مصادر الماركسية الثلاثة واقسامها المكونة الثلاثة فلاديمير لينين
28 ديسمبر، 2016
البرنامج الانتقالي: احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة ـ تروتسكي
1 يناير، 2017
عرض جميع الموضوعات

من أجل حزب ماركسي في سورية

من أجل حزب ماركسي في سورية

مقدمة

كان واضحاً موت الأحزاب التي تنتسب إلى الماركسية قبل الثورة التي انطلقت في 15 آذار سنة 2011، حيث انزاح معظمها إلى الليبرالية، سواء مباشرة عبر الإعلان عن منظور ليبرالي وإنْ ظلت التسمية أو ظل الإدعاء بالانتماء إلى اليسار، أو سواء بتنبي برنامج محوره الانتقال إلى الديمقراطية دون تبني مطالب الطبقات الشعبية، ورفض اللبرلة. ولهذا تحالفت على أساس الديمقراطية مع قوى ليبرالية (وحتى أصولية)، وربما كان الخلاف بينها يتعلق بما هو عالمي، أي بالموقف من الإمبريالية الأميركية تحديداً، بعد أن تماهى جزء من اليسار مع هذه الإمبريالية تحت عنوان العولمة.

وكان يتوضّح أن كل المنظورات القديمة باتت بالية، وبالتالي لا تفيد في الأوضاع الجديدة، رغم أن هذه الأحزاب كانت تتمسك بها، أو قامت بقلبها على أساس أنها تجدد. لكن المنطق الذي يحكمها ظل كما هو، وهنا يتساوى من “تمسّك” بالمنظورات، ومن قَلَبها. لهذا كان يبدو أن صراعات هذه الأحزاب كانت في غير وارد الصيرورة الواقعية، سواء تعلق الأمر هنا بالإنشداد نحو الديمقراطية أو تعلق بالتهافت خلف “الصراع ضد الإمبريالية”، الذي كان يبدو مجرَّداً وخارج الواقع، أو غير مستند إلى الواقع.

وإذا كانت السلطة في العقد السابق للثورة تغذّ السير سريعاً نحو اللبرلة فقد كان هم تلك الأحزاب، إما النقد الخجل أو طرح “المكمل الموضوعي”، أي الدمقرطة. وفي كل ذلك كان وضع العمال والفلاحين الفقراء ومجمل المفقرين يبدو غائباً عن رؤيتها. أو إذا لمسته فإن الهدف هو تنبيه السلطة إلى أن اللبرلة تقود إلى احتقان اجتماعي يجب معالجته لكي لا ينفجر الوضع في ثورة تطيح بالسلطة ذاتها.

ولا شك في أن الوضع السوري كان يسير نحو الأزمة نتيجة السياسة الليبرالية المتسارعة التي فرضتها الفئة التي هيمنت بعد موت حافظ الأسد (آل مخلوف وأتباعهم)، والتي كانت ضرورية بالنسبة لها من أجل الهيمنة. لهذا وجدنا تغيّراً مهماً يحدث بعدئذ، حيث باتت السلطة هي لفئة مافياوية تتحكم بالاقتصاد، أخضعت الدولة لمصالحها، وفرضت أن تكون السلطة هي سلطتها مباشرة، في نظام كان الرئيس هو السلطة. وهو الأمر الذي كان يجعل السلطة التي أوجدها حافظ الأسد على أسس معقدة كي لا يكون ممكناً حدوث انقلاب فيها، في يد فئة مافياوية استخدمتها لنهب الثروة المجتمعية عبر التحكم بالاقتصاد. وحيث باتت معنية بتأبيد النهب مثلما حاول حافظ الأسد تأبيد السلطة بيد العائلة، الأمر الذي فرض تشكيل تحالف أمني مالي ذو طابع عائلي هو مركز القرار في الدولة، وهو المتحكم بالثروة.

طبعاً في المقابل أُفقرت الطبقات الشعبية عموماً، أي العمال والفلاحون الفقراء والمتوسطون، والفئات الوسطى المدينية، سوى بعض تلك الفئات المدينية التي استفادت من “النمط الاقتصادي” الذي تأسس على ضوء التحوّل الليبرالي الذي تحقق، والذي فرض تمحور النشاط الاقتصادي في قطاع ريعي (خدمي، عقاري، تجاري، مصرفي)، وانهيار القطاع المنتج (الزراعة والصناعة). حيث استقطب القطاع الريعي ذاك نسبة محدودة من المجتمع باتت تعيش في وضع جيد، أو في حالة من البذخ لا مثيل لها، ودفع نسبة كبيرة إلى البطالة (30/33%) أو الفقر والفقر الشديد (من 40 إلى 50%). ولهذا كان من الطبيعي أن تحدث الثورة، ليس بفعل الاستبداد فقط كما تشيع النخب الليبرالية بل بفعل هذا الانهيار السريع في الوضع المعيشي الذي اكتمل بالانتصار الحاسم لليبرالية سنة 2007.

وإذا كان يبدو أن السلطة “في تناقض” مع الإمبريالية الأميركية (ولهذا أسبابه التي تتعلق بالسياسة الأميركية ذاتها) فقد اندمجت في السوق الاقتصادي العالمي عبر مداخل متعددة بعد أن أكملت تلبرلها. عبر العلاقة مع الإتحاد الأوروبي والسعي الحثيث للتوقيع على “الشراكة الأورو متوسطية”، ومع الرأسمال الخليجي، ومن ثم التركي. وباتت السلع الصينية والتركية أداة تدمير هائلة للصناعة المحلية (خصوصاً للصناعات النسيجية). كما أصبح الرأسمال المستخرج من أرباح شركات الخدمات والاستيراد والعقارات يصدّر إلى الأسواق الخليجية والتركية والأوروبية. وبات “آل مخلوف” هم مركز رجال الأعمال الجدد المتحالفين مع البرجوازية القديمة (الدمشقية الحلبية) في تشكيل بات يهيمن على 60 إلى 70% من الاقتصاد (ضمن شركة الشام القابضة وشركة ).

ولهذا تشكّل ريف مفقر (سوى بعض كبار الملاك) وعمال مفقرون، وموظفو دولة مفقرون، وفئات وسطى تنهار أمام ارتفاع أسعار السلع والمواد الأولية، ومهنيون يفقدون فرص العمل. في دولة تتسم بسيطرة شاملة للأجهزة الأمنية، على الجيش والمجتمع. وفي تجارب كانت تشي بوحشية السلطة. وهو الأمر الذي كان يقف حاجزاً أمام نشوء حركات احتجاج كما حدث في مصر مثلاً، أو حتى كما حدث في تونس سنة 2008، رغم حدوث بعض “الآهات” هنا أو هناك. وما من شك في أن انفجار الثورات في كل من تونس ومصر خصوصاً، وبالتالي امتدادها إلى البحرين واليمن وليبيا، الأثر الكبير في انفجار الثورة السورية. كذلك ربما كان هذا سبباً في ما وصلت إليه، أو عنصراً في جملة أسباب أوصلت الوضع إلى ما هو عليه.

في كل الأحوال انفجرت الثورة، دون أن تجد حزباً يستطيع أن يعرف دوره فيها، على العكس من ذلك فقد أُخضعت لسياسات كل حزب، ولمطامح نخب كانت تحلم بالديمقراطية فقط، أو لقوى أصولية كانت تريد الانتقام من مجزرة كانت هي السبب فيها قبل ثلاثة عقود. ولقد نُظِر للشعب كمطية لتحقيق أوهام ومطامح فئات تريد السلطة أو “الكلام” فقط، دون التفات إلى الفقر والجوع والتهميش الذي يعانيه. وهذا ما ألحق الضرر بالثورة وخدم سياسات السلطة التي كانت تريد تشويه الثورة عبر أسلمتها والتأكيد على ارتباطها بالقوى الإمبريالية. رغم أن هذه الأحزاب والنخب والقوى الأصولية لم تكن هي الثورة، ولا كانت الثورة متأثرة بها، أو قابلة لأنْ تكون ممثلها.

الوضع السوري الآن

كانت الثورة عفوية رغم نشاط فئات شبابية، وتوسعت بشكل عفوي وكرد فعل على ممارسات النظام. وكان واضحاً أن النظام يجهد من أجل تدمير كل ممكنات نشوء فئات منظمة تستطيع أن تؤثر في مسار الحراك، بينما لم تنخرط المعارضة في الحراك وأخذت تناور لاستغلاله من أجل أوهام بعضها في تحقيق الإصلاح، أو أحلام بعضها الآخر في القفز إلى السلطة. وظلت مراهنات هذه المعارضة قائمة على قوى خارجية، البعض من أجل الضغط على النظام لكي يقبل الإصلاح (هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي)، والبعض من أجل استجلاب تدخل “غربي” (أميركي خصوصاً) يسقط النظام وينصّبه بديلاً (المجلس الوطني السوري).

وإذا كانت إستراتيجية النظام تفوم على العنف، كما على خطاب يركز على وصم الثورة بالسلفية والإرهاب، وعلى ممارسة تقوم على تحويل الثورة الشعبية “السلمية” إلى عنف مسلح، ومن ثم تتحكم السلفية فيه ويتحوّل الصراع من صراع شعب ضد نظام مافياوي استبدادي إلى صراع مع الإرهاب “الجهادي”، فقد ظهر أن أطراف في المعارضة ودول إقليمية تعمل على الإستراتيجية ذاتها. وهنا كان دور جماعة الإخوان المسلمين التي أرادت الانتقام مما طالها سنوات 1980/ 1982، حيث اشتغلت بكل جدّ من أجل أسلمة الحراك عبر التزوير والتحكم في قنوات فضائية، وجهدت من أجل التهيئة للتدخل الإمبريالي، وكما عملت على دفع الحراك للتسلح منذ الأشهر الأولى، وحين فُرض على الشعب التسلح دفعته إلى إستراتيجية مدمرة تنطلق من مبدأ “التحرير” باعتبار أن سورية محتلة وليس أن هناك ثورة شعبية يمكن أن يجري توظيف السلاح لخدمتها، وفي الإطار الذي يبقي طابعها الشعبي. وفي هذا السياق دفعت إلى تشكيل “جيش حر” كنقيض للجيش النظامي، رغم أن معظم عناصر الجيش هم من الشعب، وكان الاحتقان يتراكم لديهم، وبالتالي كان ممكناً تطوير دورهم كي ينحازوا إلى جانب الثورة. واشتغلوا على شراء الكتائب المسلحة وأسلمتها.

في السياق ذاته اشتغلت دول إقليمية على أسلمة الثورة وإظهار الصراع كصراع طائفي أو ديني. قطر كانت في تناسق مع جماعة الإخوان المسلمين، التي تحالفت مع إعلان دمشق (وخصوصاً حزب الشعب الديمقراطي)، وكان هدفها أن يكون المجلس الوطني السوري غطاءً لجلب تدخل عسكري لكي يصبح هذا المجلس هو النظام الجديد الذي يحمي مصالحها ومصالح تركيا وفرنسا (الحلف الثلاثي). والسعودية التي كانت تريد الأسلمة والتسلح من أجل إنجاح إستراتيجية النظام بتحويل الصراع إلى “حرب أهلية” وصراع ضد الإرهاب، لهذا عملت على شراء كتائب مسلحة كانت في أمسّ الحاجة إلى السلاح والمال، وفرض تسميتها بأسماء “إسلامية”، قبل تضخيم تنظيم جيش الإسلام. كما اشتغلت على ارسال “الجهاديين” دعماً لجبهة النصرة خصوصاً.

في هذه الوضعية تراجع الحراك الشعبي، خصوصاً بعد أن بدأ النظام بعملية تدمير ممنهجة للقرى والمدن والبلدات، وبالتحديد المناطق التي كانت ناشطة في الحراك. لهذا حدثت عملية النزوح الكبيرة، وبات النشاط الأساسي يتمركز حول النازحين واللاجئين. وفي المستوى العسكري تشكلت كتائب مسلحة كثيرة، طابع معظمها محلي وعائلي، وبعضها أميل للعصابات، والعديد منها بات يتشكل في مجموعات سلفية كبيرة، ليس داعش والنصرة فقط، فقد كانت ضد الثورة تحت حجة إقامة الدولة الإسلامية في المناطق التي اضطر النظام الانسحاب منها، بل كذلك مجموعات تقاتل النظام، مثل أحرار الشام وجيش الإسلام. وفي هذا الوضع تداخل الصراع، حيث بات الشعب يخوض صراعاً ضد النظام وضد داعش والنصرة، ويواجه فوضى “المناطق المحرَّرة” أو سلطة أصولية فرضتها النصرة أو داعش او جيش الإسلام وغيرها.

الآن، ما هي القوى التي تتصارع في سورية؟

القوى التي تتصارع في سورية

من هي القوى التي تتصارع في سورية؟ هذا سؤال بات يفرض التوضيح بعد كل التعقيد الذي يحكم الصراع، وبعد أن ساد الاعتقاد بأن الثورة التي بدأها الشعب قد تلاشت، وأن الصراع بات بين النظام ومجموعات أصولية. وأن سورية باتت تخضع لصراعات إقليمية ودولية.

هل تلاشت الثورة؟ لا، لكن تعقيد الصراع أصبح يعمي، رغم تضخّم دور قوى بعينها (المجموعات الأصولية)، وتضخّم دور القوى الإقليمية والدولية (روسيا/ إيران، والسعودية/ قطر، وأميركا)، ولكن أيضاً تراجع دور النشاط الشعبي بعد أن أصبح نصف الشعب تقريباً مشرَّد داخل وخارج سورية، وبات كل نشاط شعبي (إعلامي أو إغاثي أو تظاهري) ملاحق ليس من قبل السلطة فقط، بل كذلك من قبل المجموعات الأصولية التي باتت تفرض سلطتها على مناطق متسعة من سورية. رغم كل ذلك، في كل سورية مقاومة ما لكل هذه الأطراف، ومحاولات لفرض سلطة شعبية، وطرد المجموعات الأصولية أو ضبط التجاوزات. والكتلة الأساسية من الكتائب المسلحة التي تقاتل السلطة والمجموعات الأصولية، وحزب الله والحرس الثوري الإيراني والميليشيا الطائفية التي ترسلها إيران من العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها، هي من الشباب الذي بدأ الثورة في تظاهرات سلمية، رغم ميول بعضه إلى الأسلمة. ثم هناك مئات آلاف المعتقلين لأنهم يقاومون السلطة، وهم ليسوا أصوليين بل من الشعب، أو معتقلين من قبل المجموعات الأصولية ذاتها. وكذلك هناك الرفض المكبوت في كل سورية للنظام وللمجموعات الأصولية، حتى في المناطق التي تُعتبر “موالية”، ويظهر ذلك واضحاً من خلال الفرار الكبير من الخدمة في الجيش، وهي الحالة التي تشمل كل “الطوائف” وليس طائفة بعينها، وهو الأمر الذي يوضح رفض الحرب التي يخوضها النظام، رفض مغامرته للحفاظ على السلطة. وهناك المشردين الذين يرفضون الوضعية التي باتوا يعيشونها، والتي تُحمّل للنظام أولاً.

إذن، لقد تراجع الشكل الذي حكم النشاط الثوري، أي التظاهرات وأشكال الاعتصام الأخرى، وأصبح صعباً النشاط بفعل العنف الوحشي الذي مارسته السلطة، ومن ثم نتيجة التدمير والتهجير اللذين أديا إلى تراجع المناطق التي لا تشهد حرباً حقيقية. فقد صممت السلطة على اعتقال وقتل كل من يتظاهر، ومن ينشط في الإغاثة، وفي الإعلام، ومن يقود التظاهرات، وعملت على تخريب كل البيئات الشعبية التي احتضنت كل هذه النشاطات من خلال قصفها وتدميرها. وأصبحت سورية ساحة حرب حقيقية. ليصبح كل النشاط السابق ثانوياً، أو مكبوتاً، أو ملقى في الخارج. لكن كل ذلك لا يمنع من التأكيد على أن الشعب لا زال يريد التغيير، ولازال يقاوم بما أمكنه من مقاومة في وضع صعب ومعقد، ومتداخل. ولقد أصبح الشكل الأساسي لمواجهة السلطة هو السلاح، حيث كما اشرنا انخرط جزء كبير من الشباب الذي بدأ الثورة سلمياً في العمل المسلح، بقدراته المحدودة، وخبرته المفقودة، وبلا تنظيم أو توجيه. ولا شك في أن قطاع منه بات يتخذ شكلاً دينياً، ليس مؤدلجاً لكنه معلن، انطلاقاً من “الوعي التقليدي” الذي ظل هو الوعي الذي يحكم هؤلاء في ظل نظام كان يكرّس ذلك، وسمح بتدمير التعليم بما يبقي “الوعي التقليدي” هو الوعي السائد.

هنا بات الصراع بين أطراف متعددة، حيث أن ضعف السلطة، والخوف من أن تتهاوى بداية سنة 2013 فرض تدخل حزب الله، والحرس الثوري الإيراني وكل المجاميع الطائفية التي ترسلها إيران، وبتسليح وخبرات روسية كذلك. ووصل الأمر إلى أن تصبح هذه القوى هي الأساس في الصراع ضد الشعب، وبالتالي بات الصراع هو ليس مع السلطة فقط بل مع إيران وروسيا، وكل ادواتهما. لقد أصبحت روسيا وإيران في مواجهة الثورة تحمي السلطة من السقوط. ولقد ظهر ذلك واضحاً بعد ضعف قدرة إيران وأدواتها صيف سنة 2015، حيث تدخلت روسيا بقواتها لكي “تمنع سقوط النظام”، و”تنتصر على الثورة”.

في المقابل بات على الأرض عدد كبير من الكتائب المسلحة، والمجموعات التي تحمل السلاح.  لكنها مختلطة ومتداخلة، وهو الأمر الذي لا يسمح بالتمييز بين الثورة والقوى المعادية لها بعض الأحيان، لكنه يسهّل على داعمي النظام خلط الأمور وإظهار أن كل هؤلاء هم داعش والنصرة. لقد انتقل الشباب الذي كان يتظاهر إلى السلاح تدريجياً تبعاً لزيادة عنف ووحشية السلطة، التي أرادت منذ البدء نقل الشعب إلى السلاح انطلاقاً من تفوقها في هذا المجال، عكس ما كانت تعتقد فيما إذا استطاع الشعب السيطرة على الميادين والشوارع. وكان الشباب يعاني من “نقص السلاح”، والمال، والخبرة العسكرية، والتنسيق الشامل، حيث ظل الطابع المناطقي هو الغالب إلى الآن، أي أنتتشكل الكتائب في كل مدينة أو حتى حيّ أو قرية للدفاع عن منطقتها، مع محاولات لتجاوز ذلك لم تنجح تماماً بعد، وبعضها تحقق بـ “ضغوط إقليمية”.

الثورة ومناهضوها

الآن، يمكن أن نميّز بين قوى متعددة تحمل السلاح، لكن يمكن تحديد ثلاث أطراف فيها، الطرف الأول هو الكتائب التي انبثقت من الشباب الذي بدأ الثورة، وهي عشرات الكتائب منتشرة في معظم مناطق سورية، هدفها إسقاط النظام، بعضها ينضوي تحت “الجيش الحر” وبعضها لا، وكما أشرنا تعاني من التشتت ونقص السلاح والمال والخبرة، رغم التطورات الأخيرة في فاعليتها وتنظيمها (التي ربما أتت من “مساعدات” خارجية). بعضها يتخذ “طابعاً” إسلامياً، أو يطغى الشكل الإسلامي عليه، وبعضها لا. بعضها تواصل مع دول إقليمية وبعضها لا. لكنها بالمجمل تعبّر عن الثورة بما آلت إليه وبالشكل الذي باتت فيه. وربما كانت هي الأكثر عدداً، لكن تشتتها جعلها الأضعف. الطرف الثاني هو المجموعات التي انبثقت من تيار “السلفية الجهادية”، ويمكن قسمها إلى مجموعتين، الأولى داعش والنصرة، وهما يعتمدان على “جهاديين” قادمين من الخارج بالأساس، ويقادون من “قادة” ليسوا سوريين، وإن كانت النصرة قد وجدت بيئة في بعض المناطق، وأصبح لديها مقاتلين سوريين. وهدف هاتين المجموعتين هو فرض “سلطة الدين” التي تتمثل بالوهابية بالأساس، والمتفرعة منها، وهي أصولية ساذجة سطحية تهتم بالشكليات، وتعتقد أن مهمتها الموكلة إليها من الله هي “تطبيق شرع الله”، المختصر في تبسيطات لفظية. ولهذا فإن معركتها الأساس هي مع الشعب في مناطق سيطرتها لأنها تفرض قوانينها في كل مناطق سيطرتها. لهذا كانت معظم معارك داعش هي مع الكتائب المسلحة وليس مع السلطة، وكان دورها يتمثل في ملاحقة ومعاقبة كل من يخرج على “شرعها”، حيث انطلقت من اعتبار أن كل من لا يقبل بخلافتها مرتدّ تجب محاربته، كما اعتبرت أن الأولوية تتركز هنا قبل قتال “الكفرة”. النصرة لم تختلف كثيراً عن ذلك (رغم الدور الجزئي الأخير الذي قامت به في إدلب)، حيث خاضت معاركها ضد الكتائب المسلحة، وعملت على فرض “شرعها” في كل منطقة تمكنت منها. مع ملاحظة التداخل الأمني الذي يحكم هاتين المجموعتين، خصوصاً داعش التي تبدو أنها أداة بيد دول متعددة (أميركا، إيران، تركيا، روسيا) رغم أنها تؤول في الأول والأخير إلى سيطرة أميركية نتيجة تشكيلها بنيتها “الصلبة”. المجموعة الثانية تمثلت في أحرار الشام وصقور الشام، والى حدٍّ ما جيش الإسلام، حيث كان صراع الأحرار والصقور مع السلطة هو الأساس، بينما لعب جيش الإسلام دوراً مزدوجاً، ضد السلطة وضد كتائب مسلحة، كما قام باعتقال وقتل ناشطين. وهذه القوى تريد إقامة “دولة إسلامية” وتطبيق الشريعة، ولهذا فهي أصولية. الطرف الثالث هو “قوات الحماية الكردية” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الحزب الذي لا يبدو أنه ضد السلطة، وانخرط مع هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي التي كانت تركز على “سلمية التظاهرات” وترفض التسلح، وتعتقد أن الحل يكون فقط عبر الحوار والضغوط على السلطة. ولقد لعب الحزب دور الكابح لتظاهرات الشباب الكردي، ومن ثم تسلّم المناطق التي يسكنها الأكراد من السلطة ذاتها حين قررت الانسحاب، وبات يفرض سلطته، ويعتقل. ومنظور الحزب هو فرض سيطرته على “المناطق الكردية” التي يحددها هو، وهي تشمل مناطق واسعة في شمال وشمال شرق سورية، وإقامة “سلطة شعبية” فيها. ولهذا هو يدافع عن هذه المناطق فقط، أو يحاول فرض سيطرته على مناطق كردية في حلب وشمالها (عفرين). بالتالي فإن مشروعه “كردي” محض، ومعركته التي أرادها هي ضد داعش بالتحالف مع أميركا.

خاضت الكتائب المسلحة في الشمال صراعاً ضد جبهة النصرة بعد تشكُّلها، وحدثت اشتباكات معها في الجنوب. ومن ثم تصارعت مع داعش حين استولت على الرقة وتمددت إلى الشمال السوري، وطردتها من الشمال. لكن ظهرت حماية النصرة لعناصر داعش الفارة. وبعد تمدد داعش في المنطقة الشرقية قامت النصرة بتصفية جبهة ثوار سورية التي كانت قد طردت داعش، ثم حركة حزم، وأخذت تسيطر على الريف الإدلبي كله. كما جرت مواجهات معها في الجنوب خصوصاً بعد تحرير نوى، وكذلك قامت تظاهرات ضدها في جنوب دمشق وفي ريف إدلب. رغم أن النصرة دخلت في اشتباكات مع داعش في الرقة والشمال. لكنها سهّلت دخول داعش مخيم اليرموك. ولا زالت جبهة النصرة تشكّل عنصر إرباك للكتائب المسلحة، واشتباك مع الشعب في مناطق تواجدها.

أما داعش فقد تمددت بعد السيطرة على الرقة شمالاً وشرقاً لتسيطر على مناطق دير الزور. لكنها تمددت أكثر بعد “الحرب ضد داعش” التي شكّلت الإمبريالية الأميركية “تحالفاً دولياً” لمواجهتها. وتمددت نحو المناطق التي يسكنها أكراد، خصوصاً عين العرب، ثم رأس العين وتل أبيض. وفي العديد من قرى الحسكة كذلك. هذا الأمر جعلها في اشتباك مع قوات الحماية الشعبية، التي لم تقاتل قوات السلطة. واصبحت معركة هذه القوات هي الحرب ضد داعش (بدعم من الطيران الأميركي). بالتالي فإن معركة الحزب محدَّدة في الحرب ضد داعش بالأساس، وأن نشاطه السوري يأتي في سياق نشاط هيئة التنسيق. رغم أن معركة عين العرب، ومعركة تل أبيض خيضت بمشاركة كتائب من الجيش الحر.

في هذه الوضعية نجد أن الكتائب المسلحة قاتلت على عدة جبهات في الوقت ذاته. ضد النظام في الشمال والجنوب وريف دمشق (وتقاتل القوى الداعمة له كما أشرنا). وضد داعش في القلمون ودمشق (جزئياً)، والشمال. وأيضاً في اشتباكات متعددة مع النصرة في الشمال الغربي، وجنوب دمشق وريفها والجنوب (حيث أصدرت كتائب الجنوب بياناً واضحاً ضد جبهة النصرة، وسعت لمحاصرتها وتصفيتها). ونجد أن جيش الإسلام يقاتل النظام في ريف دمشق أحياناً، وفي الشمال، لكنه يشتبك مع كتائب مسلحة في ريف دمشق خصوصاً، وعمل على تصفية مجموعة تابعة لداعش وجدت في الغوطة الشرقية. وكما نجد أن النصرة تشتبك مع الكتائب المسلحة بالأساس، واشتبكت مع داعش في العديد من المواقع (وساعدتها في مواقع أخرى). وأن قوات الحماية الشعبية مشتبكة مع داعش (وربما في أحيان قليلة مع النظام).

ميزان القوى في الجنوب هو لمصلحة الكتائب المسلحة، مع سعي لإنهاء جبهة النصرة ومنع تقدم داعش من طريق الجنوب الشرقي (اللجاة). وأضعف في ريف دمشق الشرقي حيث يسيطر جيش الإسلام، لكنها تقاتل النظام جنوب دمشق وتتقدم غربها. ووضعها مرتبك ومتداخل في الشمال الغربي بفعل صراعها مع جبهة النصرة. وهي تقاتل داعش في الشمال، وفي الشرق (مناطق دير الزور والرقة كذلك)، لكن وضعها أضعف. وحدثت اشتباكات متعددة بين أحرار الشام وجيش الإسلام مع النصرة في الشمال الغربي، وجزئياً في محيط دمشق. لكن تبقى هنا توازنات لم تختل بعد لمصلحة طرف، رغم أن النصرة باتت تبدو أقوى في الشمال الغربي، وجيش الإسلام اقوى في ريف دمشق الشرقي. وداعش تسيطر على مناطق الرقة ودير الزور وتحاول التقدم في الشمال الشرقي، وهي المناطق التي تخوض قوات الحماية الشعبية الحرب ضدها بالتعاون مع بعض كتائب الجيش الحر.

إذن، إذا استثنينا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يحصر اهتمامه في السيطرة على المنطقة التي يعتقد أنها كردية، بالتالي ينحكم لمنظور “قومي” (ويحمل شيئاً من التعصب والتوسعية)، حيث يريد فرض سلطة كردية “شعبية” تميل إلى الاستقلالية ضمن الدولة السورية (أي فيدرالية). واستثنينا كل من داعش والنصرة بصفتهما تنظيمين أصوليين “جهاديين”، متعصبين دينياً، ويسعيان لإقامة الخلافة، لكنهما يخدمان سياسات دول في مواجهة الثورة. لا بد من فهم وضع المقاتلين المنخرطين في الكتائب الأخرى، التي يحمل بعضها منظوراً أصولياً، مثل أحرار الشام وجيش الإسلام، حيث يسعيان لإقامة “دولة إسلامية”، و”تطبيق الشريعة”، وهي تضم سوريين في الغالب، وتسعى لإسقاط النظام، أو “تغيير النظام” وفق توافق إقليمي (كما سنشير تالياً). لكن تلك الكتائب التي تبدو “إسلامية” (حيث أن طبيعة الصراع العنيف الذي خاضته السلطة، وتدخل دول إقليمية بحجة المساعدة وفرضها “الأسلمة” كمدخل، فرضت “تأسلم” قطاع “كبير” من المقاتلين)، ظل المنظور الذي يحكمها هو إسقاط النظام، وبالتالي كانت “الأسلمة” هنا هي التعبير عن “وعي تقليدي” استعيد في ظل شدة الصراع، وليس تعبيراً عن مشروع أصولي يهدف إلى إقامة دولة إسلامية. ولا شك في أن هذه البيئة التي نشأت سهّلت لقوى مثل أحرار الشام وجيش الإسلام، وحتى النصرة، استقطاب البعض من هؤلاء، لكن ظل القطاع الأكبر ينشط في كتائب مستقلة. وفي كل الحوال فإن هؤلاء من السهل أن ينخرطوا في مشروع وطني، لأن الدين هو “عزاء روحي” في صراع قاسٍ ودموي، ومن ثم فإن الشغل معهم أو انتهاء الصراع، سوف يقود إلى تجاوز ذلك لمصلحة البحث عن مطالبهم المعيشية بالأساس. هؤلاء من الفئات الشعبية التي عبّرت عن احتجاجها لتغيير وضعها، وهي تريد تغيير وضعها بالتحديد، ليس لديها وعي سياسي في الغالب، ولهذا تأثرت بالوعي التقليدي، لكن أساس تمردها هو وضعها. بالتالي فهي تقاتل في ظل وعي ديني هو ذخيرتها بغياب قوى سياسية تؤثر في مسار الثورة.

تبقى الكتائب التي تقاتل النظام بلا منظور ديني أو تسمية دينية، وهي منتشرة في كل سورية، تمركزها الأساسي الآن في الجبهة الجنوبية، التي لها امتدادات في مناطق مختلفة من سورية. وهذه تتشكل من الفئات ذاتها التي اتخذت طابعاً “إسلامياً”، لكنها وجدت أن الميول الإسلامية تفتح لتغلغل القوى الأصولية، بالتالي سارت في مسار سياسي يقوم على إسقاط النظام. ربما هنا تظهر بعض تأثيرات وجود “مسيسين”، حيث يمكنهم تلافي الحاجة لـ “ذخيرة” لا تساعد الثورة على الانتصار.

قوى الثورة هي هؤلاء، ذو المنظور “الوطني”، و”الإسلامي” التي تعبّر عن “وعي تقليدي”، أي دون أيديولوجية ومشروع دولة إسلامية. وهؤلاء هم من يجب ان يجري العمل على تطوير الوعي لديهم، وتعزيز قدراتهم، ومن ثم تجاوز “الوعي التقليدي” الذي يساعد وجوده في استغلال القوى الأصولية الأخرى.

إن ما قامت من أجله الثورة هو إسقاط النظام وتحقيق الحرية وتحقيق وضع معيشي جيد للطبقات الشعبية، للشباب المعطل أو الذي لا يحصل على أجر كافٍ للعيش،وهذا ما حملته التظاهرات والاعتصامات التي حكمت العام الأول من الثورة، وهو ما ظل هدف الذين حملوا السلاح من أجل إسقاط النظام، رغم المسحة الدينية التي حكمت بعضهم نتيجة الوحشية التي ووجهوا بها. ولهذا يقاتل هؤلاء ضد المجموعات الأصولية التي تحمل مشروعاً آخر. لكن تطرح مجموعات مثل أحرار الشام وجيش الإسلام إقامة “دولة إسلامية” وهو ما لا يتقاطع مع مطالب الثورة، والشباب الذي خاضها ولا زال، رغم أن هذه المجموعات تريد إسقاط النظام. وربما هذا هو الهدف الوحيد الموحد مع الكتائب المسلحة، ومع مطامح كثير من قوى المعارضة، ومن الشعب. لكن هذه البديل لا يحمل حلاً للمشكلات المجتمعية مطلقاً، لأن هذه المجموعات تميل إلى ترك “الاقتصاد الحرّ” يفعل كما يريد، وهي كمجموعات أصولية تتوافق مع منطق الملكية الخاصة ومع النشاط التجاري كما ورثت من “إسلام القرون الوسطى”. وهي أيضاً في “ترابط” مع رأسمالية الخليج، ومع منظورها. وكذلك هي ضد الحرية والديمقراطية، بل تفرض شمولية أشدّ مما أتى به النظام الحالي.

تبقى كل من داعش والنصرة، هذه لا يمكن فهم دورها إلا بالعلاقة مع دول متعددة، حيث أنها “واجهات” تدفع لتحقيق سياسات، وليس لأن لديها مشروع، حتى ذلك المتعلق بالخلافة. فأولويتها كما اشرنا تتمثل في فرض “شرعها”، الذي يتراوح بين قتال “الروافض والمارقين والكفرة” (أي الأقليات الدينية والأديان الأخرى) كما كان دور أبو مصعب الزرقاوي في العراق، وما يظهر أحياناً منها، وبين أولوية قتال المرتدين كما تقول داعش، وهؤلاء هم كل “السنّة” الذين لا يخضعون لشرعها. ولأن الثورة “انحصرت” في الغالب في المناطق “السنية” فقد بات صراعها الأساسي هو في بيئة الثورة ذاتها. ماذا يخدم ذلك؟ طبعاً كل القوى والدول التي تريد تدمير الثورة. هذا كان دور السلطة التي أطلقت سراح معظم قادة المجموعات الأصولية (بما في ذلك أحرار الشام وجيش الإسلام وصقور الشام)، حيث كانت تعتبر أنها أداة تخريب، إضافة لاختراقها والتأثير في دورها. وهو دور إيران التي اعتبرت أنها سيطرت على “تنظيم دولة العراق” (الذي بات هو داعش) بعد تراجع الدور الأميركي في العراق، ومن ثم انسحاب القوات الأميركية. لكن سنلمس أن الصراعات الإقليمية أدخلت فاعلية دول أخرى، حيث أخذت تستخدم كل من داعش والنصرة في تكتيكاتها، مثل السعودية وقطر وتركيا، وحتى روسيا، وبالأساس أميركا، الإمبريالية التي “اخترعت” تنظيم القاعدة، وباتت تستطيع السيطرة على فروعه بشكل أو بآخر.

التداخل الإقليمي والصراع على سورية

في هذا الصراع المتداخل المتشابك تقبع مصالح متعددة، ويخضع لتأثيرات متعددة كذلك، فهو ليس صراعاً سورياً خالصاً، بل في جزء مهم منه يخضع لسياسات “خارجية”. هذا الأمر يفرض فهم سياسات الإمبريالية والدول الإقليمية. فقد أصبح الوضع السوري أساس لتنافس دولي ولصراعات إقليمية، بات تأثيرها حاسماً في الصراع. ولقد ظهر أن العديد من الدول عملت على التدخل بشكل أو بآخر منذ البدء، وإذا كان التصور حول هذه التدخلات ينطلق من “تصور العالم خلال الحرب الباردة”، حيث جرى تكرار الانقسام بين أميركا وروسيا، وتكرار الانقسام الإقليمي بين السعودية وإيران، فإن الأمور بدت أعقد من ذلك، حيث ظهر التنافس بين قوى دولية وإقليمية على السيطرة من جهة، وعلى التوافق على اجهاض الثورة (ومسار الثورات العربية) من جهة أخرى.

مَنْ الذي يتصارع على سورية؟

قبل الثورة كان النظام السوري يتوضع في “تحالف” مع كل من إيران وتركيا وقطر بعد الصراع الأميركي ضده على إثر اغتيال رفيق الحريري، وهي الدول التي شكّلت محور الممانعة. جرت محاولة لتحسين العلاقة مع روسيا، التي كانت مجمدة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تحقق تقدماً سوى على صعيد جزئي. وربما ما حدّ من تحسنها هو التقارب مع أميركا الذي بدأ مع وصول باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة، حيث تطورت العلاقات بشكل مضطرد، وصلت إلى مستوى جيد سنة 2010. وفي سنة 2010 انكسر جليد العلاقة مع السعودية كذلك، خلال مؤتمر القمة العربية في الكويت، وعادت “الصداقة” بين البلدين، المعززة بدعم مالي سعودي.

في هذه المرحلة كان يبدو أن الصراع حول سورية يدور بين أميركا التي تقدمت منذ سنة 2001 للسيطرة المباشرة على “الشرق الأوسط الموسّع”، وارادت إعادة بنائه بناءً على مصالحها، ومصلحة الدولة الصهيونية، وبين فرنسا التي عملت منذ آخر أيام حافظ الأسد على توطيد علاقتها بالنظام ورعت استلام بشار الأسد السلطة، كما عملت على تبني مشاريع الإصلاح الإداري والاقتصادي، ومولت تنفيذها. بعد اغتيال الحريري، الذي يعتبر “وكيل” فرنسا رغم علاقته الأميركية السعودية، جرى تغيّر في أشكال الصراع، حيث جرى التوافق الأميركي الفرنسي على تغيير نظام الأسد. بالتالي بات الصراع على سورية يتمحور بين قطبين، أميركا وفرنسا تعملان على التغيير، وتركيا وقطر وإيران تدعم النظام. فقد استغلت تركيا وقطر الحصار الأميركي لسورية لكي تطورا علاقاتها بالنظام، وتحصدا امتيازات اقتصادية كبيرة. وكذلك عملت إيران أيضاً على توقيع “اتفاق استراتيجي” مع النظام، تبعه توقيع النظام “اتفاقاً استراتيجياً” مع تركيا. حاولت فرنسا نسج العلاقة من جديد بعد نجاح ساركوزي في الرئاسة سنة 2008، لكن تقدم العلاقات بين النظام وأميركا كان قد فرض فشل المسعى الجديد.

الصراع حول سورية لا زال يدور بين هذه القوى. إيران لا تستقيم علاقتها مع حزب الله إلا عبر سورية، حيث أن الحزب جزء مهم في تكتيكها للعب بالورقة الفلسطينية في إطار علاقاتها الدولية. ولقد حصلت على مصالح اقتصادية بعد توقيع الاتفاق الاستراتيجي، وزادت دورها السوري، لكن لم يكن بالمستوى الذي حصلت عليه تركيا. ولا شك أنها استطاعت خلال الثورة، التي عملت منذ البدء على أن تكون معنية بافشالها عبر تقديم كل المساعدات الممكنة للنظام، أن تصبح هي القوى “الممسكة على الأرض” بعد أن قادت الثورة إلى ضعف قوات النظام، سواء نتيجة الصراع الذي أفضى إلى مقتل جزء كبير من قوته الصلبة (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وبعض الوحدات الخاصة، والأمن)، وهروب جزء كبير من الجيش، سواء انشقاقاً أو هرباً من الخدمة، وضعف الشبيحة بعد أن تحوّل الصراع إلى صراع مسلح. فقد باتت القوى الإيرانية (حزب الله والميليشيا الطائفية العراقية، وميليشيا من عديد من دول العالم، والحرس الثوري الإيراني) هي التي تقاتل الشعب، وأصبح، جزءاً مهماً من تمويل النظام يأتي منها. بالتالي باتت سورية ورقة بيدها. ما هي مصالح إيران الآن؟ لا يمكن فهم ذلك إلا بالربط مع مطامح إيران الدولية والإقليمية، وبالتالي مع “صراعها” الأكبر مع الإمبريالية الأميركية، وحوارها الآن من أجل التفاهم، وربما الوصول إلى “تحالف”، كما تسعى الإمبريالية الأميركية ذاتها، فإيران تريد أن تظل قوة إقليمية أساسية.

أما روسيا، حليف النظام، فقد كانت علاقاتها قد تراجعت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، و خصوصاً مع استلام بشار الأسد السلطة، حيث مالت المافيا التي صعدت مباشرة بعد استلامه السلطة (آل مخلوف وشاليش خصوصاً) إلى أن تسير في مسار ليبرالي سريع، كان يقودها إلى التفاهم مع أميركا “زعيمة العالم الحر”. رغم أن المنظور الأميركي حينها كان ينطلق من استراتيجية تقوم على تغيير النظام كما ظهر بعد خمس أعوام من ذلك. ولقد أشرنا إلى محاولة إعادة العلاقة مع روسيا سنة 2008. لهذا حين بدأت الثورة كانت العلاقات الاقتصادية هي أقل من مليار دولار، و لم تخرج العلاقة السياسية عن بدء تنفيذ اتفاق جرى توقيعه سنة 2008 بإعادة تشغيل قاعدة طرطوس البحرية التي كانت قد أُنشئت بداية ثمانينات القرن العشرين ولم تشغّل سوى جزئياً نتيجة اعتراض أميركي. وهذا الوضع في العلاقة هو الذي جعل النظام يوقع مع كل من قطر وإيران على اتفاق بمد خط أنابيب غاز قطري إيراني مشترك إلى ميناء طرطوس سنة 2010، وأيضاً جوبه باعتراض أميركي نتيجة مشاركة إيران فيه.

لكن بعد الثورة، وخشية النظام من التدخل الدولي، تطورت العلاقات بشكل متسارع، حيث جرى الاتفاق على أن تحمي روسيا النظام في الأمم المتحدة وعالمياً مقابل أن يحصل على امتيازات تمثلت في حقول النفط (بعد أن كان انسحب الأميركيون منها في زمن سابق) والغاز (الذي أثار المشكلة مع فرنسا سنة 2004)، ومشاريع كثيرة كانت من حصة تركيا في زمن “التحالف الاستراتيجي”. وهي الاتفاقات التي جرى التوقيع عليها في شهر آب/ أغسطس سنة 2012 من قبل نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية قدري جميل. كما جرى الاتفاق على توسيع قاعدة طرطوس البحرية لكي تكون مرتكزاً أساسياً للوجود البحري الروسي في البحر المتوسط. وإضافة إلى أن روسيا يمكن أن تعتبر سورية مرتكزاً أساسياً للسيطرة على المنطقة، فقد باتت لها مصالح اقتصادية كبيرة. ولهذا وقفت بكل قوة، ولا زالت، إلى جانب النظام، وأمدته بكل السلاح الضروري لاستمرار حربه ضد الشعب. ولقد اعتبرت أن الدفاع عنه دولياً (بتوافق مع الصين) هو مفصل “تشكيل نظام عالمي جديد”، رغم انها لم تفلح في ذلك كما أظهرت أزمة أوكرانيا، والحصار الأميركي الأوروبي عليها، وبالتالي تحجيم دورها العالمي. وحتى لم تفلح تماماً في سورية نتيجة الهيمنة الإيرانية على النظام، وتحويله إلى ورقة مساومة مع أميركا. لكنها لا زالت مصرّة على الحصول على سورية، لهذا فهي مستمرة في الدعم المطلق لبقاء بشار الأسد، وهو الأمر الذي جعلها تتدخل مباشرة، وتفرض وجودها الفعلي “على الأرض”، ولكي تكون المقرر في مسارات الوضع السوري.

هذا من ناحية القوى التي تدعم السلطة، وتدافع عنها بالقوة. في المقابل هناك القوى الأخرى، التي تصارع من أجل “مصالحها” في سورية، والتي تدعي أنها “أصدقاء سورية”، أو “أصدقاء الشعب السوري”. يمكن الحديث عن تركيا، التي كما أشرنا كانت في “تحالف” مع النظام، نتيجة مجمل المصالح التي حققتها عبر علاقة تطورت بتسارع منذ استلام حزب العدالة والتنمية السلطة. حيث “فتحت” سوقاً، وحصلت على امتيازات كبيرة، ومشاريع، وكانت سورية مدخل هائل الأهمية لسلعها المصدّرة إلى الخليج العربي. ولقد فعلت ذلك بالضد من السياسة الأميركية التي كانت تحاصر النظام منذ سنة 2005، وفعلته في سياق رؤية تقوم على تحويل تركيا إلى “قوة عالمية” عبر السيطرة على سوق الشرق الأوسط امتداداً إلى الخليج العربي، والذي باتت سورية مدخله الرئيسي. لهذا حين بدء الثورات العربية “نصحت” بالإصلاح السياسي (وكانت تضغط من سنوات سابقة من أجل التصالح مع الإخوان المسلمين، الذين أقفوا الصراع مع السلطة بداية سنة 2009 واعتبروا أنه “نظام وطني” باعتبار موقفه من الحرب على غزة سنة 2008/ 2009). وجهدت من أجل ذلك في الأشهر الأولى من الثورة، ثم صعّدت من خطابها كشكل من أشكال الضغط فقط، ولم تقطع إلا بعد أن أدخلت السلطة الجيش في الصراع ضد الشعب (نهاية شهر تموز/ يوليو سنة 2011)، حيث اعتقدت أن ذلك يمكن أن يكون مبرراً لتدخل دولي يفقدها مصالحها. حيث ظل هدفها هو الحفاظ على مصالحها، لهذا عملت على دعم تشكيل “بديل” تمثّل في “المجلس الوطني السوري” المهيمَن عليه من قبل الإخوان المسلمين. وقامت بذلك بالتفاهم مع كل من قطر وفرنسا. وهي لا زالت تصارع من أجل “ضمان مصالحها” تلك. وباتت تلعب بكل الأوراق الممكنة بعد أن وجدت بأن “التفاهم الدولي”، أي الأميركي الروسي، يخرجها من سورية. وهو الأمر الذي جعلها في “مناكفة” مع أميركا من جديد بعد أن “ناكفتها” حينما رفضت محاصرة النظام. ولا زالت محاولاتها لكي تفرض مصالحها قائمة، وكذلك “صراعاتها” مع القوى الدولية، روسيا وأميركا، من أجل ذلك.

لقطر كانت مصالح متماثلة مع تركيا بعض الشيئ، رغم اختلاف الأهمية بين الطرفين، حيث كان يبدو أن قطر تتمسك بالنظام في الوقت الذي كان قد دخل في صراع مع السعودية على ضوء اغتيال الحريري. رغم أنها حصلت على مصالح وامتيازات. وكانت مع تركيا تشكل “ثلاثياً ناجحاً”. أما فرنسا فقد ظلت تراهن على أن تحصل على سورية في ظل تقاسم العالم، رغم “الفيتو” الأميركي، حيث تريد النفط والغاز ومشاريع اقتصادية. ولهذا شكّل هذا الثلاثي الجديد تحالفاً من أجل إحلال “نظام بديل” يكون مدخلاً لتقاسم المصالح. وسعت لتكريس المجلس الوطني السوري ممثلاً للثورة والشعب، على أن يكون “مظلة” لتدخل دولي عبر الحلف الأطلسي، لعبت أميركا دور الكابح فيه. وظهر بعد إذ أنها تغلّب التفاهم مع روسيا حول سورية على قبول دور هذا الحلف.

تبقى السعودية وأميركا. السعودية كما أشرنا أعادت علاقاتها مع النظام سنة 2010، ربما في سياق إيجاد توازن في العلاقات، من جهة مع إيران، لكن ربما مع تركيا وقطر من جهة أخرى، حيث كانت علاقات النظام مع كل من قطر وتركيا تبدو أقوى من علاقاتها مع إيران. لقد انطلق المنظور الأميركي بعد احتلال العراق من تشكيل “تحالف المعتدلين” ضد إيران (والشيعة)، رغم أن أميركا كانت تتعاون مع إيران في السيطرة على أفغانستان والعراق. وكانت السعودية منخرطة في ذلك، بالتالي باتت ضد “محور الممانعة” منذ سنة 2005. لكنها عادت لتقيم علاقات جيدة مع النظام السوري، ربما في سياق سياسة هدفت إلى إبعاده عن إيران، أو أكثر كسبه لإضعاف تحالف قطر/ تركيا. لكن إذا كان هذا الشكل من الصراع (الذي كان يُصوّر كصراع سني شيعي) هو الذي يغطي صراعاً إقليمياً بين السعودية وإيران، فقد ظهر أن انفجار الثورات العربية قد غيّر في المعادلة السعودية، حيث اعتقدت أنها مستهدفة بالامتداد الثوري، وأن وضعها مهيأ لكي يشهد ثورة. لهذا أصبحت اولويتها ليس الصراع السني الشيعي او “الخطر الإيراني” بل خطر الثورة. هذا اساس في فهم السياسة السعودية تجاه سورية.

السعودية التي احتضنت زين العابدين بن علي، ووقفت مع حسني مبارك، وسحقت الثورة في البحرين، ولعبت بالثورة في اليمن، وجدت أن عليها أن تقوم بأكثر من ذلك في سورية. وكما أعلن بشار الأسد من أشهر قليلة (بداية عام 2015) فقد طلبت منه السعودية سحق الثورة وسحق الإخوان. وهذا حقيقي، حيث دعمت النظام مالياً كما تسرّب، وعمدت منذ البدء على “أسلمة الثورة” (دور عدنان العرعور بدايةً) بموازاة خطاب السلطة الذي كان يركّز على ذلك. صراع السعودية هنا هو من أجل تدمير الثورة، ولقد عملت كل ما يمكنها من أجل ذلك، وكل ذلك بالتنسيق مع السلطة وليس بالضد منها كما يُظهر الإعلام، وتصريحات المسئولين السعوديين. طبعاً لا شك أن تطور الوضع السوري قد جعل للسعودية أهدافاً أخرى تتجاوز الهدف الأولي، المباشر، الذي أرادته. فلا شك في أن دخول إيران بقواها العسكرية المباشرة (الحرس الثوري وكبار الضباط) وغير المباشرة (حزب الله والميليشيا الطائفية العراقية، وفيلق فاطمة الذي يضم “شيعة” من أفغانستان وباكستان وغيرها) منذ بداية سنة 2013، قد جعلها تسعى لإنهاء الوجود الإيراني في سورية، وبالتالي ترتيب سلطة لها دور فيها. لقد أصبحت طرفاً في ترتيب سلطة “المرحلة الانتقالية”، وتسعى لفرض “بعض رجالاتها.

أما أميركا التي ألقي عليها صنع “المؤامرة” ضد النظام، فقد كانت قد أصبحت في “علاقة جيدة” مع النظام بعد قطيعة أربع سنوات، وهو ما عبّر عنه سفير النظام، عماد مصطفى، سنة 2010، حيث أشار إلى العلاقة باتت في “أحسن حالاتها”. وبعكس موقفها من الثورات في تونس ومصر، حيث سارعت لإبعاد الرئيس وتهدئة الوضع، أو بالموافقة على سحق الثورة البحرينية، وإيكال وضع اليمن للسعودية، أو التردد في التدخل في ليبيا، فقد أظهرت في سورية موقفاً “بارداً” منذ البدء، ربما تطور ببطء لكن لم يصل إلى إظهار “موقف حاسم”. فانقضى عام 2011 في تصريحات تصعد أو تخفت حسب الضغوطات، وكبح لاندفاع كل من تركيا وقطر وفرنسا. ومن ثم بعد تبلور إستراتيجيتها الجديدة بداية سنة 2012 واعتبار أن منطقة آسيا والمحيط الهادي هي الأولوية، الطلب من روسيا “رعاية مرحلة انتقالية في سورية كما حدث في اليمن”، وبالتالي وصولاً إلى اتفاق جنيف1 ومستتبعاته من شغل لمصلحة دور روسي. لقد ظهر واضحاً أن أميركا لم تعد معنية بـ “الشرق الأوسط” (الذي لا يشمل الخليج العربي والعراق)، وأن وضعها العسكري بعد الأزمة المالية لم يعد يسمح لها باستمرار ما قررته سياسة بوش الإبن، أي “بناء الشرق الأوسط الموسّع”. وظهر حين “شنت الحرب ضد داعش” أنها تريد سورية ورقة في التفاوض مع إيران، وليس لأنها تسعى لـ “تغيير النظام”، لهذا عملت على جرّ الكتائب المسلحة لحرب ضد داعش بدل استمرار الصراع ضد النظام. ومن ثم دعمت دوراً كردياً في منطقة الجزيرة السورية ضد داعش. ولقد ظلت تمنع تسليح الكتائب المسلحة بأسلحة نوعية، مثل الصواريخ المضادة للطائرات (ستينجر) رغم أن القتل والتدمير الأخطر هو ما يقوم به طيران النظام.

ولقد ظلت تشدّ نحو رعاية روسية للحل على ضوء جنيف1، لكنها فوجئت بالدور الروسي الجديد، الذي أظهر أن لروسيا إستراتيجية أكبر مما كانت تعتقد أميركا، وما كانت تريد التوافق عليه معها. لهذا ظهرت مربكة، ولم تحدد بعد سياسة جديدة: هل تدعم الكتائب المسلحة بالصواريخ المضادة للطائرات، وتوجيه ضربة للروس، أو تزيد الضغط على روسيا لكي تعود إلى التوافق السابق؟

أخيراً، الدولة الصهيونية عملت على ألا يستفيد حزب الله من الوضع لزيادة ترسانته العسكرية، ولقد ظهر طيلة أمد الصراع أنها لا تحبّذ سقوط نظام الأسد، وآخر تسريبات حول “الضربة الأميركية” على ضوء استخدام النظام لسلاح كيماوي في شهر آب/ أغسطس سنة 2013 تشير إلى أن الدولة الصهيونية هي التي أوقفتها، واقترحت الحل (وكانت سنة 2005 بعد اغتيال الحريري تمانع في إسقاط النظام). ربما كانت الدولة الصهيونية متساوقة مع “مشروع بوش الإبن”، حيث كان يجري العمل على تفكيك المنطقة في ظل سيطرة عسكرية وسياسية أميركية، وكان الهدف في سورية هو تأسيس “دولة طوائفية”، لكن “الانسحاب الأميركي”، ووضع الثورات، وازمة الاقتصاد العالمي، كلها جعلت الدولة الصهيونية لا تميل إلى الفوضى وسقوط النظام. ولهذا ظلت لا تميل إلى إسقاط النظام، وإذا كان لا بد من ذلك، أن تضمن وجود نظام يحافظ على الحدود كما كان يفعل نظام الأسد. وربما سيكون تدخل روسيا مباشرة مجالاً لاضمئنان الدولة الصهيونية نتيجة العلاقات الوثيقة بين البلدين، حيث تحاول روسيا أن تكون بديل أميركا في علاقتها بهذه الدولة، بعد أن باتت تشعر أن أميركا تنسحب من المنطقة، وربما تميل للتخلي عنها.

إذن، سنلمس بأن القوى التي تتصارع حول سورية تتصارع وفق منظورين، الأول يتعلق بالمصالح، وهنا يجري التصارع بين روسيا/ إيران، وتركيا/ قطر وفرنسا. والثاني يتعلق بالوضع الجيو سياسي، وتحديد اشكال ترتيب أوسع من سورية كما تفعل أميركا، أو حتى إيران، وتوافق عام على “تدمير الثورات” يشمل كل هذه الأطراف. فتركيا وقطر تعملان على استمرار الامتيازات التي حصلتا عليها من نظام الأسد، وفرنسا تريد الحصول على حصة في الامتيازات هناك. وروسيا تريد السيطرة على “السوق” بعد أن حصلت من السلطة على امتيازات “عظيمة”. ربما الصراع الأساسي هو هنا، حيث يجري “التقاتل” على المصالح.  فسورية باتت حاسمة الأهمية لتركيا، لكنها كذلك لروسيا. وهي مهمة لفرنسا التي قاتلت من اجل السيطرة عليها منذ نهاية عهد حافظ الأسد. وأيضاً لقطر مصالح عديدة. أما أميركا فلا تبدو كمنافس حقيقي هنا، بالضبط لأنها باتت تركّز على منطقة آسيا والمحيط الهادي، وكل نشاطها هنا هو جزء من تكتيكها لترتيب تحالفات تخدم سياستها تلك.

إيران ترى سورية من منظور أوسع، حيث أنها باتت كما أشرنا ورقة في إطار “مفاوضات حاسمة” مع أميركا، تتعلق ليس بالبرنامج النووي الإيراني فقط، بل كذلك في دور إيران الإقليمي. أولوية أميركا هنا هي “التحالف مع إيران”، حيث أن الأساس الذي تنطلق منه هو احتمال “الخطر الصيني”. لكنها لا ترى أن وضع العراق، حيث تحققت السيطرة الإيرانية الكاملة بعد الانسحاب العسكري الأميركي، يجب ان يستمر كذلك، لأنها تعتبر أن العراق من ضمن المناطق التي يجب أن تبقى “تحت السيطرة”، لكن تحت حكم “رجالات إيران” كما صنّعته بعد احتلاله. وترى أن لإيران دور مهم في الخليج العربي، لكن لا يجب أن تكون أكبر مما تريد هي. هذا الأمر يجعلها تعمل على تقليص تمدد إيران. هذا يشمل سورية من أجل “تطمين” الدولة الصهيونية، حيث تمانع الاتفاق النووي، وتريد الحرب على إيران. لكن كذلك لأن الأمر في سورية يتعلق برؤية أميركا للعالم، ولعلاقتها بروسيا. حيث أن كسب روسيا في إطار تحالف عالمي مسألة مهمة في سياق السعي لحصار الصين. هذا الأمر هو الذي جعلها تهمل تركيا (وحتى تربكها)، ولا تعير اهماماً بمصالح قطر وفرنسا.

وإذا كانت كل من قطر وتركيا (وأيضاً فرنسا) فكرتا في التدخل لفرض بديلهما، فقد دار الصراع لكي لا يتحقق التغيير، وأن يجري تحويل الثورة إلى صراعات طائفية و”حرب أهلية”، تفتح على تدخل كل الأطراف. هذا ما أرادته السعودية، وباتت تريده تركيا وقطر وأميركا بعد أن تطور الصراع وازداد التدخل الإيراني الروسي. حيث بات الصراع في سورية هو ورقة بيد كل من السعودية وأميركا وإيران بالأساس، وحتى قطر وتركيا. وأصبح التكالب واضحاً حول “الحل السياسي”، وبالتالي طبيعة السلطة التي يمكن أن تتشكل.

وهذا ما يظهر “على الأرض” من خلال أدوار القوى التي أشرنا إليها. داعش بدت وتبدو متعددة الأدوار، رغم أن دورها واحد، هو تدمير الثورة (وامتداداً للثورات الأخرى بعد أن اصبحت إمبراطورية عربية). فقد استخدمتها إيران في العراق وأرسلتها إلى سورية لتتوحد مع النصرة التي نشأت بمباركة السلطة. لكن دخلت تركيا على الخط لكي “تربك” أميركا (كما فكّرت السلطة بالضبط). فأصبحت لاعباً يخدم كل الأطراف، رغم أن كل الأطراف “تخوض الحرب ضد داعش”. أميركا هنا أدخلت سورية في الحرب على داعش لكي تكون قوة مؤثرة في “الحل السياسي”. وبالتالي أن تستطيع دعم السيطرة الروسية بالأساس. وأرادت السلطة أن تكون داعش مدخلاً لـ “التحالف” مع أميركا “ضد الإرهاب”، وأيضاً تخريب الثورة. وتركيا لكي تشوش على الحل الأميركي الروسي، على أمل الحصول على سلطة لها، أو ربما جزء من السلطة الجديدة. فقد ارادت أن تكون هي القوة الفعلية “على الأرض” في الحرب ضد داعش، لكن من أجل إسقاط النظام وفرض بديلها (الذي لا يخرج عن مجموعة المجلس الوطني). وتركيا وقطر تدعمان أحرار الشام وجبهة النصرة لتأكيد الوجود الفعلي في أي حل. والسعودية تدعم جيش الإسلام، ومجموعات أخرى، لكي تفرض وجودها في الحل كذلك.

ولقد كان التنافس السعودي من جهة والقطري التركي من جهة أخرى، يؤدي إلى تناقض بين الكتائب التابعة لكل منها، وهذا ما كان يشلّ قدرتها في مواجهة النظام. لكن تحوّل السياسة السعودية بعد وفاة الملك عبدالله فرض تشكيل تحالف جديد بين تلك الكتائب، حيث تشكل جيش الفتح كنتيجة لذلك، ولقد حقق انتصارات، وفرض إضافة لتطور قوة الجبهة الجنوبية تغيير ميزان القوى لغير مصلحة النظام وإيران. النظام الذي با على شفير السقوط، رغم أن السعودية لم تكن تسعى إلى ذلك، بل سعت لتغيير ميزان القوى لكي تقبل إيران وروسيا بالحل السياسي الذي يقوم على رحيل الأسد. هذه المعادلة اختلت بدخول روسيا في الصراع مباشرة، وربما تنجرف الأمور لصراع أطول، رغم أن التدخل الروسي لم يحقق تغييراً ملموساً، ولا يبدو أنه سيحقق هذا التغيير، حيث ربما سيقود إلى تورط روسي.

كل هذا “الدبيك” الذي يهدف تحقيق مصالح، يقام على جسد الثورة، وعلى حساب الدم السوري، ومن أجل دفن الثورة، بغض النظر عن الحل الممكن، الذي يقع تحت منازعة كل هؤلاء. الصراعات التي تجري في غير سياق الثورة هي الصراعات التي تخدم تنافس كل تلك الدول، ومن أجل تحقيق أهدافها. فقط صراع الشعب وحده هو الذي يعبّر عن الإصرار من أجل استمرار الثورة وانتصارها. في الصراع “على الأرض” إذن، لا بد من لمس التداخل بين صراع الشعب وصراعات الدول الإقليمية والدولية، التي هي في جوهرها من أجل تدمير الثورة والحصول على امتيازات.

عن دور اليسار

هل يجب أن نقف كيسار، كقوى ثورية، كطبقات مفقرة، مع طرف ضد آخر؟ مع دولة ضد أخرى؟

“اليسار الممانع”، الذي لم يعد يساراً منذ زمن طويل، ينطلق من “انقسام العالم إلى معسكرين”، ولهذا يضع النظام وإيران وروسيا (والصين، ودول البريكس) في طرف، معتبراُ أنه يمثّل “معسكر معاداة الإمبريالية”، و”معسكر الدعم للمقاومة” (المصطلح الذي أُفرغ من محتواه تماماً)، ومعسكر آخر هو “المعسكر الإمبريالي” الذي تقوده الإمبريالية الأميركية ويضم السعودية وقطر وتركيا وفرنسا. وهو يرى أن الصراع في سورية وحولها هو بين هذين المعسكرين بالتحديد. وفي الواقع السوري لم يرَ أن ثورة قد نشبت، ولا يرى الآن أن هناك ثورة، بل “مجموعات إرهابية اصولية تنفّذ الأجندة الإمبريالية الأميركية”، وأن ما يجري هو “مؤامرة إمبريالية” منذ الأساس. لهذا يدافع بشكل شرس عن النظام، وحتى عن جرائم النظام، ولا يرى مانعاً من كل القتل والتدمير الذي تقوم به قوات النظام، بالضبط لأنها “ضد إرهابيين”، ومتآمرين خونة. ويقبل بكل فرح التدخل العسكري الروسي، ويمجد كل الوحشية التي تمارسها طائراتها، معتبراً أن الأهم هو حماية النظام. وبهذا فهو يقف مع إمبريالية ضد أخرى، ومع نظام طائفي اصولي ضد آخر. ومع قوى اصولية ضد أخرى. إنه يقف مع روسيا الإمبريالية ضد أميركا الإمبريالية، رغم توافق مصالحهما في سورية. وهو يقف مع النظام الإيراني الأصولي القروسطي، ضد السعودية الأصولية القروسطية كذلك. مع حزب الله (رغم تاريخة في المقاومة الذي لا يجب أن ينكر، لكنه الطائفي والذي بات أداة إيرانية) والميليشيا الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، والإيرانية ضد داعش والنصرة. لقد انخرط في “الحلف الشيعي” ضد “الحلف السني”، وهي كلها أحلاف طائفية، وتخدم سياسات دول وقوى إمبريالية.

لقد انحط بـ “اليسار”، وحتى بـ “الشيوعية” إلى وضع جعله وجعلها ذيلاً لقوى إمبريالية عالمياً وطائفية إقليمياً ومحلياً. كيف يمكن ان يكون اليسار وتكون الشيوعية مؤيدة لنظام نهبٍ وإفقار ولبرلة، ولعب بالمسألة الوطنية لكي يتحكم، رغم أنه لم يحارب منذ عقود لاسترجاع أرض محتلة، ودمّر كل ميل مقاوم (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وقبلها المقاومة الفلسطينية)، إلا “المقاومة الطائفية” التي جرى توظيفها في المساومات. ويعتبر أن دعم دولة إمبريالية كروسيا له دليلاً على “تحررية” هذه الإمبريالية، و”معاداتها الإمبريالية”؟ وأن نعتبر إيران الدولة التي تريد السيطرة بمنظور “قومي” وباستغلال للطائفية، دولة “تحررية” و”ثورية”، ومقاومة، رغم أنها شاركت في تدمير العراق بعد تسهيل احتلاله من قبل الإمبريالية الأميركية؟ كما لا يمكن ان نأخذ التصريحات التي تدّعي “دعم الشعب السوري” من قبل دول إمبريالية أو أصولية، على محمل الجد، دون أن نرى السياسة الفعلية لهذه الدول. فهي تتدخل لمصالحها، ومن أجل “تدمير الثورة”. كما لا يمكن ان نرى داعش والنصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام، وكل “الأسلمة” إلا كقوى تخدم سياسات “خارجية” تهدف إلى “تدمير الثورة” وتحقيق مصالح قوى إقليمية ودولية.

اليسار التائه في منظورات وهمية وحده من يكون هنا أو هناك، وهو يسار بالضرورة ليس مع الشعب، ولا يعنيه الشعب، بل يمركز صراعاته انطلاقاً من “مخططات وسياسات” مجرّدة، أو حتى متخيلة، أو من غرائز نتيجة ممارسات فظيعة مارسها ويمارسها النظام. وفي كل الأحوال من سوء فهم للواقع والعالم، و”عدم اكتراث” لوضع المفقرين.

في الواقع هناك دول إمبريالية وإقليمية تتصارع، وهي ضد الثورة بالتأكيد، وتريد استغلال الوضع من أجل تعزيز قوتها في سورية لكي تحقق مكاسب. وهناك قوى اصولية باتت مندمجة بكل هذا الصراع الدولي الإقليمي. وهي دول وقوى معادية للشعوب وللتطور والثورة بالضرورة. بالتالي تريد جميعها أولاً تدمير الثورة، ومن ثم الكسب وتحقيق مصالح رأسمالييها. وكلها يتغنى بالدفاع عن “الوطن” و”الشعب”، ويتحدث عن الاستقلال والسيادة والحرية. الصراع العالمي على سورية هو صراع إمبريالي من أجل تقاسم المصالح، وهو صراع إقليمي من أجل “مناطق النفوذ”، وأيضاً في جوهره صراع من أجل إجهاض الثورة، وإنهاء مسار الثورات التي بدات في البلدان العربية.

أين يجب ان يقف اليسار؟ أين موقع الثوريين؟

بالتأكيد ضد كل تلك القوى التي تتصارع على تقاسم الدم السوري، وتعمل معاً من أجل تدمير الثورة، وتشويه فكرة الثورة في عالم يتحضّر لثورات كبيرة أخرى نتيجة أزمة الإمبريالية كلها.

وضد كل المجموعات الأصولية التي تخرّب كونها أداة بيد الدول الإمبريالية والإقليمية والنظام، أو التي تريد فرض “دولة إسلامية” لم يثر الشعب من أجلها أصلاً، وهي ضد مطامحه في الحرية والتطور والحداثة.

لكن هناك الشعب، هناك الثورة، رغم كل الضعف الذي باتت تعانيه الثورة نتيجة التدمير الشامل والتهجير الكبير، والاعتقال الذي طال مئات آلاف الشباب الذي خاض الثورة. ونتيجة انها باتت تواجه كل هؤلاء الأعداء الذين حاولنا شرح مواقفهم، وتقاتل النظام في الوقت الذي تقاتل فيه داعش والنصرة، وتشتبك مع جيش الإسلام. ورغم ضعف الخبرة وغياب القوى السياسية المعبّرة عن الطبقات الشعبية المفقرة.

يجب تأسيس حزب جديد

رغم صعوبة الوضع، وتعقُّد الصراع، وتشابك القوى وتداخلها، ورغم السلفية التي باتت تهيمن، والخراب الليبرالي الذي يلفّ النخب والمعارضة. ورغم انهيار الاقتصاد بعد الدمار الذي لحق بالبنى التحتية وبالمشاريع، وتوقف النشاط الاقتصادي، وبالتالي انحدار أكثر الشعب نحو الفقر والعوز، وهجرة ولجوء أكثر من نصف الشعب، جزء منه إلى الخارج. وأيضاً رغم الطابع المسلح الذي بات يحكم الصراع، والخطر الذي يطال النشطاء في كل المناطق. وكذلك رغم تحكم دول خارجية بمصير النظام والصراع عموماً.

رغم كل ذلك نريد بناء حزب للعمال والفلاحين الفقراء، حزب مبني على أسس صلبة ونظام صارم، ووعي أشدّ. هذا يستلزم تحديد المنظور الأيديولوجي، والتأكيد على أن الماركسية الثورية هو ما نلتزم به، والتي تنطلق من المسك بالمنهجية التي بلورها ماركس وإنجلز، وهي الجدل المادي، التي هي الآليات الأكثر تجريداً، وتتعلق بآليات العمل الذهني، في تناوله الواقع بمختلف مستوياته. لهذا نؤكد على التالي:

أننا نلتزم الماركسية، التي تعني بالأساس، وقبل أي شيء، المنهجية التي تبلورت مع ماركس، وكانت في أساس النتائج التي توصّل إليها، وخصوصاً البحث في النمط الرأسمالي. وكذلك في التوصّل إلى بعض القوانين، وصياغة بعض المفهومات، وكثير من المصطلحات التي باتت أساسية في الماركسية.

وهذه ما هو أساسي في الماركسية، لكن يبقى جوهرها هو المنهجية التي أسست لنقلة في التاريخ البشري لأنها قطعت مع المنطق الصوري (بعد تضمنه)، وأسس لمنطق جديد هو الجدل المادي. لهذا الماركسية تعني تمثُّل الجدل المادي كآلية عمل “الدماغ” وهو يبحث في الواقع. الجدل المادي الذي أصبح وسيلة إنتاج الفكر عبر تحليل الواقع الملموس، ووسيلة فهم السياسة العملية، وتحديد التكتيكات.

وهو ما يعني أنه العلاقة بين الماركسي والواقع تتحقق فقط من خلال الجدل المادي دون أن تخضع لأي مسبقات أخرى. تلك المسبقات التي، فيما إذا تدخلت، ستكون بديلاً عنه، وتفرض منهجية اخرى هي استعادة للمنطق الصوري من خلال قياس الواقع على أفكار منتجة في زمن سابق.

إذن، ننطلق من ان الماركسية هي الجدل المادي أولاً وبالأساس، وهي المنهجية الوحيدة التي يجب أن تحكم نظر “العقل” إلى الواقع.

 

التكتيك الثوري

تأسيساً على كل ذلك نحدد موقفنا بالنقاط التالية”

1) نحن مع الشعب منذ البدء، مع العمال الذين لم يعبِّروا عن ذاتهم كطبقة نتيجة وضعية الاستبداد التي حكمت سورية، وغياب الأحزاب الماركسية التي تنظمهم، رغم مشاركة كثير منهم في الثورة.

مع الفلاحين الفقراء الذين انخرطوا منذ البدء في الثورة، ومالوا إلى حمل السلاح، وانجرف بعض منهم نحو الأصولية نتيجة الوحشية التي مورست ضدهم، وكذلك نتيجة الحاجة إلى السلاح والمال.

وأيضاً مع مفقري المدن الذين شارك كثير منهم في الثورة.

2) نريد إسقاط النظام وإقامة الجمهورية الديمقراطية التي تمثل سلطة الطبقات الشعبية، وأن نعمل لأن يكون للعمال والفلاحين الفقراء الدور الفاعل في الثورة وفي قيادة النضال الثوري.

فقد ثارت هذه الطبقات نتيجة البطالة والفقر والتهميش وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، كما نتيجة سطوة النظام واستبداديته وشموليته. لهذا فإن الهدف هو تحقيق مطالبها من خلال تغيير النمط الاقتصادي الريعي وتأسيس اقتصاد منتج يسمح بحل تلك المشكلات، ويقوم على بناء علماني ديمقراطي.

فالجمهورية الديمقراطية هي علمانية وتعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية بالتحديد.

3) ندعم كل القوى “المدنية” التي تريد إسقاط النظام، وتعمل على تأسيس دولة علمانية ديمقراطية، وتقبل بتغيير النمط الاقتصادي الليبرالي الريعي. ونسعى لتوحيد القوى في هذا السياق، بعيداً عن كل بنى المعارضة القائمة.

4) نواجه أيديولوجياً وعملياً:

* التيارات الليبرالية التي حصرت الثورة في منظور سياسي ضيّق: الحرية، والتي تريد تعميم اللبرلة، وترابطت مع الرأسماليات الإقليمية والعالمية، وانساقت وراء خطابها المتهافت.

* التيارات السلفية والسلفية “الجهادية” التي توسع دورها نتيجة دعم متعدد، ومن قوى تبدو متناقضة. ونعتبر أنها ليست من الثورة، بل أنها تمثل ميلاً مضاد للثورة، يسعى لردة سلفية تعيد إلى القرون الوسطى.

* النزعات الطائفية التي تظهر في كل الأديان والطوائف، والنزعات “القومية” الضيقة التي تميل نحو التعصب. منطلقين من مبدأ المواطنة، الذي يتجاوز كل تشققات الماضي ويؤسس لمستقبل موحد، كما من حق الأقليات التحدث بلغتها ونشر ثقافتها، وخصوصاً الأكراد.

5) نفضح أدوار الدول الإمبريالية والإقليمية التي عملت تخريباً بالثورة من أجل إجهاضها

* النظم العربية، خصوصاً السعودية ودول الخليج التي عملت على “أسلمة” الثورة وتفكيكها من أجل تخريبها.

* إيران وأدواتها، خصوصاً حزب الله والميليشيا الطائفية العربية والعالمية، وقواتها، التي أججت الصراع ضد الثورة بعد أن ضعف النظام وبات ممكناً الوصول إلى حل سياسي.

* روسيا الإمبريالية التي دعمت النظام سياسياً وعسكرياً، وتدخلت أخيراً لسحق الثورة، خدمة لمصالحها، ومن أجل السيطرة على “الشرق الأوسط” باعتبار أنها تعتبر ذاتها وريثاً بعد التراجع الأميركي.

* الإمبريالية الأميركية التي سمحت للدور الروسي، وعملت على استغلال الاستعصاء الذي وقعت الثورة فيه من أجل تعميم “الحرب على الإرهابط بعد أن أسهمت في تدعيم دور داعش، بحجة الحرب ضدها. كل ذلك من أجل تدمير الثورة، ومدّ ذلك إلى كل البلدان العربية التي شهدت ثورات.

* أيضاً فضح “اليسار” العربي والعالمي الذي يدافع عن النظام وعن جرائمه على أساس أنه نظام “مناهض للإمبريالية”، و”ممانع”، وتبرير الاحتلال الروسي والتدخل الإيراني.

6) نسعى لتطوير العلاقة مع كل الماركسيين الثوريين في البلدان العربية، والسعى لتحقيق الترابط بين النشاط الثوري في كل هذه البلدان، وبناء إستراتيجية موحدة من أجل انتصار الثورات، وتحقيق التطور والوحدة والاستقلال ومواجهة الدولة الصهيونية في كل الوطن العربي. فالصراع واحد، والهدف واحد، والأمل يتمثل في بناء الدولة الأمة المستقلة والمتطورة، والتي تمثل مصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين.

7) ونسعى للتواصل مع كل الماركسيين الثوريين في العالم من أجل بلورة بديل عالمي بعد انهيار المشروع الاشتراكي، وتلاشي البديل الذي تبلور في بداية القرن العشرين. والعمل على تأسيس أممية جديدة تقوم على التكافؤ والتفاعل، والبلورة المشتركة للسياسات والإستراتيجيات في مواجهة رأسمالية إمبريالية تعاني من أزمة عميقة تفتح على تفاقم الصراع الطبقي العالمي.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *