مُهمَّات الاشتراكيّين الديمقراطيين الرُّوس‎
3 يناير، 2017
سلامة كيلة ـ دور اسرائيل الوظيفي ضمن استراتيجية السيطرة الامبريالية
10 يناير، 2017
عرض جميع الموضوعات

أرضية برنامج ماركسي ثوري

 

نحو أفق اشتراكي

سوف نقدم هنا، أولاً، وثائق للنقاش تخض مهمات الماركسيين الثوريين في التغيير، والرؤية التي يجب أن تحكم نشاطهم، من أجل التقدم خطوة نحو بناء حزب يمثلهم في الوطن العربي وفي كل بلد من البلدان العربية. فقد اعتبرنا أن الموقع هو مركز ماركسي يهدف الى بلورة الرؤية وتطوير النظرية، ولكن كذلك بناء حزب العمال والفلاحين الفقراء في البلدان العربية.

لهذا سوف ننشر ورقة هي أرضية لبرنامج ماركسي ثوري، هادفين أن تكون مدخلاً لحوار جدي ومعمق.

نحن في وضع ثوري، ثورات حدثت، لم تنتصر إلى الآن، لكنها مستمرة، وستبقى مستمرة إلى أن تحقق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. بالتالي نحن في صيرورة ثورية بدات. ولا شك في أن انفجار الثورات قد فتح على إعادة بناء هائلة، في الفكر والوعي، وفي القوى التي يجب أن تقود الثورات إلى الاستيلاء على السلطة من قبل هؤلاء.
لقد كانت الثورات عفوية، بلا بدائل واضحة أو أحزاب تقودها، لهذا جرى ويجري الالتفاف عليها، وحتى محاولة تخريبها،، و إلى تشويه طبيعة الصراع بتحويله إلى صراعات طائفية وإرهاب، كل ذلك من أجل طمس مطالب الطبقات الشعبية وإخماد العنفوان الثوري الذي أحدثته. لكنها، كما أنهضت كل مخلفات الماضي، أنهضت كذلك وبالأساس الميل لبناء “العقل” الذي يطوّرها. لقد فتحت على إعادة بناء الوعي الثوري، وعلى السعي لتنظيم الطبقات المفقرة وتوضيح إستراتيجية انتصارها. وبالتالي فبعد الموجة الأولى من الثورات انتقل الفعل إلى مستوى حاسم، وربما أهم، هو مستوى الوعي والتنظيم، أي تشكيل المعبّر السياسي عن العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، الذي يرشدهم لطريق الانتصار. فنحن الآن في لحظة استخلاص الدروس من التجربة الأولى، والنشاط من أجل بناء تجربة أرقى ربما توصل إلى الانتصار، انتصار العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين.
هذا ما يطرح علينا، نحن الماركسيين المعنيين بفهم الواقع وتغييره، أن نتقدم خطوة نحو بناء الحزب الذي ينظم هؤلاءء على أساس برنامج بديل وإستراتيجية تسمح بتطور الثورة بعفويتها الراهنة إلى ثورة طبقية حقيقية تقود إلى إسقاط الرأسمالية المسيطرة ونمطها الاقتصادي الريعي وسلطتها الاستبدادية وتبعيتها للمراكز الإمبريالية، لمصلحة سلطة تعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، وتؤسس لنمط اقتصادي منتج، ويحقق مطالب هؤلاء، وأيضاً يفتح للانتقال إلى الاشتراكية.
1)
الثورات هي ثورات اجتماعية، هي بالأساس ثورة المفقرين، من العمال والفلاحين والفئات الوسطى المدينية. هيي ثورة نتجت عن البطالة والفقر والتهميش، عن تمركز الثروة بيد أقلية تحكم عبر سلطة استبدادية، وتحكم أمني، وتبعية للمراكز الإمبريالية. فالرأسمالية المهيمنة هي جزء تبعي في منظومة النمط الرأسمالي تنحكم لمصالح الطغم المالية الإمبريالية، ولهذا فتحت البلاد واسعاً لنشاط تلك الطغم الذي يتسم بالنهب، ويدفع لمركزة النشاط الاقتصادي في كل ما يساعد على المضاربة، والاستثمار السريع لجني الأرباح الكبيرة. وهو الأمر الذي فرض نشوء اقتصاد ريعي يتمحور النشاط فيه في قطاعات لا تنتج فائض قيمة بل تعتمد على الريع، وهي قطاعات الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والبنوك وأسواق الأسهم. وهي القطاعات التي تستطيع استيعاب جزء من القوى العاملة محدود، لهذا ومع انهيار الصناعة والزراعة جرى تهميش الأغلبية المجتمعية، وهو ما جعل نسبة العاطلين عن العمل مرتفعة، وكذلك نسبة الذين ينشطون في أعمال هامشية، وفي “الاقتصاد الأسود”. لكن تمركز الثروة فرض توسّع الإفقار وتعميمه ليطال ليس العمال والفلاحين الفقراء، وحتى المتوسطين فقط، بل كذلك الموظفين والمدرسين والحرفيين في المدن، وقطاع كبير من المهنيين (الأطباء والمهندسين والصيادلة والمحامين، والكتاب والصحفيين).
بهذا تشكّل التكوين الطبقي من طبقة عاملة مفقرة، ومن فلاحين فقراء، ومن فئات وسطى مفقرة، ولكن أيضاً منن فئات مهمشة من العاطلين عن العمل والمشردين والذين يعملون في أعمال هامشية. وكل هؤلاء هم من أشعل الثورات، وكان الفاعل فيها، والذي هو من سيحدد مصيرها.
نعلم بأن هناك فئات وسطى محورت مطالبها حول تغيير شكل الدولة لكي تكون دولة ديمقراطية، ورفعت شعارر الحرية كأولوية وكأساس، وأي ثورة اجتماعية لا بد لها من أن تحمل في مطالبها بناء دولة علمانية ديمقراطية، فالدولة يجب أن تكون متضمنة كل القيم الحديثة، وحيث ليس من الممكن أن نتجاوز تحقيق العلمنة لتجاوز الماضي الذي لا زال يحكم الحاضر ويسدّ أفق المستقبل، أو تحقيق ديمقراطية الأغلبية الشعبية، واكتساب كل قيم الحداثة التي طورها الفكر وطورتها التجربة في القرنين السابقين. فالتطور يجب أن يتضمن كل مكتسب إنساني. لكن المسألة هنا تتمثل في مصالح أي الطبقات يجب أن تحكم الدولة؟ هل مصالح تلك الفئات التي تسعى لانتصار رأسمالي أو مصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين؟ الخلاف هنا طبقي، ويتعلق بطبيعة النمط الاقتصادي الذي يجب أن يسود، والمصالح الطبقية التي يعبّر عنها. ولكن أيضاً الخيار الذي يحقق ذلك، حيث ليس من ديمقراطية ممكنة في ظل اقتصاد ريعي، وليس من الممكن أن تنتصر رأسمالية منتجة في عالم تسيطر فيه الاحتكارات، وتتحكم في مسار طغم إمبريالية.
هذا الأمر يطرح السؤال حول من يجب أن يلعب الدور الفاعل والمركزي في الثورات؟ أي الطبقات هي التي يجب أنن تقود الثورة؟ وهو الأمر الذي يلقي علينا عبء الشغل على تنظيم العمال والفلاحين الفقراء، وتوضيح بديلهم وإستراتيجيتهم. فتغيير شكل الدولة لكي تكون دولة ديمقراطية مع إبقاء النمط الريعي لا يفضي سوى إلى كاريكاتور ديمقراطي مع استمرار استبدادية الرأسمالية المسيطرة، بالضبط كما كان في تجارب جرت في ظل النظم الرأسمالية ذاتها. إن تغيير الشكل لا يفضي كذلك إلى تغيير النمط الاقتصادي الريعي، ولا تحقيق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. وفي ظل الوضع الثوري ستسقط النظم التي تحاول تلك الفئات الوسطى بناءها، ويظل الصراع قائماً، بالضبط لأن تغيير الشكل دون تغيير كلية البنية الاقتصادية الطبقية يبقي الاحتقان الطبقي قائماً، ولا يفضي إلى “قبول” تلك الطبقات بذلك لأنها لم تغيّر وضعها.
الثورة اجتماعية، واستمراريتها سوف تعمّق من طابعها الاجتماعي، وتوضّح الجذر الذي قامت عليه. وبالتالي سوفف تهمّش كل الميول الليبرالية/ الديمقراطية التي تحاول السطو على الثورات.
2)
والثورات عفوية بالضبط لأنها انفجرت في لحظة انهيار اليسار بمختلف تلويناته، وتسليمه القياد للإسلام السياسي،، سواء تحت حجة الديمقراطية، أو تحت حجة الصراع ضد الإمبريالية والصهيونية. لهذا كان من سيطر بعد الثورات هو الإسلام السياسي، وبدا اليسار كهوامش لا فعل له ولا وزن، وفي الأخير محور صراعه ضد الإسلام السياسي ليلتقي مع “النظام القديم” وليبرر الالتحاق به بالخوف من سيطرة الإسلام السياسي ذاته. وبعد أن كان يعلي من قيمة “الديمقراطية”، ويعتبر أنها “المسألة المركزية”، بات يعتبر أن صراع الدولة المدنية ضد الدولة الدينية هو “المسألة المركزية”، بعيداً – كما في السابق – عن مطالب الطبقات الشعبية، وبتجاهل شديد لها.
كانت الأحزاب الشيوعية قد شاخت منذ أمد بعيد، ولحقها “اليسار الجديد”. ولقد كان منظورها قبيل الثورات يتمثّلل في إيجاد “ملجأ” في ظل مستوى “ديمقراطي” تسمح به النظم هو أقرب إلى المتنفس لها. ولقد تقوقعت وانحصرت في أجيال هرمة (ربما رغم تاريخها النضالي)، وبانقطاع عن الأجيال الجديدة التي كانت تعيش مأزق فقدان العمل أو تدني الأجر، وكذلك التهميش الثقافي والقمع المجتمعي. ولهذا “هربت” من السياسة، لكنها هي التي صنعت الثورات حين لم تجد بديلاً عن التمرّد، فتفتتح مرحلة جديدة من الفعل الثوري هو خارج قدرات تلك الأحزاب، وخارج منظورها أصلاً.
هذا الأمر كان يُظهر قصور رؤيتها، وابتعادها عن “الروح الثورية”، وسوء فهمها للواقع، وكذلك انقطاعها عن الطبقاتت التي تقول أنها تمثلها. فقد أصبحت تمثّل فئات وسطى تحلم بقدر محدود من الحرية، وتدين الثورة والتغيير والسعي لتجاوز الرأسمالية. ولقد انخرط قطاع كبير منها في اللبرلة، وفي التكيّف مع العولمة، غارقاً في “خطاب الحرية والديمقراطية” الذي عممته الطغم الإمبريالية كمعبّر عن “العصر الجديد”.
كل ذلك، بعد سياسة مبنية على الأخطاء في الرؤية والتكتيك خلال عقود عديدة سابقة، كانت توضّح أنه ليسس الماركسية هي المنظور الذي يحكم رؤيتها وفهمها للواقع، وأنها لم تعرف منها سوى مصطلحات وشعارات وأفكار مجتزأة، ورؤية صيغت عبر “الماركسية السوفيتية”، هذه الماركسية التي تشوهت إلى حدّ أنها اعادت إحلال المنطق الصوري، ومبدأ القياس بديلاً عن الجدل المادي الذي هو أسّ الماركسية وأساس تشكلها كمنظومة وقوانين. لهذا كانت مع “التطور التراكمي” ولم تكن مع الثورة، ومع الاحتجاج من أجل تحقيق هذا “التطور”، ومع انتصار الرأسمالية وليس مع تجاوزها. مع النضال المطلبي وليس مع الصراع الطبقي، هكذا باختصار.
لهذا لم يكن أيٍّ منها يتوقع الثورات، لأنه بالضبط لم يكن يلمس مشكلات الطبقات الشعبية، وحاولت أن تستفيد منهاا للانخراط في المسار السياسي الذي كان يوحي بتحقيق الديمقراطية، لكن كثير منها هرع لكي يختبئ في ظل دكتاتور حين وجد أن الديمقراطية تأتي بالإسلام السياسي، وأيضاً أن الثورة تتجذر بما يفرض جعلها جميعاً من الماضي كما النظم ذاتها، والطبقات الرأسمالية المسيطرة ذاتها. الآن أصبحت كل هذه الأحزاب من الماضي، فقد تعمق المسار الثوري وتقدم كثيراً، تاركاً لها أن تموت بهدوء، معيداً رفع شعار ماركس: دع الموتى يدفنون موتاهم.
3)
نحن في وضع ثوري، ثورات حدثت وأسست لهذا الوضع. لقد تفجّر الصراع الطبقي على شكل انتفاضات شعبيةة فرضت سقوط الرؤساء في بعض البلدان والى صراع طويل في أخرى، لكنها لم تحقق التغيير الذي يفرض حل المشكلات المجتمعية وتحقيق مطالب الطبقات المفقرة، التي هي أساس الثورات. بالضبط لأنها دون أحزاب، ومنظور سياسي، وبديل مجتمعي، حيث تحتاج لكي تنتصر إلى كل ذلك. هذا ما أوهم أنها فشلت، لكن الأمر الذي حققته هو أنها فتحت على وضع ثوري، على صراع طبقي متأجج ومستمر، وعلى عدم استقرار بالضرورة. حيث نشهد حراكاً شعبياً مستمراً، وهو ما يظهر في تصاعد الإضرابات وأشكال الاحتجاج المختلفة رغم محاولة ضبط السلطة لـ “الشارع” عبر تشديد أمني وتصعيد في القمع.
بالتالي لقد انتقلنا إلى وضع ثوري يتسم بحراك شعبي، واستمرار للاحتقان، وبحث عن كيفية تطور الحراك لكيي يحقق المطالب الشعبية، وكشف لتكتيكات السلطات ولهزال الأحزاب، وفهم للتجربة وتخمّر في الوعي. هذا مستوى مهم وحاسم، وهو السياق الذي سوف يفضي إلى تحقيق “النقلة النوعية” في الثورة. حيث أنها فتحت على ممكنات كبيرة، وعلى حتمية بناء البديل. لم يعد الأمر احتمالاً بل بات ضرورة، وأصبحت إمكانيته قائمة. حيث أن الانخراط في الثورة قاد إلى أن يتصاعد الإحساس بضرورة الوعي/ الفكر، وضرورة الرؤية، بعد أن اكتشف الشباب الذي دخل معمعان الثورة دون وعي سياسي او منظور فكري أن عليه الخروج من “العماء” الذي حكمه نتيجة جهل السياسة ونقصان الوعي وغياب الفكر، والذي كان الواقع يفرضه.
ولقد أدت الثورة إلى هزّ السلطة التي كانت تبدو كلية الجبروت، وفتحت على تفككها، حيث بات يخترقها الصراعع الطبقي، وتتفكك منظومتها، وتنهار رمزيتها، وتسقط “أيديولوجيتها”. السلطة فقدت تماسكها، وباتت تعاني التناقض والتنافس بين ميولات متعددة لأطراف في بنية بيروقراطيتها وأجهزتها. إن جزءاً أساسياً من هذه البنية يتشكل من فئات اجتماعية مفقرة أو تعاني من السطوة التي تفرضها السلطة ذاتها. كما يطلق ضعف السلطة تنافس شرائح الطبقة المسيطرة التي يسعى كل منها للسيطرة الأشد. الثورة إذن، أوصلت الصراع الطبقي إلى بنية السلطة ذاتها، وفتحت على زيادة في الضعف والتفكك.
لكن، إن انتصار الثورة يفرض وجود الحزب، الحزب الذي ينظم العمال والفلاحين الفقراء على أساس رؤية وإستراتيجيةة وبديل مجتمعي. هذا الأمر هو الذي يطرح السؤال: كيف يُبنى الحزب؟ كيف يُبنى في خضمّ الثورة، في الوضع الثوري القائم؟ وما هي سماته وطبيعته؟ وما هي رؤيته وبرنامجه؟ هذه المسائل التي يجب أن تحظى بالأولوية الآن، فقد حدث الانفجار العفوي وعلينا الآن أن نؤسس الوعي المطابق، والبنية التي تفضي إلى تجاوز العفوية وتنظير الممارسة، ودراسة الخبرات، وتأسيس منظومة الوعي والبنية التنظيمية اللذين يحوّلان العمال والفلاحين الفقراء إلى قوة هائلة تسمح لها ان تكون قيادة الثورة، وتمهد لاستلامهم السلطة.
يجب أن نبني الحزب في الثورة، في الصراع اليومي، وفي الحراك الشعبي، في الإضرابات والتظاهرات، وفي كلل أشكال الاحتجاج. في كل ذلك لا بد من أن يُبنى الحزب الماركسي، حزب العمال والفلاحين الفقراء. ولا بد من بناء رؤية فكرية وخطاب وإنتاج البديل المجتمعي، وتحديد الإستراتيجية والتكتيكات. كذلك تنظيم العمال والفلاحين الفقراء في كل الأشكال الممكنة. وأيضاً بناء الكادر الذي يستطيع أن يكون قوة فعلية في الصراع الواقعي. لا بد من تشكيل “مدارس” بناء الوعي الماركسي، وكذلك لفهم الواقع.
4)
يمكن هنا أن نحدد ثلاث مستويات لا بد من الحسم فيها كبداية ضرورية، وكمنطلق لتأسيس جديد يتجاوز ما سادد في العقود الماضية وينطلق من فهم الواقع.
المستوى الأول يتعلق بالماركسية ذاتها، هل نتعامل معها كمنهجية ومنطق تحليل وفهم وتأسيس، أم أيديولوجيةة تبلورت في شكل ما في القرن العشرين وما علينا سوى “تطبيقها”؟ بالتالي الدخول في التشققات التي حكمتها أو تأسيس الرؤية والتصورات والنظرية انطلاقاً من فهم الواقع اعتماداً على الجدل المادي؟ هل نعتبر أنها عقيدة علينا الالتزام بها أو منهجية لتحليل الواقع لا بد من تملّكها لكي ندرسه؟
يمكن القول بأن ما هو قائم، في الغالب، هو الانطلاق من تحويل الماركسية إلى عقيدة (أيديولوجية)، وبالتاليي الانطلاق من التشققات السابقة، والتزام هذا التيار “الماركسي” أو ذاك، وفي ذلك الانطلاق من أيديولوجية مبلورة في زمن تجاوزه الزمن، باتت بالتالي من الماضي. تريد عكس الماضي على الراهن، فرض انحكام الراهن للماضي. هذا ما يجب تجاوزه لأنه يعبّر عن استمرار المنطق الصوري، حيث يجري قياس الواقع على منظومة مسبقة هي نتاج ماضٍ مضى.
بالتالي لا بد من العودة إلى ماركس، وأخذ جوهر ما أتى به وسمح له بأن يؤسس كل هذا البناء الفكري العظيم،، والجوهر في الماركسية هو منطق التفكير الجديد: الجدل المادي.
المستوى الثاني يتعلق بالرأسمالية، هنا هل ستبقى الرأسمالية هي السقف الذي ننشد التغيير تحته، أو أنن المطلوب هو تجاوز الرأسمالية؟ هذا مفصل مهم لأنه يحدد السياسات والتحالفات. لكن هل أن تجاوز الرأسمالية يعني تحقيق الاشتراكية؟ كانت هذه الثنائية: رأسمالية/ اشتراكية هي التي تحكم الرؤية، وهي مجال صراعات و عنصر انشداد في صفوف كل الذين يرفعون راية الماركسية. التيار الأكبر يؤسس على أن التطور لم يتجاوز بعد الرأسمالية ولهذا لا بد من استكمال “مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية”، بينما يأتي الرد بالتأكيد على أن الاشتراكية هي الهدف الراهن.
ولا شك في أن النقاش حول ذلك اتخذ شكلاً “نصياً” أكثر مما تناول الواقع، وتأسس على هذه الثنائية دون لمسس تعقيد الواقع، وتعقُّد صيرورة التطور وتراكبها. فالواقع يشير بالضرورة إلى عجز الرأسمالية عن تحقيق التطور، بل أنها هي التي تكرس الواقع القائم، وهذا يعني ضرورة تجاوزها. وهنا تجاوزها لتحقيق المهمات التي يطرحها الواقع، الذي لا زال “سابقاً للرأسمالية” باعتبار أن الرأسمالية قد أسست لنشوء الصناعة وتحديث الزراعة، وأعادت بناء المفاهيم والوعي والبنى لتجاوز الوعي والبنى القديمة (الإقطاعية). بالتالي فإن تحقيق المهمات الديمقراطية (كما أسماها لينين) هو المطلب الواقعي، وهو الضرورة.
هذه الوضعية تفرض علينا أن نعالج هذا الواقع المركب، الذي لا يقوم على مبدأ: إما/ أو، حيث أن الواقع لا زال يفرضض تحقيق ما حققته الرأسمالية في المراكز، لكن في لحظة تخلي الرأسمالية في الأطراف عن ذلك. هذا الأمر يلقي على العمال والفلاحين الفقراء هذه المهمة الكبيرة لكي يستطيعوا تأسيس الوعي والبنى والنمط الاقتصادي الذي يسمح بتحقيق الاشتراكية.
المستوى الثالث يتعلق بطبيعة الحزب، هل نحن معنيون بتأسيس حزب طليعة، طليعة الطبقة، أم أننا معنيونن بتأسيس حزب الطبقة، تنظيم الطبقة في حزب؟ الفكرة التي سادت سابقاً كانت تنطلق من أن الحزب هو “طليعة الطبقة”، وهذا ما كان يسمح بانفصال الحزب عن الطبقة لأنه “مميز” عنها، وهو الذي يخوض الصراع السياسي “نيابة عنها”، ويعتقد أنه يقرر الصراع ولا بد لها من أن تلحق به، ان تدعمه، أن تنجرّ خلفه.
هذا منظور ينبني على “صورة البطل”، البطل المحرِّر، والبطل الذي يحقق المطالب، بينما الأمر يعاكس ذلك، لأنن الصراع هو صراع طبقي بالأساس وليس صراع أبطال (حتى وإنْ اتخذ شكل حزب)، فذاك منطق مثالي يراهن على البطل والماركسية تنطلق من صراع الطبقات. لهذا فالحزب هو حزب طبقة، هو الطبقة منظمة، لكي تخوض الصراع الطبقي بشكل واعٍ. بالتالي ما هو ملقى علينا كماركسيين هو كيف ننظم الطبقة؟ وكيف نبلور الرؤية والإستراتيجية والمشروع البديل بالتفاعل معها؟ وكيف نستطيع تحقيق التطور المتدرج في وعيها لواقعها ومصالحها وكيف تتحقق هذه المصالح؟ بالتالي كيف تستطيع الاستيلاء على السلطة لكي تحقق بديلها؟
فِعْلُنا إذن هو بين العمال والفلاحين الفقراء، في وسطهم، في مواقع عملهم، وبين أحيائهم، وكل تجمعاتهم. كل ذلكك لمساعدتهم على تأسيس الهيئات واللجان والتجمعات والمؤسسات التي تطرح مطالبهم وتنظم نشاطهم، وفي الوقت ذاته تسمح بأن يكتسبوا الخبرة ويطوّروا وعيهم، بما يجعلهم قادرين على قيادة الثورة إلى الانتصار واستلام السلطة.
لسنا “طليعة” تخوض الصراع السياسي باسمهم، نحن نخوض الصراع الطبقي معهم بكل أشكاله الضرورية لكيي ينتصروا. هذا هو منظور ماركس، إنجلز ولينين، المنظور الماركسي الذي يجب أن ننطلق منه.
المستوى الرابع يتعلق بالإستراتيجية التي علينا خطها، من حيث المبدأ هل نرى أن التغيير الذي يحقق مطالبب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين يتأتى بشكل ارتقائي تدرجي إصلاحي أو لا بد من المسار الثوري؟ أي ثورة أم إصلاح؟ كان المنظور في الغالب إصلاحي تدرجي، خصوصاً في العقود الأخيرة حيث جرى نفي ضرورة الثورة بحجة أن التطور “العالمي” قد تجاوزها، وأن “الحضارة الرأسمالية” قد ارتقت إلى مرحلة “النضال السلمي” و”اللا عنفي”. لكن الواقع كذّب كل ذلك بعد أن انفجرت الثورات في الوطن العربي، وأصبحت الثورة “أمراً واقعاً”. وبعد أن دخلنا في صيرورة ثورية لن تتوقف قبل أن تحقق التغيير.
لكن تأصُّل المنظور الإصلاحي، وطغيان الميل “الديمقراطي”، فتحا على استمرار النظر للواقع انطلاقاً من الأسسس ذاتها، أي من أن “المسار الديمقراطي” هو الطريق الضروري لتحقيق “التغيير”، التغيير الذي لا يخرج عن “حتمية” استمرار الرأسمالية. وبالتالي تأسيس “نظام ديمقراطي” على أرضيتها.
لهذا فإن الأمر هنا يتعلق بالسؤال هل ننطلق من أن الوضع ثوري ويحتاج إلى سياسة ثورية، أم أن الثورة “حققتت اهدافها” ودخلنا في مسار ديمقراطي يجب أن ننخرط فيه؟
ما نقوله هو أن الوضع ثوري وهذا يفرض أن نبلور سياسة ثورية. نحن في لحظة ثورية يجب أن ندفعها إلى النهاية،، حيث تنتصر الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
انطلاقاً من ذلك، وتأسيساً على فهم ماركسي للواقع، لا بد من أن نبلور منظورنا، وان نصيغ رؤيتنا، وأن نضع البديلل الذي يعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
5)
الآن، لا بد من تحديد أسس نظرية، وأخرى سياسية، وثالثة عملية، لكي تمثّل رؤية جديدة وتكون أساساً لتأسيسس جديد. لا بد من تجاوز كل مشكلات الماركسية القديمة، وكذلك مشكلات الرؤية التي حكمت الأحزاب التي نشأت واستمرت عقوداً دون أن تحقق نتائج، رغم أن أهمية الحزب ترتبط بالحاجة العملية له في لحظة معينة. فتشكّله يعبّر عن تحقق النقلة النوعية في الصراع الطبقي، النقلة التي تجعل إمكانات الانتصار قائمة. ولأن الوضع ثوري فنحن بحاجة لأن يتأسس الحزب الذي يحقق هذه النقلة. وللوصول إلى ذلك لا بد من البدء من الأساس، أي من الماركسية ذاتها، حيث لفهم الواقع بشكل علمي، ومن ثم تحديد السياسات والتكتيكات التي تفضي إلى الانتصار، لا بد من البدء من أس الماركسية: الجدل المادي.
أولاً نحن ماركسيون، لكن الماركسية بالنسبة لنا هي منطق تفكير، منهجية، هي الجدل المادي. حيث أن ما سمحح لماركس أن يؤسس لرؤية جديدة، وان يتوصل إلى قوانين وسياسات جديدة، هو توصله إلى بلورة منهج تفكير جديد اعتماداً على جدل هيغل والميل المادي الذي كان فورباخ آخر منظريه. لهذا مَنْ يريد أن يكون ماركسياً عليه أن يتمثّل هذه المنهج، وأن يمتلك المقدرة على التحليل عبره. وخارج ذلك ليس من ماركسية، ولا يمكن ان يكون ماركسياً من لا يستطيع ذلك. هذا مفصل حاسم يميّز بين المادية والمثالية، بين الجدل والصورية، بين استمرار إتباع منطق قديم متوارث وآخر جديد تبلور مع ماركس بالتحديد.
في التاريخ العالمي هناك منطق أرسطو (المنطق الصوري)، وجدل هيغل، ثم الجدل المادي الذي تضمّن جدلل هيغل، هذه هي المنهجيات الكبرى في التاريخ، وليس من منهجية أخرى، ربما إلا استنساخاً من هذه أو تلك. وإذا كان الجدل المادي (وأصلاً جدل هيغل) يعتمد المنطق الصوري كبداية تتعلق بتحديد الماهيات، فقد أسس لمنظور مركب ومتعدد لفهم الواقع. ولأنه الواقع في صيرورة كما يقرر المنهج ذاته فإن علينا أن نفهم الواقع في كل لحظة، أي ألا نركن إلى رؤية تبلورت في لحظة معينة لنعتبر أنها مستمرة ويجب “تطبيقها” على الواقع، لأن في ذلك عودة إلى المنطق الصوري الذي يقوم على مبدأ الهوية من جهة وعلى مبدأ القياس من جهة أخرى. لينحكم الواقع لـ “عقيدة” محدَّدة مسبقاً، ويقاس عليها، وبالتالي ليخضع لـ “مشيئتها”.
عظمة ماركس نبعت بالأساس من تأسيسه منهجية جديدة قبل أن نتناول تحليله للنمط الرأسمالي واكتشافهه لقانون فائض القيمة، أو حديثه عن نمط الإنتاج وعن الصراع الطبقي، وعن الدور الحاسم للاقتصاد، هذه الفكرة هي التي أسست للفهم المادي الذي تضمنه الجدل المادي.
يجب أن نبدا من الجدل المادي إذن، فهذا أس الماركسية، الذي يمكن أن يسمح لنا فهم ماهية الماركسية، وما هوو قانون فيها وما بات من التاريخ، ما يمكن أن يساعد في التحليل وما فقد كل قيمة له. وبالتالي، انطلاقاً منه، يمكن توظيف كل ما أضافته الماركسية حين تحليل الواقع. لكن هنا يجب التمييز بين المنهجية والمصطلحات والمفاهيم والقوانين، وأيضاً التصورات والتحليلات التي قدمها ماركس أو إنجلز أو لينين (وحتى آخرين طبعاً). حيث يجب أن يخضع كل ذلك للمنهجية ذاتها، ولمستويات تحليل الواقع (المستويات: الاقتصادي، الاجتماعي، الأيديولوجي، والسياسي).
هذا يعني ان نعتبر كل تحليلات ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي وماو وستالين وكاوتسكي وكل الآخرين جزءاً منن التاريخ، الذي يُستفاد منه في فهم كيفية تحليل كل هؤلاء للواقع، وبالتالي تلمّس فِعل المنهجية في تحليل الواقع. لكن كذلك لكي يكون ممكناً دراسة تاريخ الماركسية، وكشف أخطائها. وأيضاً لإعادة بناء المنهجية ذاتها، وتوضيحها وتطويرها.
نحن نولي المنهجية: الجدل المادي، كل الأهمية لأنه كما أشرنا هو أس الماركسية، أساس تشكيل رؤية جديدةة للعالم، وفهم جديد للواقع والوقائع، ولأنه الواقع “مجرّداً”، أي أنه الصيرورة التي تعني الحركة الدائبة المتطورة، مصاغة في “شكل تجريدي” عالي التجريدية. وهو لذلك بالضبط موجه البحث في الواقع، والكاشف عن كل بنياته ومستوياته، وفي تحديد ماهيته المتغيرة بشكل مستمر. هو التجريد المناقض لـ “الواقع” (“المادي”)، الظاهر، الشكل الذي نراه، المنحكم للمنطق الصوري. وحيث يتشكل عبر هذا التناقض من خلال التحليل الفهم الحقيقي للواقع. بالضبط كما بحث ماركس مسألة السلعة لكي يتوصل إلى قانون فائض القيمة.
ثانياً المنظور السابق يفرض أن نتجاوز “الماركسيات” التي تشكلت خلال القرن العشرين. فنحن نعود إلى ماركس،، لكن ليس إلى “كل ماركس” (أي إلى كل الأفكار والتحليلات التي قدمها) بل إلى أهم ما أضافه، وهو كما أشرنا: الجدل المادي. هذه العملية تعني “استعادة الأصل” بعد ان تفكك إلى شتات، باتت تحلّ محله. وهذه العودة لا تعني تجاهل كل الأفكار والتجارب التي نشأت، أو تجاهل كل الإضافات التي قدمها مفكر ماركسي أو آخر، بل تعني البدء من البداية معززة بكل هذا التراث لكي تُعاد صياغة الرؤية التي تخص الواقع القائم الآن، وهي الصياغة التي لا تتحقق دون الجدل المادي اصلاً.
لقد تفككت الماركسية إلى “عقائد”، إلى “بنى فكرية” باتت هي موجه النشاط للتيارات المختلفة، وبهذا تهمّشش الجدل المادي، لأن “قوانين”، وتصورات مسبقة باتت تحدد الواقع، بات يقاس الواقع بها. لهذا نجد أن لدى كل تيار “مفهومات أساسية”، “مفهومات مفصلية” تحكم هي بالتحديد رؤية الواقع. بات الواقع يقاس عليها. وهذا هو المنطق الصوري بالتحديد، بالتالي بدل الجدل المادي حل من جديد المنطق الصوري. هنا عادت إلى ما قبل الماركسية. باتت ذو “مظهر ماركسي” لكنها في الواقع تنحكم للمنطق الصوري وللفهم المثالي. هنا نجد كيف أن المنطق الصوري قد أعاد بناء ذاته متغلفاً بـ “الماركسية”، لكن في أشكال متعددة، متضادة وفق منظور المنطق الصوري، ومترابطة في الوقت ذاته. بحيث باتت ثنائيات متحدة ومتناقضة، كما يؤسس مفهوم الهوية في المنطق الصوري.
بالتالي، لا بد من تجاوز كل التبلورات التي نشأت في القرن العشرين، “الاشتراكية الديمقراطية”، التروتسكية،، الستالينية (أو الماركسية السوفيتية)، والماوية كذلك. ويجب ألا نعود إلى “تقليد” هذا المفكر أو ذاك، أو هذا التيار أو ذاك، فليس من خيار لبلورة فعل ماركسي حقيقي سوى بالعودة إلى ماركس، إلى الجدل المادي، مع الاستفادة من كل ما هو علمي لدى كل هؤلاء، ورفض منطق التحريف والاتهام بالتحريف، أو رفض الاضطلاع وفهم كل ما كتب كل هؤلاء. فنحن نرفض أن تحلّ “منظومة فكرية” جديدة محل الجدل المادي لكننا مع المعرفة والفهم ودراسة صيرورة تطور الفكر في حركته التناقضية.
نسعى لإعادة فهم العالم على أساس الجدل المادي، وعلى أساسه نعمل على تحديد الفاعلية والسياسات، وفهمم دورنا في الصيرورة التي تعني حركة الواقع التي تقوم على صراع الطبقات. بالضبط من أجل أن ينتصر العمال والفلاحين الفقراء، وأن يتحقق التطور الضروري الموصل إلى الاشتراكية.
ثالثاً إن كل ذلك يفرض علينا تأسيس الرؤية عبر فهم الواقع وليس عبر الانطلاق من تصورات وأفكار مسبقة. لقد كانتت “العقيدة” جاهزة لكي يجري تحديد الواقع، وتحديد السياسات الضرورية فيه، لهذا كان الخلاف بين التيارات التي تفككت الماركسية عبرها هو خلاف “أيديولوجي”، أو خلاف بين “عقائد”، وليس خلافاً على فهم الواقع، حيث كان الواقع يُستدعى لتأكيد فكرة أو نفي أخرى فقط. ولهذا ظل يتكئ على صراعات الماضي، ظل ماضوياً، يعيد إنتاج خلافات حدثت قبل قرن، ويعتقد أنه يخوض الصراع من أجل الراهن. وحتى دون فهم لماذا حدثت تلك الخلافات، وما هي ظروفها، وما أفرزه التاريخ، ما أفرزته التجربة من صحة أو خطأ هذه الفكرة أو تلك من الأفكار التي شكلت تلك “العقائد”.
ليست تلك “العقائد” قوانين تحكم الواقع وإلا ظللنا ننحكم للمنطق الصوري، حيث نقيس الواقع على أفكار مسبقة.. لقد نتجت عن تحليل للواقع في لحظة ومكان معينين، بغض النظر عن صحة التحليل أو خطئه، وبالتالي باتت بالضرورة من الماضي لأن الواقع “في صيرورة” وفق الجدل المادي، أيضاً بغض النظر عن التشابه الممكن، أو عن توافق النتائج، فهذا التراكم في “التوافق في الحليل” يمكن أن يوصل إلى بلورة قوانين جديدة، لكن بعد تكرار متعدد للظاهرة وللنتائج. ولتحليل الظواهر لا بد من الاعتماد الكلي على الجدل المادي وليس على تلك النتائج.
هنا نعود للتأكيد أنه من أجل بلورة رؤية جديدة لا بد من فهم الواقع انطلاقاً من الجدل المادي. طبعاً بعيداً عن كل تلكك “العقائد” و”الأيديولوجيات المحددة مسبقاً”. حيث أن لكل واقع “أيديولوجيته” التي يجري التوصل إليها عبر فهمه انطلاقاً من الجدل المادي. فالنظرية هي الواقع مصاغاً في الفكر، وليست الأفكار المسبقة. والأيديولوجية هي “الوعي المطابق” للطبقة العاملة في مكان وزمان معينين وليست الأفكار المصاغة مسبقاً كذلك، رغم التشابه أو التقاطع أو حتى التوافق، الذي يظهر بعد تحليل الواقع وليس عبر “السحب الميكانيكي” للأفكار.
بالتالي من أجل تجاوز “الماركسيات” التي تتمظهر في تيارات متعددة لا بد من تجاوز “العقائد” التي تقوم عليهاا والعودة إلى الجدل المادي كمنهجية لتحليل الواقع وتأسيس الرؤية التي يجب أن يتدخل الماركسيون عبرها في مسار الصراع الطبقي من أجل انتصار العمال والفلاحين الفقراء.
6)
إن تمثّل الماركسية كمنهجية تتعلق أولاً بالماركسيين، إنهم “الفئة” التي عليها أن تطور وعيها ومقدرتها النظرية،، وقدرتها على إنتاج الفكر عبر تحليل الواقع وفهمه وفهم آليات تغييره. وغالباً هؤلاء هم من الفئات الوسطى، حيث يستطيعون التثقُّف والحصول على المعرفة أكثر من المفقرين. لكن هذا الأمر يفرض أن يقود تمثّل الماركسية إلى أن يستطيعوا الانتقال بوعيهم من كونهم فئات وسطى إلى كونهم جزء من العمال والفلاحين الفقراء، وأنهم معنيون بمصالح هؤلاء وليس بمصالحهم الطبقية كونهم من الفئات الوسطى. وهذا يفرض تعميق الوعي بالماركسية، والمقدرة على إعادة بناء الوعي والسلوك والانتماء، بما يجعلهم جزءاً من العمال والفلاحين الفقراء. هنا للوعي وارتقاء الوعي أهمية حاسمة من أجل حسم الانتماء، والتحليل انطلاقاً من مصالح العمال والفلاحين الفقراء دون السماح لتأثير الانتماء “السابق” بان يحكمه. إن كثير من “الأخطاء”، والتحليلات المشوشة، والمواقف المرتبكة، و”الانحرافات”، تنبع من عدم المقدرة على القطع مع المصالح الطبقية السابقة، وبالتالي إدخالها في منظومة التحليل الذي يتخذ شكلاً ماركسياً.
لا شك في أن الوضع الذي يحكم العمال والفلاحين الفقراء لا يسمح لهم بتكوين وعي يطابق مصالحهم، لديهمم “الحس السليم” الذي يحركهم للدفاع عن مصالحهم، معرفة مطالبهم ومعرفة “عدوهم”، والسعي للمطالبة بوضع أفضل. ولهذا يبقى نشاطهم “مطلبياً”، وأيضاً انفجارياً حين لا تعود الحياة ممكنة. لكنهم في هذه وتلك لا يمتلكون المقدرة على تحديد كيف تتحقق مطالبهم، لا يتوصلون إلى تحديد البديل المعبّر عن مصالحهم والمحقق لها. هذه الحالة هي التي تفرض “إدخال الوعي من الخارج” كما قال كاوتسكي ثم لينين، وما شرحه أصلاً إنجلز في كتابه “الاشتراكية: الطوباوية والعلم”. وهنا تكمن حساسية ودقة دور “الفئة الوسطى” التي تعتنق الماركسية، وخطرها كذلك. وهو الأمر الذي يعطي أهمية حاسمة لتمثّل الماركسية كمنهجية، وحسم النظر الطبقي لدى تلك الفئة التي تبدأ هي عادة في اعتناق الماركسية، والتي يقع على عاتقها تطوير وتنظيم الصراع الطبقي من موقع العمال والفلاحين الفقراء.
هنا نؤكد على أن الصراع هو صراع طبقي، وأن المطلوب هو تحولّ العمال والفلاحين الفقراء من كم إلى كيف، منن عددٍ مشتت ويتعرّض لاستغلال فظيع، ولا يجرؤ على المطالبة بحقوقه، إلى “كِيف” ، أي إلى طبقة منظمة وتمتلك البديل الذي يعبّر عن مصالحها والإستراتيجية التي توصلها إلى الاستيلاء على السلطة. كل ذلك هو مهمة الحزب، الذي هو “جسر التواصل بين النظرية والممارسة” كما أشار جورج لوكاش. وهو الطبقة منظمة، لكن ليس في شكل وحيد بل في أشكال متعددة، الحزب هو بؤرتها والدينامو الذي يشغّلها جميعاً. هو من يجمع الكادرات التي تنتج الفكر وتقوم بالتنظيم والتحريض والتخطيط، والنشاط النقابي والشعبي والإداري والتقني، وحتى العسكري. هذه الكادرات التي تنظّم العمال والفلاحين الفقراء، وتبثّ الخطاب الذي يعبّر عنهم، وتطور وعيهم بما يجعلهم قادرين على الدفاع الحقيقي عن مصالحهم، وعلى مقدرتهم على الاستيلاء على السلطة.
الحزب إذن هو تنظيم العمال والفلاحين الفقراء في أشكال متعددة تطابق مقدرتهم وحدود مصالحهم وإرادتهم، ولهذاا فهي أشكال متعددة متنوعة (نقابات وهيئات ولجان وتجمعات تثقيف واتحادات) لا ينفي أحدها الآخر، ولا يلغي تنوعها فاعليتها بل ان هدف التنوع هو الفاعلية وفق مقدرة وقبول هؤلاء، حيث يجب البدء مما يستطيع العمال والفلاحون الفقراء لا ما نعتقد انه صحيح وضروري، لأن دورنا هو الانتقال بكل الأشكال التي تبدو بسيطة إلى الأشكال المعقدة عبر تطوير الوعي من خلال الممارسة والتجربة، وبالتالي تطوير أشكال التنظيم من أجل أن تكون الطبقة بكليتها منظمة ومتماسكة وتعي مطالبها وكيف تحققها.
ليست البنية الحزبية هي الشكل الوحيد، بل هي الشكل الأكثر تنظيماً وصرامة وفاعلية كما أشرنا، لكنها تضم جزءاًً من العمال والفلاحين الفقراء، الذين ارتقوا بوعيهم ومقدرتهم النظرية والعملية لكي يكونوا قادة الطبقة، والأكثر فاعلية فيها. مع ملاحظة ضرورة أن يكون هؤلاء هم البنية الأساس في الحزب، “الحجم الأكبر” في بنية الحزب، حيث يجب أن يتوحد الوعي والحس السليم في بنية الحزب، ولا يتحقق ذلك دون أن يكون حزب العمال والفلاحين الفقراء ليس بالقول والنوايا بل بالفعل. وهذه الوضعية هي التي تضمن تهميش الميول التي يمكن أن تدخلها “الفئات الوسطى” التي اصبحت ماركسية، والتي يمكن أن يظهر لديها ميل لتغليب مصلحة طبقتها على مصلحة العمال والفلاحين الفقراء.
وإذا كان دور الحزب هو إنتاج الفكر والخطاب، أي الوعي الذي يطابق مصلحة العمال والفلاحين الفقراء، ويرسمم الإستراتيجية التي تسمح بأن يطوروا صراعهم الطبقي، وأن ينتصروا، وأن يخوض الصراع الأيديولوجي ضد الطبقات الأخرى، ومن اجل مواجهة تغلغلها في بنية الطبقة التي هو جزء منها، فإن دوره كذلك أن يوجد كل الأشكال التي تساهم في تنظيم العمال والفلاحين الفقراء. بدءاً من التجمع البسيط من أجل مطالب أولية، إلى اللجان النقابية، والهيئات المهنية، والحلقات الثقافية، وصولاً إلى النقابات والاتحادات. وأيضاً كل ما يساعد على تنظيم هؤلاء من اشكال يمكن ان ينتجوها. بالتالي يجب الانطلاق من المطالب المباشرة وتأسيس الأشكال التنظيمية التي تناسبها وصولاً إلى الأشكال الأكثر تعقيداً وتشابكاً وتوحيداً للطبقة، والتي تجعلها فاعلة كطبقة. وهي بهذا تخوض الصراع الطبقي بشكل يوصلها إلى الانتصار.
لكن في وضع لا يتسم بانقسام ثنائي بين برجوازية وبروليتاريا (كما يصوّر في التجريد النظري) بل أن الواقع يشيرر إلى أن الانقسام هو بين طبقة رأسمالية مافياوية تسيطر على السلطة وتحتكر الرأسمال، وطبقات مفقرة يعاني معظمها من البطالة وتدني الأجر وغياب الضمان الاجتماعي وتلاشي التعليم المجاني، والعجز عن توفير السكن. هناك الفلاحون الصغار والمتوسطون الذين أفقروا كذلك رغم أمتلاكهم أرضاً. وهناك المعلمون والمحامون والأطباء والمهندسون وكل المهنيين الذين يعاني جزءاً كبيراً منهم من تدني الدخول وحتى الفقر. وكذلك هناك الموظفون الذين يعيشون بأجر منخفض. وبالتالي هناك طبقات شعبية مفقرة أو تعيش بالحد الأدنى، وهي معنية بالتغيير، وكما لاحظنا فقد شاركت في الثورات العربية.
وإذا كان الحزب هو حزب العمال والفلاحين الفقراء، حزب هذه الطبقة، فإن الوضعية القائمة تفرض تشكيل “كتلةة تاريخية” كما أسماها أنطونيو غرامشي من كل هؤلاء. وإذا كان ما يطرح في السابق ولازال هو تشكيل تحالف سياسي، او “جبهة وطنية”، فإن ما نطرح هو تشكيل تحالف طبقي، لأن هذا هو أساس بناء “الكتلة التاريخية” التي هي الطبقات الشعبية، لأن ذلك ركن أساسي في تحقيق الانتصار والاستيلاء على السلطة. وهنا يجب ان يسعى الحزب لتنظيم هذه الطبقات في اشكال متعددة من الهيئات والنقابات واللجان والاتحادات، والتجمعات وكل الأشكال الممكنة لتفعيل دور هذه الطبقات في الصراع الطبقي. أما التحالف السياسي فهو ظرفي ويتعلق بهدف مباشر في لحظة معينة فقط. لهذا ورغم أن الأحزاب تعبّر في الواقع عن طبقات اخرى، فإن أولويتنا تتمثل في تشكيل التحالف الطبقي، وبالتالي كسب الطبقات الشعبية خلف العمال والفلاحين الفقراء. فهذا ما يجعل هؤلاء قيادة الثورة، ويقود إلى انتصارها.
إذن، علينا ان ننظم العمال والفلاحين الفقراء، وعلينا بناء كتلة تاريخية، وان يكون العمال والفلاحون الفقراء قادرينن على قيادة هذا التحالف الطبقي. وهو تحالف ممكن فقط حين يستطيع العمال والفلاحون الفقراء تحقيقه، وبلورة الرؤية والبرنامج اللذان يحكمانه. وهي الرؤية، وهو البرنامج الذي يوحد كل هؤلاء، وهو هنا ليس الثورة الاشتراكية بالضرورة بل هو برنامج تحقيق المهمات الديمقراطية التي هي ضرورة حاسمة في الواقع قبل أن تكون هي نقطة التقاطع مع هذه الطبقات. وهنا السلطة ستكون هي سلطة الطبقات الشعبية. ديمقراطية الطبقات الشعبية التي يقودها العمال والفلاحون الفقراء.
7)
لا نريد الانطلاق من محدِّدات مسبقة حول الواقع، وبالتالي لا نريد أن ننطلق من “ترسيمة ذهنية” ارتبطتت بالماركسية حول ارتقاء المجتمعات، ولا كذلك بالقفز عن الواقع إلى هدف مستقبلي نريد الوصول إليه. نريد الانطلاق من الواقع في تحديد المشكلات، وبالتالي المهمات التي يطرحها، وأن نعرف ما هو دور الطبقات الشعبية في تحقيقها ما دام واضحاً أن الرأسمالية هي الطبقة المسيطرة، وإنْ كانت رأسمالية ريعية تابعة ومافياوية الطابع.
ولا شك في أن الإشارة إلى أن الرأسمالية هي الطبقة المسيطرة يمكن أن يقود “ميكانيكياً” إلى اعتبار أن البديلل هو الاشتراكية، حيث ان تجاوز الرأسمالية يفترض الانتقال إلى الاشتراكية وفق “الترسيمة” المصاغة كقانون في الماركسية. لكن هذه النظرة تتجاهل طابع هذه الرأسمالية، وجذور نشوئها، وبالتالي مصالحها التي فرضت تشكيل النمط الاقتصادي القائم. فقد “انتصرت” الرأسمالية ليس نتيجة تطور داخلي “طبيعي” كما حدث في أوروبا، بل تشكلت اعتماداً على الترابط مع (والتبعية لـ) الرأسمال الإمبريالي، وبهذا خضعت لضروراته وليس لضرورتها هي كطبقة مستقلة، بالضبط لأنها ليست مستقلة بل متشابكة مع الرأسمال الإمبريالي، وتنشط في المساحات التي يسمح بها (التجارة، الخدمات، البنوك، الاستيراد، والعقارات). ولهذا كانت تؤسس الداخل بما يخدم مصالح الرأسمال الإمبريالي ذاته، كانت تلعب دور فرض الاقتصاد المفتوح بقوة السلطة التي تملكها، حيث يصبح الاقتصاد المحلي معرضاً لكل أشكال النهب الإمبريالي.
هذا الترابط جعلها تبقي المجتمع مخلفاً ومفككاً وخاضعاً لوعي “تقليدي”، ودون قوى منتجة بعد أن تدمرت الزراعةة كما لم يسمح بتطور صناعي حقيقي. وظلت مجال نهب مستمر من قبلها كما من قبل الرأسمال الإمبريالي. وهو الوضع الذي أوجد مشكلات في التكوين الاقتصادي انعكس على البنية المجتمعية، وسمح باستمرار الوعي التقليدي والبنى التقليدية. كما فرض نشوء تفارق طبقي واسع بين الرأسمالية المسيطرة التي راكمت الثروة ومركزتها، وبين الأغلبية المجتمعية التي دُفعت نحو الإفقار والتهميش. كذلك ظلت السلطة استبدادية شمولية (بطريركية). وكل ذلك لا يسمح بتحقيق الاشتراكية رغم سيادة العلاقات الرأسمالية، فليست الاشتراكية هي “سلطة الطبقة العاملة” فقط، بل هي إلغاء الملكية الخاصة في مجتمع بلغ التناقض فيه بين الطابع الخاص للملكية والطابع الاجتماعي للعمل حده الأعلى. فهنا تنطرح مسألة بناء اقتصاد منتج وتحقيق الحداثة في الوعي والبنى المجتمعية، أي مجمل المهمات التي تحققت مع انتصار الرأسمالية، لكن هنا في تضاد مع الرأسمالية، أي بقيادة العمال والفلاحين الفقراء. وبالتالي فإن الاستيلاء على السلطة يهدف أولاً إلى تحقيق هذه المهمات في أفق الوصول إلى الاشتراكية. وتحقيق هذه المهمات مسألة حاسمة في تحقيق التطور الذي يوصل إلى الاشتراكية، حيث لا إمكانية لتحقيق الاشتراكية في ظل غياب قوى الإنتاج وتخلف البنى المجتمعية وسيادة الوعي التقليدي. المسألة ليست سيطرة على السلطة فقط بل أن الوصول إلى الاشتراكية يتحقق في مجتمع متطور، وإذا كانت الرأسمالية فشلت في تحقيق التطور الذي ارتبط باسمها، على العكس كرّست البنى المخلَّفة، فإن على العمال والفلاحين الفقراء القيام بهذه المهمات بالضرورة. وهذا ما يفرض تأسيس علاقات إنتاج جديدة، ولأن تلعب الدولة دوراً مهماً في تطوير قوى الإنتاج والبنى المجتمعية بما يسمح بالانتقال إلى الاشتراكية.
الثورة إذن هي ذات طابع مركب، حيث يجب تحقيق المهمات الديمقراطية، مهمات الانتقال من المجتمع “ما قبلل رأسمالي” إلى الحداثة التي حققتها الرأسمالية، لكن من خلال طبقة مضادة (وتحالف طبقي مضاد) للرأسمالية، وفي صيغة تتجاوز الرأسمالية. لكنها ليس اشتراكية، بل هي مهيئة للانتقال إلى الاشتراكية. هنا يكمن الطابع المركب للثورة، وهو الطابع الذي بدأ مع لينين، وأكمله ماو تسي تونغ والشيوعيين الفيتناميين (بغض النظر عن المآلات التي تحتاج إلى تحليل مختلف). والذي يقوم على أن يحقق العمال والفلاحون الفقراء أساس وجودهم، أي البنى المجتمعية التي توجدهم كطبقة تشكل الأغلبية، وتتحكم في الإنتاج، وتؤسس لمجتمع يتجاوز البنى التقليدية يقوم على وعي وبنى حداثية. هذا الأساس الذي يسمح بأن تكون الاشتراكية ممكنة. وهذا الوضع هو الذي يفتح على رفع شعار: سلطة الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
هذا هو الأساس الذي يحكم نشاطنا، والذي يجب أن نعمل على أن يتطور الصراع لكي يصبح ممكناً. وبالتالي عليناا أن نطرح الشعار الممكن الآن، خلال الوضع الثوري القائم، وفي اللحظة التي يثور الشعب، بما يعبّر عن ميزان القوى الطبقي في الثورة، ووضع العمال والفلاحين الفقراء فيها، كأساس للوصول إلى أن يصبح شعارنا الأساسي هو الممكن الوحيد. علينا ان نربط شعاراتنا التي تطرح في الثورة بما نعتقد أنه ضروري لانتصار الثورة، وبالتالي أن نطرح الشكل الممكن في كل لحظة من لحظات الصراع الطبقي، الشكل الذي يساعد بأن يصبح شعارنا هو الشعار العام للثورة ذاتها. فلا نفرض على الواقع ما لا يحتمله، دون ان نتنازل عن أن كل شعار نطرحه يجب ان يسهم في تطوير وعي الطبقات الشعبية بما يجعلها تتمسك بتحقيق سلطة الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
8)
إذن، تطرح هنا مسألة نقل المجتمع من بناه المفوّتة واقتصاده الريعي إلى مجتمع صناعي منتج. لم يعد ممكناً أنن تستقر المجتمعات، وان تعيش الشعوب، دون أن تصبح مجتمعات صناعية حديثة، بالضبط لأنها ستكون ملحقة وتابعة للمراكز الإمبريالية، ومجال نهبها. وستظل مهمشة وتتحكم فيها البنى التقليدية والوعي التقليدي. فالصناعة هي منجز الرأسمالية الأول، وهو أساس نشوء الرأسمالية كنمط أصلاً، وحيث على ضوئها تشكّلت الدولة الحديثة، والوعي الحديث، وأيضاً التكوين العالمي الحديث القائم على أساس الدولة/ الأمة.
هذه الحداثة هي الضرورة بغض النظر عن مَنْ حققها، وهي الإرتقاء الجوهري في مسار التاريخ، الذي ليس منن الممكن تجاهله، أو القفز عنه. هذا ما حققته الرأسمالية، لهذا اعتبرها ماركس تقدمية وثورية، لكنها حينما شكّلت نمطها العالمي باتت “رجعية” تمنع تقدم كل العالم الذي لم يستطع التقدم حينها (وحتى قبل ذلك حين كانت قادرة على سحق كل محاولات التطور كما فعلت مع تجربة محمد علي باشا). وباتت راسمالية الأطراف ملحقة بها، متشابكة معها، وتلتزم رؤيتها ومصالحها، بالتالي لم تعد معنية بتحقيق هذه النقلة. لهذا حاولت فئات وسطى ريفية تحقيق ذلك، لكن ميلها للترسمل دفع فئات فيها إلى نهب التراكم الذي اصبح بيد الدولة عبر التأميم والنشاط الاقتصادي، ومن ثم فشِل التطور. هذا ما جعل الأمر يتعلق بالعمال والفلاحين الفقراء بالتحديد، لأن مصالحهم تفرض إلغاء الملكية الخاصة وليس إعادة إنتاجها. لأنهم لا يملكون، وبالتالي يستطيعون التمسك بالملكية العامة إلى النهاية. لهذا يستطيعون إعادة إنتاج الثروة في إطار مجتمعي، وهي الضرورة من أجل تحقيق التطور.
لكن ضرورة تحقيق هذه النقلة يفرض تحقيق المهمات الديمقراطية التي حققتها الرأسمالية، وإنْ في صيغة طبقيةة أخرى كما أشرنا. لهذا يجب بلورة “النمط الاقتصادي” الذي يحقق التطور، ويحقق في الوقت ذاته حلاً جذرياً لمشكلات الطبقات الشعبية، أي البطالة والفقر وانهيار التعليم والصحة والسكن. هذه هي المسألة المركزية في الثورة الراهنة، حيث ثارت لأنها تعاني من كل هذه المشكلات. وهو نمط يقوم على بناء الصناعة وتطوير الزراعة، وليس من الممكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال الدولة بالضبط لأن الرأسمالية تهرب من التوظيف في هذه القطاعات المنتجة. ولهذا هو نمط يتجاوز الرأسمالية وإنْ كان لا يفرض الاشتراكية، بل يفرض تعزيز دور الدولة في الاقتصاد، ويسمح للرأسمال الخاص ان ينشط بما يخدم تطور الاقتصاد المنتج وليس الاقتصاد الريعي. وبالتالي لا بد من تكوين مركب، محوره الدولة التي ستقوم بأهم ما يحتاجه التطور الاقتصادي، أي الصناعة والبنية التحتية، والمشاريع الكبيرة.
والدولة هي التي يجب أن تعيد بناء التعليم وفق سياسة تسمح بتعميم العقلانية والموضوعية، والعلمية، وتقومم على التعلُّم على التفكير والمحاكمة والنقد. تتضمن كل منجزات الحداثة لكي تنقل المجتمع من سيادة الوعي التقليدي إلى الوعي الحديث. وتعمم الثقافة الموضوعية والنقدية. وهي بذلك لا بد من أن تكون علمانية ديمقراطية. فكل ذلك مبتدأ تطور الوعي الاشتراكي، وهو المبتدأ الضروري لتجاوز وعي تقليدي مفوت.
الدولة هنا يجب أن تعبّر عن الطبقات الشعبية، بحيث يتضمن النمط الاقتصادي الذي تفرضه حلاً لمشكلاتها، لكنن أيضاً أن تخدم سياساتها هذه الطبقات، فهذه الطبقات بقيادة العمال والفلاحين الفقراء هي السلطة. وهو الأمر الذي يطرح مسألة طبيعة السلطة كبنية، أي “شكلها”. أي ما هي طبيعة الديمقراطية التي تنحكم إليها؟ ما هي آليات حكم تلك الطبقات؟ كيف تعبّر عن تصوراتها ومطالبها، التي ستكون على قدر من الاختلاف، وحتى التناقض في بعض الأحيان؟ هذه مسائل تحتاج إلى تحديد لكي تتأسس دولة علمانية ديمقراطية. لسنا مع حكم “الحزب الواحد” لأننا مع سلطة طبقة، طبقة لها أشكال متعددة من التعبير عن ذاتها، وربما يتشكل من داخلها أحزاب متعددة. ولا نريد أن تتشكل بيروقراطية حزبية تجثو على بنية الدولة وتأخذ في التمايز عن الطبقة، ومن ثم احتكار نسبة أكبر فأكبر من الثروة التي تقع تحت “ملكية” الدولة. لهذا لا بد من تأسيس دولة لا تسمح باحتكار حزب، سيتحوّل بعد أن يصبح في السلطة الجاذب لكل الانتهازيين الذين يريدون تحقيق “تحسين في الوضع الطبقي” عبر استغلال موقعه في الدولة.
9)
لقد تشكّل العالم الحديث انطلاقاً من نشوء وسائل إنتاج جديدة: الصناعة، وكما أشرنا تأسست البنية الاقتصاديةة السياسية على ضوء ذلك، لكن ما أصبح مفصلاً في التشكيل العالمي هو بناء الدولة/ الأمة، الدولة القومية بعد قرون من التفكك في أوروبا، وسيادة الإمبراطوريات في القرون القديمة. ولهذا بات بناء الصناعة يستلزم بناء الدولة القومية، حيث يجب توحيد السوق الداخلي الذي هو ضرورة لتصريف السلع الصناعية.
وإذا كانت أمم العالم قد تشكلت في دولة قومية، فإن هناك أمم لم تتوحد بعد، فهي مجزأة وبعضها غير مستقل.. هذا ما نشهده في الوطن العربي (عربيا) حيث الأمة مجزأة وأجزاء منها محتل. وإذا كان وضعه مفككاً في ظل الإمبراطورية العثمانية، وبعضه مستقل عنها فلقد فُرضت عليه التجزئة بفعل الحاجة الاستعمارية التي أرادت السيطرة ومنع التطور لكي يبقى سوقاً للحصول على المواد الأولية رخيصة السعر، ويكون سوقاً للسلع التي تنتجها المصانع في المراكز. وكان إنشاء “كيان يهودي” في فلسطين جزءاً من هذه الإستراتيجية، لكي يلعب دور الحاجز والرادع، ولهذا تشكّل كقاعدة عسكرية جرى إقامة “مجتمع” عليها لإخفاء الأهداف ولضمان فاعليتها.
إن تحقيق التطور يفرض تأسيس الدولة/ الأمة، فهذه عنصر جوهري لتحقيق التطور، بصفتها تؤسس لنشوء سوقق واسعة تسمح ببناء الصناعة، سواء نتيجة وجود عوامل ذلك (اليد العاملة والرأسمال) أو وجود السوق الواسعة التي تحتاجها الصناعة. ولهذا فإن هدف تحقيق التوحيد القومي هو جزء من المهمات الديمقراطية التي يحملها العمال والفلاحون الفقراء. إن تحقيق الاستقلال القومي، وتوحيد الأمة في دولة واحدة هما أساسيين في الطموح من أجل التطور والحداثة، التي يسعى العمال والفلاحون الفقراء لتحقيقها وهم يتقدمون من أجل انتصار الاشتراكية.
لقد أوضحت الثورات التي بدأت من تونس وتوسعت بشكل متسارع إلى كل البلدان العربية مدى الترابط القائم بينن الطبقات الشعبية، وما يسكن في أعماق طموح هذه الطبقات التي تمتلك شعوراً قومياً كان يظهر في بعض الأحداث لكنه ظهر واضحاً في امتداد الثورات. هذا الأمر جعلنا معنيين بان نوحد النشاط، وأن نبلور إستراتيجية واحدة تسمح بأن نلعب دوراً في تطوير مسار الثورات بما يجعلها ثورة واحدة، خصوصاً بعد أن ظهر واضحاً أن النظم تميل إلى التوحد ضد الثورات لكي تبقى مسيطرة، وتنشط لإجهاض كل حراك في بلد لكي لا تمتد الثورة إلى “حضنها”. وربما “تتوحد” جميعاً من اجل مواجهة “الغول” المنفلت الذي انطلق نهاية سنة 2010 وتوسع بشكل جنوني في كل المنطقة.
هذا الأمر، بكل خلفياته التاريخية، يفرض أن يتبلور البديل المعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء في الوطن العربي، فيي البلدان العربية، وأن يتنظم نشاط هؤلاء جميعاً،فالاستيلاء على السلطة في هذه البلدان يهدف إلى إنهائها وبناء الدولة/ الأمة، الدولة القومية التي تمثل الطبقات الشعبية، والتي عبرها تعمل من أجل الاستقلال الحقيقي والتوحد والتطور والحداثة، من أجل إنجاز المهمات الديمقراطية والانتقال لبناء الاشتراكية.
لكن تحقيق الدولة/ الأمة في الوطن العربي لا يسمح لنا بأن نتجاهل حقوق القوميات الأخرى، ولا الأقليات القوميةة التي تقيم على الأرض العربية. فمن حق كل الأمم الاستقلال والوحدة، وهذا ما يجعلنا مع حق الأكراد في بناء الدولة الأمة، وحق كل القوميات المتداخلة مع العرب في الاستقلال القومي. وأيضاً مع حق الأقليات القومية بالتعبير بلغتها وحماية ثقافتها، والحصول على حقوقها كأقليات كاملة، واعتبار أنها جزء من مواطني الدولة الموحدة. وأن كل اختلاف أو تداخل بين الأمم، او فيما يخص الأقليات القومية لا بد من أن يحلّ في إطار سلمي ديمقراطي وبما يحقق مصالح الشعوب. مع التأكيد على الطابع الفيدرالي للدولة الموحدة كشكل إداري ضروري في دولة متسعة.
10)
نحن نتحدث عن الثورة في البلدان العربية، لكن لا بد من التنبه إلى أنها حدثت بعد الأزمة المالية الكبيرة التيي انفجرت في 15 أيلول/ سيبتمبر سنة 2008، حيث فتحت الأزمة إلى انفجار “الحلقة الأضعف” في البنية التي أسستها الطغم الإمبريالية تحت مسمى العولمة. فقد عانت البلدان العربية من النهب منذ أن فُرض عليها الخصخصة وتحرير الاقتصاد والاستدانة، وجرى تحويل البنى الاقتصادية بحيث تسمح بنهب أعلى من خلال تعميم اقتصاد ريعي يقوم على الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والبنوك والبورصة. وهو التكوين الذي فرض ارتفاع البطالة إلى ما يزيد عن الـ 30%، والفقر إلى نسبة 60 أو 70%، وتشكيل مناطق واسعة مهمشة. وكان في أساس تصاعد الاحتقان لدى الطبقات الشعبية. وحيث ترافق ذلك مع ممارسة السيطرة والاحتلال بشكل راكم احتقاناً آخر، وأسس لترابط عام، كان التعبير عن رفض كل ذلك. تمثّل في السيطرة الصهيونية، ووجود الدولة الصهيونية أصلاً، والسيطرة الإمبريالية الأميركية واحتلال العراق سنة 2003. حيث كان النهب يترافق مع تعميق السيطرة، والغطرسة الإمبريالية.
لكن أزمة الرأسمالية لم تنته، وربما تزداد المفاعيل التي ستجعل انفجارها مرة أخرى ومرات أمراً مؤكداً. فقد اصبحح مجمل الاقتصاد الرأسمالي اقتصاداً “ريعياً” يقوم على المضاربات في اسواق المال وعلى السلع والخدمات، وعبر المشتقات المالية، ومن خلال المديونية. بينما تراجع وضع الاقتصاد الحقيقي (الصناعة والزراعة) إلى الهامش في بنية الاقتصاد الرأسمالي ذاته، حيث أن 90% من حركة رأس المال تذهب إلى النشاط المضارب. وهو الأمر الذي يعني نشوء “الفقاعات” التي تعني نشوء تراكم تضخمي في القيم دون الحصول على فائض، لكنه يصل إلى لحظة يتوقف عندها ليحدث انفجار الفقاعة. وبالتالي حدوث انهيارات كبيرة في الاقتصاد الحقيقي. وهذه حالة باتت جزءاً من تكوين الرأسمالية تشير إلى تعفنها. حيث يصبح التراكم السريع عبر المضاربات والمديونية والمشتقات المالية هو السمة المسيطرة في مجمل بنية النمط. لكن هذه الحالة تؤدي بالضرورة إلى النشوء المستمر للفقاعات، وبالتالي الحدوث المستمر لانفجارها. ومن ثم انعكاسها على مجمل الاقتصاد الرأسمالي، خصوصاً هنا على البنوك التي تحدث كل هذه العملية عبرها وبفعلها نتيجة التراكم المالي الهائل الذي يتكدس لديها دون أن يجد مجالاً للتوظيف في الاقتصاد الحقيقي، الذي يعاني من حالة الإشباع بحيث لا إمكانية لزيادة ضخ الرأسمال فيه، خصوصاً أنه يعاني كذلك من أزمة كساد مديدة.
ولا شك في أن الطابع المالي، بالتالي، هو الذي يهيمن في النمط الرأسمالي عموماً، وان الاقتصاد الحقيقي، إضافةة إلى أزمة فيض الإنتاج وحالة الكساد التي يعاني منها، ينوء تحت ضغط مفاعيل النشاط المالي. فالأرباح الضخمة التي تنتج عن المضاربة تدفع الرأسمال إلى الانتقال للنشاط من الاقتصاد الحقيقي إلى المضاربات والمديونية. وتركز النشاط الاقتصادي في هذا القطاع يصاعد من تضخم القيم دون أن يكون لها أساس فعلي، وهو الأمر الذي يقود حتماً إلى نشوء فقاعات وانفجارها. وانفجارها يقود إلى انهيار البنوك والمؤسسات المالية، مما يدفع الدولة إلى تعويضها لكي لا ينهار مجمل الاقتصاد ، ومن ثم تزيد من مديونيتها. كما أن المديونية التي فُرضت على الدول في الأطراف، وفي بلدان جنوب أوروبا وشرقها، أوقعت هذه البلدان في أزمة سداد فوائدها وأقساطها، وهو الأمر الذي بات يهدد البنوك والمؤسسات المالية كذلك. وإذا كانت مجمل السياسات الاقتصادية بما فيها المديونية قد سمحت بنهب الأطراف وإفقار شعوبها، فإنها قادت إلى أن تلجأ بلدان رأسمالية (في جنوب أوروبا وشرقها) إلى إفقار شعوبها عبر سياسة تقشف صارمة، كما فعلت بلدان الأطراف قبلاً، ولا زالت.
الرأسمالية في أزمة عميقة، بدأت وهي مستمرة وتتفاقم، وتطال كلية النمط الرأسمالي نتيجة ما أشرنا إليه. لكنن كل انفجار للأزمة سوف يقود إلى انفجار ثورات اجتماعية، وبالتالي فإننا في وضع عالمي ثوري، وضع سيشهد تفاقم الصراع الطبقي على صعيد عالمي، وسوف تعم الثورات الأطراف، وأيضاً بلدان راسمالية في المراكز (أو في أطراف المراكز)، من جنوب وشرق أوروبا إلى أوكرانيا وروسيا وتركيا وإيران، إلى آسيا وأميركا اللاتينية وافريقيا.
لقد ضعفت “القبضة الإمبريالية”، وتراجع وضع المركز المهيمن ليفتح على صراعات تنافسية بين البلدان الإمبريالية،، في وضع كلها مهدد بأزمة “مالية”، وبانهيار كبير، بالضرورة سوف يطالها جميعاً. وهو الأمر الذي سوف يضعف تأثير المراكز الإمبريالية على العالم، ويفتح أفقاً لانتصار الثورات التي تهدف بالضبط إلى تجاوز الرأسمالية.
هذا الأمر يفرض ان نعمل على تطوير الرؤية حول الوضع الإمبريالي الراهن، وأن نفهم آليات انفجار الأزمات فيي الراسمالية، واثر ذلك على العمال والفئات المتوسطة في المراكز ذاتها (وفي أطرافها)، وأثره على العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين في الأطراف. وأن نعمل ذلك من اجل بلورة إستراتيجية عالمية توحد نضالات العمال والفلاحين الفقراء، وتوحد المواجهة الحتمية مع الطغم الإمبريالية من أجل تجاوز الرأسمالية.
لهذا لا بد من إعادة بناء الحركة التي تعبّر عن هؤلاء في مجمل بلدان العالم، وأن نؤسس الرؤية التي تحدد طريقق الانتصار، والوصول إلى الاشتراكية. لا بد من مركز عالمي ينظم نضالات العمال والفلاحين الفقراء، نضالات الماركسيين، وكل الحركات التي تسعى لتجاوز الرأسمالية.
الرأسمالية في أزمة هي أعمق من كل الأزمات السابقة، ولا حلّ لها مطلقاً، فقط يمكن إدارتها أو تأخيرها. وهيي تنعكس في سياسة تفقر الشعوب وتعزز نهب الأمم، وبالتالي تؤسس لوضع ثوري.
إذن، الثورة راهنة في كل العالم. وعلينا أن نبني الأدوات التي تقود حتماً لانتصارها من أجل تجاوز الرأسمالية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *