم مشكلة الفقر، وتفاقم التمايز الطبقي، حيث إن 20% من السكان يعيشون حالة من الفقر الشديد وإن 40% من السكان يعيشون حالة من الفقر النسبي، بينما 20% الأغنى يحصلون على 49,5% من الدخل المحلي (الأهرام الاقتصادي عدد 888 تاريخ 2/ 1/ 1986). بينما يشير محمد سيد أحمد إلى أن الفوارق المعيشية أصبحت استفزازية (الوطن الكويتية 13/ 3/ 1986). وحسب دراسات أخرى فإن 44% من الأسر تحصل على 20% من الناتج المحلي، وإن أدنى 57% من الأسر تحصل على 32% من الناتج، وإن أدى 71% من الأسر تحصل على 46% من الناتج المحلي.
بمعنى أن حدة التمايز الطبقي في ازدياد، رغم الهجرة للعمل في الخارج، ورغم الطفيلية التي رأي في المجتمع”، والسبب هو حدة النهب الذي تمارسه الطبقة البرجوازية التابعة، وكذلك الشركات الاحتكارية الامبريالية، الأمر الذي يفرض نفسه على الجماهير كلها، وبالتالي يجعل الهجرة للعمل وسيلة عيش، وليست وسيلة لمراكمة الثروة.  وحينما توجد “عناصر تملك عشرات المليارات من الدولارات، وتتحكم بمصير البلد، فهناك أفراد في مصر لديهم من الملكية الخاصة ما يصل إلى ثلاثة عشر مليار دولار، كما يقول د. رفعت (السفير 30/ 12)، حينما توجد هذه العناصر، وهي جزء من طبقة نهبت ثروات هائلة، فلا يمكن الحديث عن النوافذ التي يمكنها تفريغ أزمة الجماهير الشعبية، لأن هذا النهب طال الغالبية الساحقة من الجماهير مما وضعها على حافة الموت جوعاً.
* * *
ماذا يقول د. رفعت حول الجماهير والسياسة والتغيير؟
إنه يقول: الجماهير بعيدة عن العمل السياسي تاريخياً وراهناً، الجماهير تعيش أزمة عميقة، تضعها على حافة الموت جوعاً، البرجوازية المصرية فتحت إمكانية الحل الفردي الذي غطى قطاعات واسعة من الجماهير، ماذا نفهم من ذلك، غير الارتباك، النابع من “كوابيس” الأزمة التي تعيشها الجماهير، التي غدت ترغب ليس النظام وحده؟
لا نفهم من كل ذلك سوى رفض النشاط الثوري للجماهير؟ رفض ان تلعب القوى السياسية دوراً في هذا النشاط، والأمل في حل الأزمة بصفقة مع النظام تخفف من عمقها دون أن تلغيها.
ومن أجل ذلك نرى د. رفعت يتحدث عن اندفاع الجماهير في معترك النشاط الثوري، ثم يعود للتحدث عن غلبة الحل الفردي. فهو يقول “ولسنا بحاجة إلى إقناع أحد بأن الأحوال أصبحت لا تطاق، المصريون جميعاً مقتنعون بذلك. تبقى الخطوة التالية، السخط وحده لا يصنع عملاً سورياً، السخط قد يؤدي إلى عمل ثوري وقد لا يؤدي، بل قد يؤدي إلى إحباط، (السفير 30/ 12)، إذن ما هي الخطوة التالية، التي تجعل السخط يصنع عملاً ثورياً، ولا يؤدي إلى الإحباط؟
إن ما يقوله هنا صحيح، وهو ما حاولنا تأكيده طيلة الصفحات السابقة، حيث الجماهير مقتنعة بأن الأحوال أصبحت لا تطاق لأن الأزمة تطحنها، لكن تبقى الخطوة التالية فعلاً، ما هي الخطوة التالية؟
د. رفعت يبدأ من مقدمة صحيحة، من أجل الوصول إلى نتيجة خاطئة، فما هو سيناريو “التغيير” حسب تصوره؟
3 ـ طريق اليسار إلى التغيير
بعد ذلك، وقبل أن نخرج الخط الأساسي من الخطوط التي تلفّه ولكي نستطيع الإمساك به بشكل واضح، من الضروري أن نسأل: ما هو طريق حل المشكلات التي تعيشها مصر؟
تشخيص الواقع
لكن أولاً، كيف يرسم د. رفعت واقع الأزمة؟ إنه يقزم المشكلات، و “يجردها” إلى حدّ الذي تبدو فيه كشيح، يحدد د. رفعت نقاط الافتراق عن نظام السادات وبالتالي حسني مبارك ـ بأربع هي التبعية، كامب ديفيد، المواقف الاقتصادية والاجتماعية، قضية الديمقراطية، وهي مثل “مكعب الأطفال” مرتبطة ببعض وهذا تقزيم للمسألة، لأن أساس الافتراق ليس هذا، بل من المفترض إن يكون افتراق طبقي، افتراق المستغلين (بفتح الغين) عن المستغلين (بكسر الغين)، وبالتالي افتراق سياسات طبقية مختلفة. لذا د. رفعت على تقزيم الصراع الطبقي إلى افتراق في مواقف اقتصادية واجتماعية، وتقزيم التبعية إلى حاجة مصر إلى أربعة مليارات دولار، وبالتالي غدت المسألة ليست مسألة مصالح طبقة في الارتباط بالامبريالية، بل حاجة النظام إلى المساعدات. هل هذه هي التبعية؟ أم هي أنها بنية متكاملة، لتعلق بمصلحة طبقة بالارتباط لكي تصبح وسيطاً تجارياً، ومن ثم نشاط الشركات الاحتكارية لنهب البلد؟ بمعنى أليست التبعية هي اختيار اقتصادي اجتماعي لطبقة؟ وبالتالي تكون المسألة هي هل تبقى هذه الطبقة مسيطرة وتبقى التبعية، أم تسقط ويفرض اختيار اقتصادي اجتماعي جديد، مستقل ويخدم عملية التقدم، ويلبي مصلحة الجماهير الشعبية؟
إن هذا التقزيم للمسائل يظهر “الافتراق” بين نظام السادات، أو حسني مبارك، واليسار وكأنه افتراق في إطار الطبقة ذاتها، افتراق في السياسات الاصوب، التي تخدم مصالحها، لهذا يأتي الحل لكي يعزز من هذا الاعتقاد، ما هو الحل؟ ما هو سيناريو اليسار ـ حسب د. رفعت؟
طريق اليسار
النظام يطرح سيناريو يقوم على أساس الحاجة إلى ثلاثة إلى أربعة مليارات من الدولارات من الولايات المتحدة، وبالتالي يقبل أقامة علاقات خاصة معها، ويضطر إلى إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، المشكلة ـ حسب ما يحددها د. رفعت ـ هي في الحاجة إلى المساعدات. إنها المحدد لمجمل السياسات الأخرى (كامب ديفيد، التبعية، اللا ديمقراطية، الإفقار) وعلى ضوء ذلك ـ  على ضوء هذا التقزيم للمشكلات ـ يحدد سيناريو معاكس يقوم على أساس بسيط، فهو لا يطالب بالاشتراكية، ولا حتى بأي إجراء عنيف (السفير 30/ 12)، بل فقط “إذا أخذنا من هؤلاء ـ أصحاب المليارات ـ فائض ما يملأ خزائنهم، أمكننا أن نتخلص من سياسات التبعية، وأمكننا بالتالي أن نتخلص من كامب ديفيد، وأمكننا ثالثاً أن نعمق الديمقراطية، هنا ترتبط القضايا ببعضها البعض. يرتبط ما هي وطني بما هو قومي، بما هي اجتماعي” (السفير 30/ 12).
من الذي يأخذ من هؤلاء وكيف؟ ثم ألا يمثل هذا الحل رؤية ساذجة للرأسمالية التابعة؟ حيث لو كانت معنية بالوطن، هل كانت كدست هذه المليارات من الأساس، وبالطريقة التي كدستها؟
طبعاً الحل مقدّم للنظام من أجل أن يقوم بالتحصيل من هؤلاء، هنا يظهر من جديد الفصل بين النظام وهذه الطبقة التي نهبت مصر، كما يظهر أنه يمكن التحصيل من هذه الطبقة، أليست هذه رؤية أخلاقية ساذجة، إن قيمة أي حلِّ يمكن أن يقدَّم، يجب أن ينطلق من أحد أساسين:
الأساس الأول: هو أن يكون ملائماً للطبقة التي ستحققه، أي أن يعبر عن مصالحها.
والأساس الثاني: أن يعبر عن الفئة التي تطرحه. (فماذا نقول عن “سيناريو اليسار” هذا؟ يمكن أن نقول أولاً، أنه لا يعبر عن مصلحة الطبقة الحاكمة ـ المعنية بتحقيقه حسب مطلب د. رفعت لن علاقاتها مع الولايات المتحدة غير قائمة على أساس الحاجة إلى ثلاثة أو أربعة مليارات دولار، بل لأن البرجوازية المصرية تابعة في الأساس لن مصالحها تفرض عليها ذلك، لأن تبعيتها هي التي تجعلها تثري وتراكم الثروات، وبالتالي فإن مشكلتها ليست في تجاوز الحاجة إلى المساعدات والقروض بل في نهب الوطن، والاستفادة من المساعدات والقروض في مراكمة ثرواتها أيضاً، وبالتالي لا يضيرها مراكمة الديون، ولا الحاجة إلى المساعدات (التي تعتبرها حق نتيجة استفادة الشركات الاحتكارية العالمية من الخدمات التي تقدمها لها من أجل نهب الوطن أيضاً). إن البرجوازية المصرية تعي ما تفعل، وما يهمها هو مواكمة ثرواتها، وليست بحاجة إلى ناصح لها. وثانياً إن هذا السيناريو يعبر عن “وهم” فئة من البرجوازية الصغيرة بأن البرجوازية التابعة قادرة على حل مشكلات مصر، وهذه خطوة تفتح أمام الفعل الثوري أفاقاً واسعة جداً ورحبة تمكنه من أن يحقق الانتصار، وأن يلحق الهزيمة بالسيناريو الآخر: سيناريو التبعية، كامب ديفيد، الإفقار، اللا ديمقراطية (السفير 30/ 12) كيف؟ هل الضغط الشعبي سوف يفرض على البرجوازية التابعة تحقق هذا السيناريو؟ هذا هو الوهم الذي يشيعه منطق د. رفعت، وكل المنطق الإصلاحي.
د. رفعت لا يريد تحقيق الاشتراكية، بل فقط “إن نأخذ” من البرجوازية المصرية المليارات الثلاث أو أربع. ونحن لا نعتقد إنه يمكن تحقيق الاشتراكية الآن، لكن نعتقد أن البديل عن تحقيق الاشتراكية هو ليس استمرار سيطرة البرجوازية التابعة، والسعي من أجل عقلنة سياساتها، أو “فرض” حلول تخدم تقدم “العمل الثوري”، لأن الحل الوحيد الذي يخدم تقدم العمل الثوري هو إسقاطها من أجل أن يكون ممكناً تغيير البنية الاقتصادية الاجتماعية، بما بهيء إلى الانتقال إلى الاشتراكية، إن مشكلة البلدان المختلفة هو في سيطرة اختيار اقتصادي اجتماعي. يقوم على أساس رأسمالي، يكرس التبعية للامبريالية، ويكرس غياب المسألة الأساسية في كل نظام رأسمالي، أي الصناعة، في مقابل سيادة علاقات تجارية استهلاكية. والبرجوازية المحلية معنية بتكريس هذا الاختيار لأنه اختيارها، وبالتالي فأي حديث عن التقدم، يفرض إسقاط هذا الاختيار، بإسقاط الطبقة، صاحبته، وأي تفكير ينطلق من غير هذا الأساس سوف لا يخدم سوى استمرار سيطرة هذه الطبقة، فالمسألة ليست مسألة سوء أخلاق أو حسنها، وكذلك ليست مسألة مشاعر وطنية أو قومية، وهي ليست مسألة حسن نية أو سوئها، بل هي مسألة مصالح طبقية، مصلحة طبقة في استمرار بقاء مصر في إطار النظام الامبريالي العالمي، وبالتالي القبول بكل تبعات ذلك.
لذا فإن خيار اليسار، خيار الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، هو إسقاط هذه الطبقة، وإقامة نظام طبقي جديد، يردم الهوّة خلقها التخلف التاريخي، وكرسها نظام التبعية الامبريالي. أما الحديث بلغة الضغط على النظام، وتقديم الحلول من أجل “فرضها” على النظام، أي الضغط على النظام من أجل قبول “الحل الآخر”، فهو ما يخدم غير اليسار، إن السعي من أجل عقلنة سياسات الطبقة البرجوازية التابعة يعبر عن السعي لخدمتها أولاً، ويبرز الإبعاد عن الإجابة على السؤال: هل تفعل هي ذلك، أي هل تأخذ بهذا الحل “العقلاني”؟ وبالتالي ما قيمة هذا الحل إذا كانت الطبقة صاحبة الشأن لا ترى إنه يخدم مصالحها، سوى تحويل حركة الجماهير إلى قوّة ضغط فقد بدل أن تكون قوّة تغيير؟
والفرق يتحدد في رؤية هل من الممكن إن تحقق الطبقة المسيطرة هذه الخطوة أو تلك أم لا؟ لقد عمل النظام المصري بعد مقتل السادات على إحداث انفراج ديمقراطي، وحاول “محاربة الفساد” لكن هل يستطيع فعل أكثر من ذلك؟ إن المطالبة بأكثر من ذلك لا تعدو أن تكون وهماً، وتنطلق من رؤية أخلاقية وليست طبقية، ولهذه الرؤية معناها الطبقي، ما هو هذا المعنى؟
4 ـ تلخيص الملخّص
بعد ذلك ماذا يعني حديث د. رفعت عن المعارضة الراديكالية والأساسية للنظام غير أنها معارضة راديكالية ضمن إطار نفس الطبقة؟ إنها راديكالية فئة من الطبقة ضد فئة أخرى، تعتبرها ترتكب حماقات قد تطيح بها، لهذا تدعو لعقلنة سياساتها خشية الهاوية.
إن د. رفعت ما أنفك يكرر مقولة وجود اليسار في “الرقعة السياسية” وفي “الرقعة الثقافية”، لهذا لا ينفك يعدد مواقع وجوده في مختلف مجالات الثقافة من أجل أن يعترف النظام بهذا الوجود، بسعة هذا الوجود، وبالتالي إن يأخذ بعين الاعتبار ما يقوله اليسار، أن ينظر بجدية لما يقوله اليسار. والهدف كما حاولنا إيضاحه سابقاً هو عقلنة سياسات النظام، قبول النظام بحلّ إصلاحي يجعل الطبقة المستغلة ـ الحاكمة تتنازل عن بعض ثروتها ـ أو عن بعض فائض ثروتها ـ من أجل تخفيف أزمة البلد، وتلطيف السياسات الاقتصادية السائدة، ومن اجل أن تحصل مصر على هامش في علاقاتها الخارجية.
ومشكلة هذا الخط الإصلاحي أنه مرفوض من قبل الطبقة المستغلة الحاكمة، ولا تقبل به الجماهير الشعبية، لأنها توصلت بحسّها العفوي إلى أن هذه الطبقة لا يمكنها إلا أن تمعن في النهب، وبالتالي فالحل الوحيد الممكن هو إسقاطها. أما البحث عن “رقعة” للنوم عليها، فلا يقدم للجماهير  سوى ما يضر مصالحها، لأنه حلّ ينطلق من تحويلها إلى قوّة ضغط، من أجل هدف لا يفيدها، بينما مهمتها الأساسية هي التغيير. إن ابتعاد اليسار عن الجماهير ـ ابتعاده الأساسي هو ابتعاده عن الدفاع عن مصالحها، وخوض النضال من أجل تحقيق أهدافها ـ وتبنيه لبرنامج إصلاحي فرض أن يتحوّل إلى هامش، وهامش مفكك مفتت، حيث أصبحنا نرى ماركسيون كثر، لكن لا ينتمون إلى حزب، بل يشكلون يساراً مبعثراً، يمثّلون فكراً يسارياً، لا دور تغييرياً له، وفي هذا الإطار يجري الحديث عن تراجع دور اليسار وتشققه هو وهذا ما أصاب حتى الحزب الشيوعي المصري، والخلاف فيه ليس هامشياً كما يومي د. رفعت، بل هو خلاف كبير يعبرّ عن الاختلاف حول الدور الذي من الضروري أن تلعبه الماركسية ـ وبالتالي الحزب الماركسي ـ ، هل تبقى تضغط وتطالب وتناشد، أم تقرر أن تلعب دوراً قيادياً؟ وهذه كما أكدنا منذ البدء مشكلة الماركسية الرائجة، في الوطن العربي.
إن المسألة الأساسية هي ليس وجود ماركسيين في مختلف مجالات الثقافة والفكر، بل في محدودية دور هؤلاء، في الاختيار الذي ساد لديهم، والقائم على أساس نفي الدور القيادي للماركسية في بلد متخلف، وبالتالي التعلق بأمل أن تحقق الطبقة المستغلة الحاكمة بعض العقلنة في سياساتها، من أجل أن يجدوا متنفساً للنشاط العلني الشرعي، إذن المشكلة في محدودية الدور الذي حدده هؤلاء لأنفسهم، وهو الدور الذي كان يبعدهم عن الجماهير.
إن ما يجب أن يكون واضحاً أن الوطن العربي ـ ومنه مصر ـ لا يزال جزءاً خاضعاً في إطار النظام الامبريالي العالمي، تمارس في الشركات الاحتكارية الامبريالية كل صنوف النهب، كما أن طبقة برجوازية تابعة هي التي تحكم أجزائه، وهي معنية بتكريس التبعية، وباستمرار سيادة نمط العلاقات الاقتصادية الاجتماعية القائم على أساس الخضوع للمركز الامبريالي، وفي سيادة العلاقات التجارية الاستهلاكية، وفي المقابل تدفع الجماهير نحو الإفقار المطلق، الأمر الذي يفرض عليها الاقتناع بضرورة إسقاط الطبقة المستغلة الحاكمة، كما يفرض عليها التعبير عن أزمتها من خلال الإضراب والمظاهرة، وكل مظاهر الاحتجاج، وصولاً إلى الانتفاضة.
في هذا الوضع ما هو الحزب الماركسي؟ أن يقودها من أجل التغيير…
2
البيريسترويكا
الترجمة العربية الرديئة
بينما تعني كلمة بيريسترويكا بالروسية، إعادة البناء، فيبدو أنها تُرجمت في الوطن العربي ما يجعلها تعني تكريس البناء القائم، بمعنى أنها بالروسية تشير إلى حركية معينة، إلى حركة جدلية بينما غدت بالعربية تعني السكوت، التكرار. هذه هي الترجمة العربية التي تسود لدى بعض الأوساط، لهذا وجدنا البيريسترويكا التي تفرض الهدم وإعادة البناء، غدت نصاً “قانونياً” يبرر ممارسات ليست جديدة، بل أكل الدهر عليها وشرب.
لقد جرى استخدام البيريسترويكا من أجل تبرير منطق ساد في الوطن العربي منذ سنوات طويلة، وهو منطق “التصالح الطبقي”، منطق التفاهم مع البرجوازية الحاكمة، واللجوء إلى “النضال السلمي”، والعمل على دعم فئة “ثورية” فيها، وتشديد الهجوم على فئة أخرى، ليس من أجل إضعاف هذه وتلك، بل من أجل إضعاف هذه وتقوية تلك، وكأن مهمة الماركسية هي تشكيل جيش احتياطي، لدم فئة ورفض أخرى.
لكن يبدو أن الترجمة العربية للبيريسترويكا ذهبت في صياغاتها إلى أبعد من ذلك، فقد نشرت جريدة الأهالي (العدد 375 تاريخ 14/ 12/ 88) خبراً مذهلاً، حيث قالت “بدعوة من الحكومة الأميركية زار د. رفعت السعيد أمين اللجنة المركزية لحزب التجمع الولايات المتحدة…” وأشارت إلى أنه التقى بممثلين عن وزارة الخارجية والكونغرس، منا قام بزيارة البنتاهون “حيث أجرى مناقشة مع المسؤولين عن الشرق الأوسط…”. كما نشر د. رفعت السعيد مقالاً في العدد التالي من الأهالي (العدد 376 تاريخ 21/ 12/ 88) عنوانه “أنا في أمريكا”. والملفت أن د. رفعت يقول في بداية مقاله “بل لعلها البيريسترويكا هي التي دفعتني أنا لقبول دعوة كهذه”. طبعاً يمكن أن نفهم أن يزور غورباتشوف الولايات المتحدة. وأن يلتقي المسؤولين الأميركيين، لأن غورباتشيوف يمثل دولة اشتراكية (ويمكن أن نضيف عظمى) توازي الولايات المتحدة من حيث القوّة، كما أنه برغم اختلاف الأنظمة الاجتماعية بينهما، فإن التعايش هو خيارهم، نتيجة الرعب الذي أوجده امتلاك الأسلحة النووية، وبالتالي حتى لو فكّر أيٍّ منهما بإضعاف الآخر، فإنه سوف يفكر بطرق أخرى غير الحرب وهو لن يدمِّر سياسة التعايش.
أما حينما تتعلق المسألة بقائد ماركسي في بلد من البلدان الرأسمالية التابعة، المسيطرة عليها من قبل الشركات الاحتكارية الإمبريالية، فإن الأمور تأخذ منحى آخر. لأنه كما هو مفترض، وكما يفترض هو، يمثل طبقة مضطهدة، كما يعبِّر عم أمّة مستغلة، وبالتالي فإن خيار الماركسية هنا هو إزالة الإضطهاد والاستغلال، وإزالتها من خلال تصعيد الصراع الطبقي.
لكن د. رفعت السعيد يترجم البيريسترويكا على هواه، فقد ترجم مقوّلة الصراع الطبقي لتصبح التصالح الطبقي، كما ترجم “رأسمالية الدولة” على أنها الاشتراكية، وترجم الرأسمالية التابعة بـ “الرأسمالية المنتجة”. وكذلك فقد ترجم عبارة ماركس الشهيرة “لقد فسرّ الفلاسفة العالم، بينما المطلوب هو تغييره”، إلى عبارة من نوع “التواجد على الرقعة السياسية”، و “الاعتراف بالوجود الحقيقي للتيار الماركسي”. وها هو يترجم البيريسترويكا ترجمة عربية فصحى!! تجعله يقبل الحوار مع المسؤولين الأميركيين، ثم يصرخ وهو يفيض بالفرح “أنا في أمريكا”، ومن ثم يأخذ في شرح ما قاله له هذا المسؤول أو ذاك ألا يعبرّ  ذلك عن شكل من أشكال “التصالح الطبقي”؟ أليس هذا تعبير عن نقل مقولة التعايش السلمي بين الدول إلى حيزّ الطبقات، لتصبح المقوّلة السائدة هي التعايش السلمي بين الطبقات؟ ومن ثمّ هل من الممكن أن يكون هناك تعايش سلمي بين الطبقة المستغِلة والطبقة المستغَلة؟
وإذا كان د. رفعت السعيد يطبق هذه المقولة على الصراع الطبقي في مصر، حيث يدعو، جهاراً أحياناً، وبشكل متلوٍ في أحيان كثيرة، إلى التفاهم مع الطبقة المستغِلة –الحاكمة، أي مع فئة منها (اختراع مقوِّلة الرأسمالية المنتجة، والرأسمالية الطفيلية)، فها هو يعمم هذه المقولة لكي تطبق داخل إطار النظام الامبريالي العالمي، ومع القوة المهيمنة فيه، الرأسمالية الأمريكية ولهذا، فكما دعا الطبقة المستغلة الحاكمة في مصر إلى الاعتراف بـ “اليسار” في الرقعة السياسية، فربما يطالب الولايات المتحدة بنفس الاعتراف، من أجل أن يتحقق “التعايش السلمي”  وأن تتحقق المباراة في إطار من التكافؤ! ! وبالتالي تسود المبارة السلمية. وتنتشر “العقلانية” في العلاقات. كما يُعَقلن النهب الامبريالي، والاستغلال الطبقي. وفي سياق العقلنة هذه تتحول الرأسمالية إلى الاشتراكية! ! ربما؟ ؟ ؟ ! !
هل يمكن عقلنة السياسات الامبريالية؟ هل يمكن عقلنة النهب الامبريالي؟ وبالتالي هل يمكن “تجاوز الخلافات” مع الامبريالية، كما مع الطبقة المستغِلة –الحاكمة محلياً، بالطرق السلمية، وعن طريق الحوار، والضغط والإقناع، والترشيد، وإسداء النصائح، وانتقاد بعض السلبيات؟ هذا ما يحاول د. رفعت السعيد تعميمه، ليس الآن فقط، بل ومنذ مدَّة طويلة، بطرق مباشرة، أو ملتوية. وهذه هي الترجمة العربية الرديئة للبريسترويكا التي تعمِّق من طبيعة هذا الاتجاه الإصلاحي، ليغدو ليس اتجاهاً إصلاحياً محلياً يطرح قضية الصراع مع الإمبريالية كسب لتعميم منطق “التصالح الطبقي”، بل وأساساً اتجاه إصلاحي في إطار النظام الإمبريالي العالمي، فيصبح “التصالح الطبقي”، محلياً تحصيل حاصل، بل ليصبح من الممكن تعميمه ليشمل الرأسمالية المنتجة كما كان ينظر سابقاً، بل والرأسمالية التابعة ذاتها، وهذا ما يمكن تلمّس خطواته الأولى من خلال طرح التحالف مع الحزب الوطني الديمقراطي في مصر، وهو حزب الرأسمالية التابعة بجدارة، أو حتى طرح التحالف مع السلطة الحاكمة في مصر –التي هي سلطة الرأسمالية التابعة أيضاً –ضد أعداء وهميين، أو هامشيين،
لكن لماذا هذا الميل الإصلاحي، التصالحي؟
هذا الميل الذي استشرى داخل إطار الماركسية العربية، وحكم سياساتها الغالبة؟
لا شك أن الإجابة هنا تحتاج إلى دراسة أوفى، لكن يمكن أن نشير إلى مسألتين، المسألة الأولى: أن الحامل الأساسي لهذا الاتجاه كان من الفئات المتعلمة، التي لا ترى في الثقافة عنصر تغيير جذري، بل صيغة تقنية، تسمح لها بفهم أشمل للأوضاع القائمة، وبحلول أنجع، وأكثر عقلانية، هنا تنفصل الثقافة الماركسية عن أساسها الطبقي، الطبقة العاملة، ولا تعود المرشد في تعميق وعيها الثوري وتحديد دورها التاريخي، بل ترتبط بفئة تكنوقراطية من البرجوازية الصغيرة من أجل أن تقوِّي مواقفها الطبقية، من خلال قدرتها على تقديم الحلول الأكثر “علمية” التي تخدم الطبقة البرجوازية.
هنا ينتشر مفهوم عقلنة السياسات البرجوازية، وترشيد سياستها. إن قوة المنطق الماركسي هي التي تغري فئات من البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة واستخدامه، لكن مفصولاً عن جذره الطبقي. بمعنى ينظر لها المنطق كتقنية ناجعة في تحليل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم تحديد الحلول التي تخدم البرجوازية ذاتها، هنا لا تعود مهمة الماركسية تفسير وتغيير العالم كما اعتقد ماركس، كما اعتقد ماركي، بل تفسير الظواهر الجزئية المتعلقة بتحكّم البرجوازية، واكتشاف الحلول التي تدعم هذا التحكّم.
وهنا يكون الخلاف شكلياً بين “الماركسي” والوجودي، أو الوضعي، أو المثالي بالإجمال، لأن الهدف من استخدام هذه المناهج يصبّ في خدمة الطبقة ذاتها، نقصد البرجوازية. وبالتالي تكون الماركسية ليست منهج التغيير الثوري، بل كطريقة تقنية فقط. وأعتقد أن هذه المسألة تحتاج إلى تحليل أوفى.
المسألة الثانية: هي ما يمكن أن نسميه الرؤية الخاطئة للوضع الدولي، وتحديداً إتباع منطق القياس، بحيث يجري تمثّل الخطوات والسياسات التي يتبعها الحزب الشيوعي السوفياتي دون النظر لاختلاف الظروف، واختلاف طبيعة توازن القوى. وهذا ما دعوناه الترجمة العربية الرديئة (ويمكن أن نقول أيضاً المزورة)  للبيريسترويكا. وإذا كانت المسألة السابقة تجعل تناسي اختلاف الظروف، وطبيعية توازن القوى أمراً وارداً ما دامت السياسات التي يتبعها الحزب الشيوعي السوفياتي، والمتوافقة مع ظروفه الخاصة، تخدم هذا النهج. وهنا يسقط المنطق الماركسي كليّاً، ويستعاض عنه بمنطق القياس، من أجل تبرير سياسات واقعية، لهذا يجوي تناسي مقولات جوهرية تعتبر في صلب المنهجية الماركسية، مثل أن البنية الفوقية (الإيديولوجية، السياسة، نمط الدولة) هي انعكاس للبنية التحتية، وأن الخاص –التجربة الخاصة، التصور المنطلق من ظروف خاصة –لا يصبح قانوناً عاماً إلا حينما يجري تكراره، ولا يتحقق ذلك إلا بدراسة الظروف الطبقية في أمم مختلفة، ولهذا من الخطل تعميم ما هو خاص. طبعاً إن سبب هذا التعميم لدى بعض الماركسيين هو القناعة اللاهوتية بأن الطبقة العاملة السوفيتية هي المعبِّرة عن الطبقة العاملة العالمية، وبالتالي فما يعتبر تصوراً عالمياً، قانوناً عاماً، وهذا المنطق يتناسى أن العالم يتكون من أمم مختلفة لها ظروفها الخاصة.
وإذا كان “الماركسي التقني” هذا يحاول استخدام المنطق الماركسي في تحليل الظروف الواقعية بغض النظر عن قدرته على امتلاك هذا المنطق، وبتجاوز ذلك حينما ينظر على العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، وهذا تعبير عن ارتباك منهجي، فإن سببه هو كونه لا يسعى من أجل خدمة الطبقة العاملة التي يفترض أنه يعبر عنها، بل عن البرجوازية (أو بمعنى أعم عن الفئات مالكة الثرة، وبالتالي المستغِلة). لأن المنطق الماركسي، إذا ما طبّق على الصراع الدولي، سوف يفترض اختلاف النتائج والتصورات، وبالتالي السياسات والممارسات، بين طبقة عاملة وأخرى في إطار الأمم المختلفة. أما إسقاط هذا المنطق فيؤدي إلى سحب نتائج ظروف معينة، تفرض إتباع سياسة التعايش السلمي، على ظروف أخرى، تنفي هذه السياسة، وتفترض مفاقمة الصراع الطبقي، من خلال بث الوعي الماركسي وتطوير أشكال التنظيم لدى الطبقة العاملة والفلاحين والفقراء، لأن هذا هو ما يتوافق مع واقعها، مع ظروفها الواقعية، ظروف الاستغلال والاضطهاد الطبقيين، التي تفترض مفاقمة الحرب ضد القوى المستغلة، من أجل التحرر الطبقي.
إننا هنا أمام فئات متعلمة رأت في العلم وسيلة ارتقاء طبقي، وهذا النطق الذي انتشر في الريف العربي بعدما انهار ولم تعد ملكية الأرض هي معيار وجود الطبقات، وبالتالي تسرّب، ليس إلى الفكر البرجوازي بمختلف تلاوينه، بل ولاتجاه في الفكر الماركسي، كان مهيمناً، ولازال، وإن كانت قد تراجعت مواقعه.
ومن هذا المنطلق تبدو أفكار “التصالح” منسجمة مع هذه الفئة بالتحديد، التي اختارت طريقاً فكرياً آخر، غير الطريق الفكري المعبِّر عن البرجوازية بشكل صريح، لكن يوصلها إلى نفس النتيجة، خدمة الطبقة البرجوازية، حسب تلاوينها المختلفة (وهذه التلاوين ذاتها هي التي أنتجت تسميات محددة لها، مثل البرجوازية الوطنية –هكذا بعمومية  ـ ثم . . . . البرجوازية المنتجة، وربما يجري اختراع تعبير البرجوازية العقلانية). وإن كان ذلك لا يعني أن هذه الممارسة واعية دائماً، بل أنها لا واعية في غالب الحيان، لكنها غدت في مصر، في هذه الفترة، واعية إلى حدِّ كبير، لدى فئة حوّلت الماركسية إلى وسيلة لتبرير سياسات التحالف الطبقي، وكبح جماح الاندفاعة الثورية لدى الجماهير.
لكن المشكلة الأساسية أن خط “التصالح الطبقي” هذا يصطدم بإفرازات الاستغلال الطبقي، والنهب الاقتصادي الذي تقوم به الشركات الاحتكارية العالمية، التي تؤدي إلى أن تعيش الجماهير حالة إفقار مطلق يجعلها تخوض النضال الثوري (العفوي، وغير واضح الأهداف) بكل جبروتها، إنها تقاتل من أجل لقمة عيشها، ومن أجل ضمان قدرتها على إعادة تجديد ذاتها. وفي هذه الظروف يحدث التفارق بين الطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، وعموم الجماهير المسحوقة، وبين هذه “الماركسية” التصالحية الإصلاحية، لأن همِّ هذه الأخيرة غير هَمِّ الجماهير، ولأن الإشكاليات التي تطرحها لا تمسّ إشكاليات الجماهير، وإن مسّتها فمن أجل إقناع الطبقة المستغلة الحاكمة بتخفيفها فقط، من خلال عقلنة الإستغلال، وبتقديم بعض التنازلات لها.
لذا اعتقد أنه أصبح من الضروري تخليص الماركسية العربية من هذا المنطق الإصلاحي التصالحي، لكي تستطيع لعب دورها الثوري، دور المعبِّر عن مصلحة الطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، لكي يكون ممكناً لهؤلاء لعب دور قيادي يخرج الوطن العربي من أزمته، من الدوامة التي لازال يعيشها منذ قرن، أي دوامة التطور البرجوازي المستحيل. وإن تشديد النقد ضد هذا المنطق غدا ضرورة، خصوصاً أن الوطن العربي يتمخّض عن ثورة قادمة، لكي يكون ممكناً أن تحقق الثورة أهدافها العميقة. لقد تعفّنت الماركسية القديمة في الوطن العربي نتيجة سيادة هذا المنطق، وأصبح واضحاً أنها تعيش أزمة حادة، كما أن الماركسية، كمنهج وكتصور نظري، كأفكار مجردة، دخلت دائرة التشكك نتيجة سيادة هذا المنطق، الذي جعلها عاجزة عن أن تكون أداة فعّالة في تفسير الواقع، وفي تحديد طريق تجاوزه. ولهذا، ولكي تعود الماركسية منهجاً علمياً قادراً على تحديد طريق الانتصار لابُدَّ من تشديد النقد.
و د. رفعت السعيد واحد من الذين عبروا عن هذا المنطق، ولازال، فهل استطعنا هنا نقده؟ نأمل ذلك، مع العلم أن المسألة تحتاج إلى دراسة أوسع، لا تنطلق من موقف بعينه، بل تناقش جملة الأفكار التي ينشرها.
وما دامت  غدت تستخدم من أجل تبرير سياسات مختلفة، ولتغطية أهداف مختلفة، ومادامت تحتمل التفسيرات المختلفة، فلابُدَّ من العودة من جديد لمناقشتها، ماذا تعني؟ ماذا تمثّل في الوضع الدولي الراهن؟ كيف ننظر لها؟ وأساساً كيف نعيد تأسيس منظومة المفاهيم التي تعبِّر عن واقعنا؟
نأمل أم يكون ممكناً أن يتحقق مثل هذا الحوار. . . .

3
طريق الحرب الطبقية

لا شك أن منطق “التصالح الطبقي” ليس جديداً، ولا يمكننا أن نعتبر أن البيريسترويكا هي مصدر هذا المفهوم، رغم أنها تدعو في أحد تطوراتها إلى “المصالحة الوطنية”، بل أن هذه التصورات هي التي غدت السند الذي يدعم منطق “التصالح الطبقي”. لكن لا نستطيع أن نقول نفس المسألة عن سياسة التعايش السلمي بين “الأنظمة الاجتماعية” المختلفة، حيث تسربت منذ طرحها خرتشوف، نهاية الخمسينات، وعادت تدعّم بما نصت عليه البيريسترويكا، رغم أن منطق مهادنة الاستعمار ليست جديدة، بل مورست، حتى والاستعمار يحتلّ الوطن العربي.
باختصار يمكن أن نقول أن في الماركسية الرائجة في الوطن العربي ميل قوي نحو “التصالح الطبقي”، و “التصالح القومي”. ولعلّ رؤية خاطئة للوضع الدولي منذ انتصار ثورة أكتوبر غذّت من هذا الميل، فقد انتصرت الاشتراكية مع ثورة أكتوبر سنة 1917، لكنها تجاوزت مع النظام الرأسمالي.  ورغم الهمّة التي عمل بها لينين حينما عمل على تأسيس الأممية الثالثة، والقائمة على أساس دعم انتشار الثورة في الشرق بعد فشلها في الغرب، على ضوء هزيمة الثورة الألمانية سنة 1918، فقد توضح أن الظروف العالمية لم تكن مؤاتية لهزيمة الامبريالية وتأسيس اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية على نطاق العالم، أو على قسم واسع منه. لهذا عادت الدولة السوفياتية إلى الانكفاء خشية أن تقوم الدول الامبريالية بغزوها. فتأسس نظام عالمي يقوم على أساس تجاوز نظامين اجتماعيين متناقضين، في إطار حالة من التوتر والحذر والعداء، مع حاجة إلى التفاهم بين الحين والآخر، ومع انتظار الفرصة المؤتية لكي يدمّر واحدهما الآخر.
لكن بعد الأسلحة النووية لم بعد التدمير ممكناً لأن أية حرب سوف تدمّر الطرفين دون أن يكون هناك منتصر سوى الرماد. فأصبح التعايش السلمي هو الوسيلة الممكنة الوحيدة على أمل أن يدمَّر النظام الامبريالي من خلال تناقضاته حسب تصور الدولة السوفياتية، وانهيار النظام الاشتراكي نتيجة مشكلاته الداخلية حسب تصور الرأسمالية العالمية، وإن كانت هذه أكثر عدوانية. لذا كان التعايش والتفاهم، و “التصالح” ضرورياً. هنا كان الميل نحو التصالح مبرراً، خصوصاً أنه يخصّ نظامين مختلفين، لكنهما متجاورين، ومستقل أحدهما عن الآخر.
لكن هذا المنطق الذي خصّ نظامين مختلفين أخذ يطبق على طبقتين مختلفتين متناقضتين (الطبقة العاملة والبرجوازية)، وفي ظل سيادة نظام الاستغلال الطبقي. والفرق كبير، وكبير جداً، حيث أن تجاور النظامين الرأسمالي والاشتراكي قائم على أساس استقلال النظام الاشتراكي وتأسيسه لآلية تقدمه المستقلة عن النظام الآخر، وبالتالي ينتفي عنصر الاستغلال الرأسمالي فيما يتعلق بالنظام الاشتراكي، ليس لأنه انتفى داخلياً بسيطرة حزب الطبقة العاملة على السلطة، بل ونتيجة عملية فك الارتباط التي قام بها النظام الاشتراكي مع السوق الرأسمالي، وبالتالي إلغاء آليات الاستغلال الطبقي التي تفرضها الرأسمالية، حيث تفرض البرجوازية الأميركية هيمنتها على النظام الامبريالي العالمي على أساس من الاستغلال الطبقي.
وبالتالي إذا أسقطنا عنصر الاستغلال الطبقي هنا ودعونا إلى “التصالح الطبقي”، أو إلى تحقيق الاشتراكية عن طريق سلمي، يعتمد النوايا الحسنة للبرجوازية، فماذا يبقى من ماركس؟ ماذا يبقى من الماركسية؟ لأن التخلِّي عن قانون الصراع الطبقي، وعن قانون إزالة الاضطهاد القومي، يسقط الماركسية، ويعيدنا إلى الاشتراكية الخيالية، أو الاشتراكية البرجوازية الصغيرة، أو ربما أيضاً إلى الاشتراكية الرجعية (حسب تعبيرات ماركس في البيان الشيوعي)، ولعادات الماركسية وعظة أخلاقية، وليست نظرية ثورية. إن فكرة ماركس الأساسية كانت “تغيير العالم” وليس تفسيره فقط. والتغيير نابع من مقولة الصراع الطبقي ذاتها، حيث أن تفاقم الصراع الطبقي في مكان وزمان محددين يفرض التغيير لمصلحة الجماهير الشعبية، وهذه المقوّلة ذاتها هي التي تؤسس لغياب الصراع الطبقي بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، وبالتالي تعايشهما، لأن طبيعة الصراع بينهما هي من طبيعة أخرى، تأخذ شكلاً قومياً أولاً، وإن طرفاها نظامان متناقضان، كما تأخذ شكلاً تدميرياً ثانياً، وثالثاً فإنها لا تعبِّر عن حركة الصراع الطبقي الواقعي، إنها حرب بين أمم في التحليل الأخير.
إننا معنيون بأن لا يتفاقم الصراع بين النظام الاشتراكي والنظام الامبريالي لأن عواقبه وخيمة، في نفس الوقت الذي لا يؤدي إلى نتائج حقيقية، لكننا معنيون أساساً بأن يتطور الصراع في إطار النظام الإمبريالي العالمي، الصراع الطبقي ـ القومي ضد الطبقة الرأسمالية التابعة محلياً، والرأسمالية المسيطرة في هذا النظام. إننا معنيون بأن ينتقل الصراع إلى أرضه الحقيقية. فإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد أدت، نتيجة الحرب التي شنّها هتلر ضد الاتحاد السوفيتي، إلى أن تحرر الجيوش السوفيتية أمم عديدة، وتضمنها إلى النظام الاشتراكي، وهذا حلم رواد العديد من الماركسيين الذين انتظروا حدوث حرب عالمية جديدة تسمح بأن يحرر الاتحاد السوفيتي أممهم، لإإن هذه حادثة غير قابلة للتكرار، لأن تطور قوّة الاتحاد السوفياتي، واتساع النظام الاشتراكي، قد وحَّد الدول الامبريالية، وحوّل تناقضها من تناقض عدائي في لحظات معينة، إلى تنافس ضمن إطار وحدة النظام. وبالتالي لم يعد خياراً في التطور سوى بتطوير الصراع الطبقي في إطار كل أمة ضد الرأسمالية التابعة المحلية، ومن أجل فك الارتباط مع السوق الإمبريالي العالمي، من أجل تصفية الاستغلال القومي الذي تمارسه الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات.
هذا هو طريق تحقيق الاشتراكية، وقبلها تحقيق الثورة الديمقراطية الممهِّد الضروري للانتقال إلى الاشتراكية. وإذا كانت الماركسية الرائجة، في اتجاهها الغالب، قد قفزت عن كل ذلك، فقد ظلت عاجزة عن أن تلعب دوراً ثور ياً حقيقياً، حيث اعتمدت منطق “التصالح الطبقي”، فيما عدا حالات استثنائية، وكذلك اعتمدت منطق “التصالح القومي”، في العديد من الحالات. وهنا من الضروري دراسة طبيعة تعاملها مع الاستعمار، ومع الغزوة الصهيونية، ليتبدى الميل التصالحي أحياناً. فمثلاً، كان التكتيك المتبع خلال الحرب العالمية الثانية هو وقف الصراع ضد الاستعمار الفرنسي الإنكليزي، وتركيز الصراع ضد ألمانيا الهتلرية، وهذا ما رفضه الحزب الشيوعي الأمريكي في تلك الفترة، رغم التحالف السوفياتي الأمريكي ضد ألمانيا الهتلرية،(يمكن مراجعة رسالة قائد الحزب الشيوعي السوري اللبناني، عام 1943 إلى جنرال البريطاني سبيرس، (صوت الشعب العدد 542، 13/ 5/ 1943).
إن رؤيتنا يجب أن تنطلق أساساً من أننا أمّة تابعة في إطار النظام الامبريالي العالمي، خاضعة لآلية سيطرة الشركات الاحتكارية ذات السمات القومية المحددة رغم عالمية نشاطها، وأحياناً تعدد جنسيات مؤسسها. بمعنى إننا خاضعون لسيطرة الرأسمالية الأمريكية تحديداً كونها المهيمنة في إطار النظام الإمبريالية العالمي هذا. وعملية السيطرة هذه هي التي تؤسس لمفاعيل البنية المحلية، وتجعلها تابعة لتوجها الشركات الاحتكارية. لذا فإن البرجوازية العربية هي برجوازية تابعة، ولهذه  التسمية ليست مقتضيات إجرائية فقط، بل أنها تعني أن هذه البرجوازية التابعة تمارسها برجوازية مستقلة، أي أنها تعمل في إطار كونها وسيط بين الشركات الاحتكارية والسوق المحلي، ليتمركز نشاطها في قطاعات غير منتجة أصلاً، أو منتجة بشكل محدود (التجارة، المقاولات، البنوك، صناعات استهلاكية…) كما تقوم بهذا الدور على الصعيد السياسي لتصبح وسيطاً أيضاً، وتصبح السلطة السياسية أداة ليس بيدها وحدها، بل أساساً بيد الشركات الاحتكارية الإمبريالية.
وفي المقابل تؤدي سيطرة الشركات الاحتكارية الإمبريالية والبرجوازية التابعة المحلية على الاقتصاد، والتي تؤدي إلى النهب من خلال السيطرة على الاقتصاد والتحكم بالسوق المحلي، والنشاط متعدد الجوانب الذي تقوم به، يؤدي كل ذلك إلى إفقار الجماهير الشعبية في إطار عملية الفرز الطبقي التي تحدثها، فينهار الوضع المعاشي ليس للعمال فقط، بل وللبرجوازية الصغيرة أيضاً، مما يفسح في المجال لتفاقم الصراع الطبقي، والقومي. وهذه كلها عمليات تخص الحركة السياسية، بل هي منطلق نشاط الحركة الثورية، حيث على ضوئها يجري تحديد الدور الذي من الضروري أن تلعبه، من أجل تحقيق الاستغلال الشامل (الاقتصاد –السياسي) وإنهاء الاستغلال الطبقي.
ولا شك أن هذه البنية، وهذا الوضع، يختلفان تماماً عن البنية والوضع في البلدان الاشتراكية. إننا أمة تابعة ولسنا أمة اشتراكية، وهذا يعني، ليس أننا انجزنا تحررنا، وأنهينا عملية الاستغلال الطبقي التي تقوم بها الرأسمالية العالمية، بل على العكس إننا نشهد عملية تفاقم الإستغلال الطبقي، وتصاعد الاضطهاد القومي، إننا في مرحلة يشتد فيها الصراع الطبقي، وتزداد الحاجة إلى الاستقلال بمعناه الشمولي.
هنا نعود إلى ماركس، ما لذي أضافه ماركس في هذه القضية؟ تصعيد الصراع الطبقي، بإعطائه سماته السياسية، ومحاربة الاتجاهات التصالحية، الإصلاحية، من أجل قهر الرأسمال، وهزيمته وإذا كانت الظروف القومية والعالمية قد تغيرت كثيراً منذ موت ماركس، فإن هذا الطريق، طريق الحرب الطبقية، لازال الطريق الوحيد الممكن، خصوصاً حينما يتفاقم الاستغلال الطبقي لكي يطحن أغلبية الأمة، حينما لا تعود أغلبية الأمة قادرة على العيش. إذن، سيكون جواب ماركس الاندفاع بالحرب الطبقية إلى الأمام من أجل انتصار الفقراء. أما “الاشتراكيون الموهومون” فسيعلمون من أجل السلم الطبقي، من أجل كبح جماح الغضب الجماهيري، ومحاولة تسريب مفاهيم التفاهم، والمطالبة، والترشيد والمناشدة و . . . الخ.
إن الميل نحو التصالح الطبقي، هنا وفي هذه الظروف ضار إلى أبعد الحدود، لأنه يدعم قوّة الطبقة المستغلة –الحاكمة، ويعزز من سلطتها، في نفس الوقت الذي يعزل الحركة الثورية عن الجماهير الثائرة، ويعزز من عفوية الجماهير، ومن موقفها السلبي من النشاط السياسي، ومن الحركة السياسية بشكل عام. إن المطلوب ليس عقلنة الاستغلال الطبقي بل إزالته، وليس مطالبة الطبقة المستغلة –الحاكمة بالرأفة واللين وتقديم الفُتات للجماهير الفقيرة، بل المطلوب إسقاطها وإزالة استغلالها.
وإذا كانت البيريسترويكا تطرح رؤية “مسالمة”، “تصالحية” على الصعيد الدولي، فلأنها رؤية تتوافق وظروف انتصار الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، وبالتالي خروجه من إطار السيطرة الامبريالية ولأنها –ووفق رؤيتها للظروف الدولية الراهنة ـ لا ترغب في حدوث حرب نووية، أو صدام قومي، لهذا تعمل من أجل تعزيز بنيتها الداخلية، وتخفف من أعباء الصراع الدولي، في نفس الوقت الذي لا تغلق الباب أما الاختيار الحر في التطور للأمم التابعة، بل تعتبر كل أمة معنية باختيار طريق تقدمها. إذا كانت البيريسترويكا تطرح ذلك. فإن مهمة الطبقة العاملة في الأمم التابعة أن تنطلق من محسوسها، من الواقع القائم، والذي يشير إلى ـ عكس الواقع القائم في الأمم الاشتراكية ـ تفاقم الاستغلال الطبقي، وبالتالي تطور الصراع الطبقي ـ القومي، من أجل هزيمة الامبريالية، وهزيمة الطبقة المستغلة ـ الحاكمة، وإحداث “فك الارتباط” مع النظام الامبريالي العالمي، من أجل تهيئة الظروف للانتقال إلى الاشتراكية.
أما إذا اعتبرت تكتيك البيريسترويكا تكتيكها، فإنها ستصبح قوّة ملحقة بالبرجوازية التابعة، عاجزة عن تحقيق أهدافها الخاصة  ـ كطبقة  ـ ، والأهداف العامة للأمة العربية.
الواقع هو محدد التصورات، هذا ما بدأت به الماركسية وهذا ما يجب أن نظل أمناء له.


نقد الماركسية الرائجة مناقشة لأفكار د. رفعت السعيد- سلامه كيلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *